الإرهاب الشيعي مقاومة والمقاومة السنّية إرهاب (2)

إن كان تنظيم "داعش" ذبح الأجانب من الوريد إلى الوريد، فنجد العمل نفسه لدى نظام الأسد.

الجمعة، 19-12-2014 الساعة 18:38


لقد حشد العالم تحالفاً دولياً من أكثر من أربعين دولة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، ولكنه لم يفعل ذلك مع تنظيمات شيعية فعلت أكثر مما فعلته "داعش"، وكان لها السبق في جرائم ضد الإنسانية، ونقول ذلك ليس دفاعاً عن هذا التنظيم ولا ذاك، إنما دفاعاً عن المبادئ والقيم الأخلاقية التي وجب أن تتوفّر لدى المدافعين عن الأبرياء والسلم العالمي من دون أدنى كيل بمكيالين كما نراه يجري حالياً.

إن كان تنظيم "داعش" ذبح الأجانب من الوريد إلى الوريد، فنجد العمل نفسه لدى نظام الأسد الذي ذبح وسلخ المعتقلين وهم أحياء وقتل الأجانب أيضاً. وإن كان تنظيم "داعش" قد ذبح سوريين وعراقيين بالسكاكين، فشبّيحة الأسد قد ذبحوا حتى الأطفال الرضّع، ومجزرة الحولة شاهدة على ذلك، كما أن مليشيات "حزب الله" فعلت أكثر من ذلك، والفرق فقط أن التنظيمات الشيعية تخفي جرائمها كما كانت تخبئ عقائدها، ولكن "داعش" تنشرها ليراها كل البشر.

العالم اهتزّ لجريمة "داعش" في ذبح الصحفي الأمريكي جيمس فولي، لكنه لم يتحرّك مع من قتلوا بقذائف وصواريخ النظام السوري، نذكر منهم الصحفيين الفرنسيين، جييل جاكييه، وأولفييه فوازان، وإيف دوباي، والصحفية الأمريكية ماري كولفين، والمصوّر الفرنسي ريمي أوشليك، والصحفية اليابانية ميكا ياماموتو وغيرهم. ولو يجري تصوير لحظة سقوط القذيفة أو الصاروخ وهي تفاجئهم وتمزّق أجسامهم، لكانت أفظع بكثير من جريمة ذبحهم بالسكين. هذا بغض النظر عن الإعلاميين الذين قتلوا تحت التعذيب البشع وتسلّم أهاليهم جثثهم في حالة يرثى لها، ويوجد الكثير؛ نذكر: عبد الله حسن كعكة، وبراء بوسيف البوشي، ومحمود صدقي سخيطة، ورامي سليمان، وحسن محمد أزهري، وجوان محمد قطنا، وفرزات يحيى الجربان.

لو تمكّن الناشطون السوريون من تصوير لحظة سقوط براميل متفجرة وصواريخ على نساء وأطفال وهي تمزّق أجسادهم وتدمّر بيوتهم على رؤوسهم، لكان قتلهم بالسكاكين أرحم لهم بكثير مما يحدث منذ أكثر من ثلاث سنوات، هذا فضلاً عن السلاح الكيماوي والكلور المسموم، وقد شاهد العالم أطفال الغوطة وهم يموتون بالاختناق في حالة أذهلت البشرية ولم يتحرّك لها القضاء الدولي، ولو أن الذي حدث استهدف حيوانات لما سكت أحد عن هذه الوحشية المقزّزة للغاية.

إن كان تنظيم "داعش" يتمدّد لبناء دولته أو "خلافته" في العراق والشام، فإن مليشيات "أنصار الله" الحوثية بدورها تمدّدت، وكذلك بالنسبة لـ "حزب الله" وبقية التنظيمات الشيعية الإرهابية، فلماذا يا ترى الكيل بمكيالين بين وحشية مضادة تمثّلت في "داعش"، وأخرى أصلية مثّلتها تنظيمات إيرانية دموية متطرفة وطائفية؟

إن المجتمع الدولي، للأسف الشديد، يحارب أيّ تنظيم سنّي يدافع عن السنّة، وهذا ما نراه مع تنظيمات أخرى غير "داعش" في سوريا، ذلك أنه يمنع عنهم السلاح، ويدعّم القتلة، والآن صار يقصف مواقعهم مباشرة أو يسمح لنظام الأسد بقصفهم، في حين لم يحدث أن قصف مواقع "حزب الله"، أو "أبو الفضل العباس"، أو غيرهما في سوريا، ولو من باب الخطأ، بل معلومات تفيد أنه يوجد تنسيق أمني بين أمريكا ونظام الأسد عبر إيران، وقد أدى هذا التنسيق إلى تبادل الأدوار، إذ إن المناطق التي يقصف فيها التحالف الدولي يتفاداها نظام الأسد ويقصف في مناطق أخرى آهلة بالسكان المدنيين. وأحياناً يكون القصف بالتناوب؛ فبعد قصف قوات التحالف يأتي دور قوات الأسد، وهذا الذي حدث على سبيل المثال في حلب، حيث أغار طيران التحالف على مطار الجراح العسكري الذي يسيطر عليه تنظيم "داعش" يوم الأربعاء 11 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وفي يوم الخميس 12 نوفمبر/تشرين الثاني جاء دور مقاتلات جيش الأسد، وهذا ما نقلته "الوطن" الموالية للنظام السوري في عددها الصادر بتاريخ 14/ 12/ 2014.

صار واضحاً أن المقاوم السنّي هو إرهابي، ولو كان هدفه هو الدفاع عن نفسه ضد من يقتل أطفاله ويغتصب نساءه، في حين أن الإرهابي الشيعي هو مقاوم، ولو كان يجرم في حق الإنسان والحيوان، وبطرق تعافها حتى وحوش الغاب. ولو اقتصر هذا التسويق على الصفويين الإيرانيين لقلنا هذا طبيعي؛ لأنهم يدافعون عن مصالحهم، ولو بالكذب الذي هو تقية في تراثهم الديني، ولكن تعدّى الأمر، يا للأسف، إلى العرب والمسلمين الذين تصفونوا حتى صاروا يصفّقون لمن يدمّر أوطانهم.

نذكر في سياق الحديث عن الكيل بمكيالين في قضية الإرهاب، حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي خاضت عدة حروب مع "إسرائيل" دفاعاً عن غزّة التي تتعرّض للحصار والقصف والعدوان، وفي كل مرّة يجري تجريمها واتهامها بالإرهاب، وهي مدرجة في قوائم أمريكا كمنظمة إرهابية، حتى صاروا حالياً يخطّطون مع دول عربية لمحوها من الوجود، وحتى المتصهينون العرب في أقل الأحوال يتّهمونها بالمغامرة مع جيش قوي، لكن هذا لم يحدث مع "حزب الله" الذي بدوره ورّط لبنان في حرب تموز 2006، والتي دمّرت البلاد والعباد والأغلبية الساحقة من ضحايا العدوان الصهيوني كانوا من أهل السنّة والطوائف الأخرى من غير طائفة حسن نصر الله، ومع كل ذلك يتباهون بمعركته التي بقيت شهراً، وهي أقل من المدة التي صمدت فيها "حماس" في مواجهة العدوان الصهيوني على غزة المحاصرة.

مهما كانت انتقاداتنا ومؤاخذاتنا، فإنه لا يلام أهل السنّة على ما يقومون به، فهم مستهدفون من كل العالم، ما دام دمهم حلال وأعراضهم تستباح وثرواتهم تنهب وبيوتهم تنتهك، وليس من حقهم حتى الدفاع عن أنفسهم ولو بالصراخ عبر الفضائيات.

لا يلام أهل السنّة وهم يبادون في سوريا والعراق، وتحتلّ أوطانهم من طرف إيران عبر مليشيات إرهابية لا يرى المجتمع الدولي جرائمها، في حين أن الجماعات السنّية التي تدافع عن نفسها ولا تعتدي على الآخرين ولا تهدّد أحداً، تتعرّض لكل الاتهامات والمؤامرات الدولية.

ولن يلاموا أبداً ما داموا يشاهدون العصابات الإيرانية تلعق من دمائهم، وتتلذّذ بذبحهم وقتلهم وتشريدهم، ومن دون أن يتحرّك المجتمع الدولي وفقاً للقوانين والمواثيق التي توجب حماية الضحايا ومعاقبة الجناة، بل لم يتوقف الأمر على الخذلان، بل وصل الحال إلى مساعدة المعتدين على الفتك بضحاياهم وبصور مقززة لا يقبلها عرف ولا منطق إنساني.

توجد أخطاء كبيرة ترتكبها بعض التنظيمات السنّية التي لا تتبع عضوياً لأي دولة، مثلما يجري مع الجماعات الشيعية التي مفاتيحها في دولة طهران، وأيضاً التنظيمات السنّية لا تراعي موازين القوى والسياسة الدولية القائمة وفق الموازنة بين المصالح والمفاسد، كما أنها تعلن حربها على كل من يختلف معها ولا تمارس سياسة التحالفات، وبذلك تترك الأعداء يتحالفون ضدها، كل ما ذكرنا وما لم نذكر جعلها محل سخط دولي، وللأسف خطأ يرتكبه تنظيم جعل كل التنظيمات الأخرى تدفع الثمن غالياً.

كما أن الدول السنّية بدورها أخطأت كثيراً في التعامل مع شأن الإرهاب، حيث ارتمت في أحضان الطرح الأمريكي والغربي الداعم للمشروع الصفوي الإيراني، وبلا أدنى تبيّن ولا مرافعة لحق السنّة في المقاومة والدفاع عن أنفسهم. وللأسف صرنا نرى من يطلب رأس الدكتور يوسف القرضاوي، وهو رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عبر الإنتربول، بتهمة الإرهاب، ولا يتجرّأ على حسن نصر الله، وهو زعيم مليشيات مسلّحة ترتكب أفظع الجرائم في لبنان وسوريا ودول عربية أخرى.

لكن هذا لا يبرر أن يكيل العالم بمكيالين، ويدعّم قتلة يرتكبون الفظائع، كما لا يجوز مطلقاً أن يحارب الفرع الإرهابي ويترك الأصل، وأمريكا طالما تبنّت مشروع "تجفيف منابع الإرهاب"، فلولا إرهاب الأسد والمالكي والحلف الصفوي الإيراني، ما شاهد العالم إرهاب "داعش"، وهو التنظيم الذي وجوده أصلاً عليه علامات استفهام كبيرة، ووحشيته في الأصل هي وحشية مضادة لإرهاب الدول ترتكبه إيران ونظام الأسد وروسيا وكل من يدور في فلكهم.

للأسف الشديد، لو كان العالم يريد فعلاً مكافحة الإرهاب من أجل تحقيق السلم والأمن والاستقرار في العالم، لرأيناه يحارب "القاعدة" و"داعش" و"حزب الله" ومليشيات إيران في العراق، وحتى "الحرس الثوري" الذي يمارس إرهاب الدولة بمعنى الكلمة وخارج حدود بلاده.

لو كان العالم يهتمّ بحقوق الإنسان والمواثيق الدولية والأممية لتحرّك منذ البداية، ووضع حدّاً لإرهاب نظام الأسد الذي يهدّد الوجود الإنساني والحيواني، ويستهدف أمن المنطقة والسلم العالمي بدعم من دول هي عضو في الأمم المتحدة، وبينها من تتمتّع بحق النقض "الفيتو"، وتستعمله فيما يتنافى مع مواثيق الأمم المتحدة وكل القوانين الدولية السارية المفعول.

إن الإرهاب الشيعي، للأسف، صار مقاومة، والمقاومة السنّية تحوّلت إلى إرهاب، وفي قمة النفاق العالمي، وهذا يفرض علينا الدعوة إلى ضرورة صناعة ميثاق دولي يتعلّق بالإرهاب، يضع تعريفاً قانونياً له، يتّفق عليه المجتمع الدولي، كي يحاصر القوى الإمبريالية الكبرى التي تغزو غيرها بمبرر إرهاب تضعه على مقاس مصالحها فقط.

جرائم نظام بشار الأسد والمليشيات الشيعية التي تجاوزت بملايين الأضعاف ما تقترفه "داعش"، صارت تمرّ مرور الكرام، للأسف، وكأن قتل وتشريد وتعذيب واختفاء الملايين لا يعني شيئاً في ميزان القانون الدولي. في حين أن من يدافع عن نفسه مثل تنظيمات سنّية - من غير "داعش" - فهي إن لم تستهدف فيمنع عنها السلاح والتموين، وهذا نوع من الاعدام البطيء الذي يشبه لحدّ بعيد الحصار الذي يضربه نظام الأسد على بعض المناطق، حتى يدفع سكانها إلى أكل القطط والحشرات والحشائش إن وجدت.

يجب التفريق بين المقاومة المشروعة والإرهاب غير المشروع، وهذا لن يتحقق أبداً ما دام الذين يتحكّمون في العالم هم الغزاة أنفسهم ممن يحرّكون خيوط لعبة الغزو المباشر وغير المباشر في العالم الإسلامي، وهذه كبرى الجرائم بحقّ العدالة الدولية لمّا يغدو الظالم هو من يرعاها، ولذلك ستبقى البشرية تغرق في الظلم وتتصاعد حدّة الانتهاكات لحقوق الإنسان وستقترف جرائم الحرب والإبادة على مرأى ومسمع الجميع، لأن الضحايا هم الضعفاء، أما الأقوياء فهم الجلادون والقضاة في الوقت نفسه.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة