الإسلاميون ومعركة الحرية

مما لفت انتباه المتابعين لهذا الحدث الخطير اجتماع كافة التيارات الفكرية والدينية في الدفاع عن استقرار بلدهم.

السبت، 23-07-2016 الساعة 13:48


الشعب التركي اندفع ليلة السادس عشر من تموز كالسيل العارم في شوارع إسطنبول وأنقرة وباقي المدن التركية، واقفين ضد دبابات الانقلاب العسكري، مدافعين عن حريتهم التي انتزعوها من أيدي العسكر بنضال شاق خلال العقود الستة الماضية.

وقد تابعت بكثافة عالية الجماهير في منطقتي الشرق الأوسط ودول البلقان هذا الحدث الجلل بتوترٍ أكبر، بما يترتب عليهما من تبعات استراتيجية في حالة نجاح الانقلاب، إذ إن مصير المسلمين في الشرق الأوسط والأقليات المسلمة في البلقان مرتبط بذلك ارتباطاً وثيقاً.

ومما لفت انتباه المتابعين لهذا الحدث الخطير اجتماع كافة التيارات الفكرية والدينية في الدفاع عن استقرار بلدهم.

فعندما تهدد مستقبل ديمقراطية البلاد همش الشعب التركي الخلافات الحزبية والمذهبية والفكرية جانباً، وتوحدت الجماهير حول أسس صلبة لا يختلف حولها اثنان. فأغلبية مناصري حزب العدالة والتنمية تنازلوا عن أعلام حزبهم، ورفعوا الأعلام التركية مما يدل على ذكائهم الحاد، وإدراكهم بأن الحزب هو مجرد وسيلة قانونية يمكن تهميشها عندما يتعلق الأمر بمصير الوطن. وأما المعارضة فتناست خلافاتها مع الحزب الحاكم، ولا سيما خصومتها الشخصية مع زعيمها رجب طيب أردوغان. ولم نر في الشارع التركي أي ألفاظ طائفية تدين المختلف وتُجرمهُ، سواء كان ليبرالياً أو ملحداً أو قومياً، كلهم توحدوا تحت شعار واحد هو شعار المحافظة على الديمقراطية.

إلا أن القارئ لهذا السطور سيعترض على كلامي ويتهمني بالتحيز وعدم الموضوعية، حيث لم يغفل أحد دور الجماعات الإسلامية في إخماد فتيل النار الذي أوشك أن يتبلع تركيا، فكل من شاهد هذا الحدث سمع مع تكبيرات المساجد ونداءات في الشوارع : بسم الله الله أكبر.

فبطبيعة الحال أهل المساجد لم يترددوا في تلبية نداء رئيسهم في الدفاع عن الإرادة الشعبية التي تمخضت في الانتخابات الحرة التي أفرزت نظامهم الحالي متمثلاً في البرلمان والرئاسة التركية.

ومن هنا انتشرت مقولة قد تكون مضللة في بعض الأحايين فحواها: "إنّ من تدعمه الجوامع لن تهزمه المدافع"، التي تصح في الحالة التركية، ولا تصح في الحالة المصرية، أو حالة الدولة الإسلامية في العراق والشام؛ لأن الخطاب الذي يلقى في منابر المساجد بإمكانه أن يكون "أفيون الشعوب" بعبارة ماركس، أو أن يكون استحماراً للشعوب كما في الحالة الآنية في كثير من البلدان العربية، حيث يوظف الدين في تعميق الفروق الطائفية والمذهبية، وإحداث الشرخ في الصف الوطني، مما يجلب على الدين والمتدينين والشعوب بأجمعها كوارث فاتورتها غالية على الشعوب المكلومة. ولكن في الحالة التركية لعبت المساجد دوراً حقيقياً، حيث الدين يكون رأس حربة في تحرير الشعوب من أغلال الطغاة: "أن أرسل معي بني إسرائيل" فما معنى أن تحتل قصة موسى وفرعون مكاناً محورياً في النص القرآني الخاتم إلا إيذاناً بأن مهمة الإسلام الكبرى ستكون مهمة تحريرية بامتياز. وهذا ما أدركه العلامة المفسر الزيتوني محمد الطاهر بن عاشور (1973م) حين اعتبر الحرية أساساً تقوم عليه المقاصد الشرعية، وفتح باباً يمكن إعادة هيكلة المقاصد الشرعية بناء على المنظور الإرشادي الجديد (البارادايم) وقد تبعه محيي نظرية المقاصد في عصرنا الحديث العالم المغربي أحمد الريسوني في كتابه مقاصد المقاصد، وهذه محاولات تؤذن بميلاد مستقبل جديد على أمة الوحي في أن تلعب دوراً محورياً في الدفاع عن حرية الناس أجمعين.

فالعالم اليوم مثقل تحت وطأةِ النظام الرأسمالي المتوحش الذي يستند قوامه على شعارات الحرية، لكنه يناقض هذه الشعارات ليس في سياساته الخارجية فحسب بل وصل الأمر أن بدأ يصادر حرية شعوبه. فانتشار الطبقية في العالم الرأسمالي المتقدم أحد أبرز التحديات التي أصيب بها مدعو التقدم في العالم، وقد أشار إلى ذلك عالم الاجتماع الشهير أنتوني غدينز Anthony Giddens، في كتابه علم الاجتماع، الذي يعتبر أحد أهم 100 مؤلف في القرن العشرين، أشار إلى فشل منظومتي الرأسمالية والشيوعية في إحداث المساواة بين البشر مما دعاه إلى كتابة كتاب الطريق الثالث ولسنا بصدد مناقشة أفكاره، وإنما نريد أن نلفت الأنظار إلى أهمية الإسلام فى حمل شعلة الحرية في عصرنا هذا.

فقد صرخ الشيخ محمد الغزالي منذ عقود:

"إذا لم يسمع صوت الدين في معركة الحرية فمتى يُسمع؟ وإذا لم ينطلق سهمه إلى صدور الطغاة فلمن أعده إذن؟".

وخير تطبيق لهذه المقولة رأيناه هنا في تركيا حيث تقدم أهل المساجد إلى الصفوف الأولى في مواجهة الدبابات، ليس لاقتناص الفرصة في فرض أيدلوجيتهم على باقي المجتمع وإنما لحفظ حرية اختيار ممثليهم التي هي عامل الوحدة الأهم في بلد تنتشر فيه أعراق وقوميات عديدة.

ويبقى الأهم كيف سنتسفيد من هذه التجربة بحيث تخرج التيارات الإسلامية من مأزقها الراهن وهل سيتبع ذلك مراجعات جادة أم سيطبقون عملية الحجب والتمرير"؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

مصدر في مكتب المدعي العام التركي للجزيرة: توصلنا لأدلة تدعم شبهاتنا في مقتل خاشقجي

عاجل

سي إن إن: السعوديون يستعدون للإقرار بمقتل خاشقجي بالخطأ خلال التحقيق معه

عاجل

مصدر في مكتب المدعي العام التركي للجزيرة: الأدلة التي وجدت تدعم شبهة تعرض خاشقجي لجريمة قتل

عاجل

مصدر في مكتب المدعي العام التركي للجزيرة: الفحص الأولي داخل القنصلية السعودية أظهر أدلة بارزة على مقتل خاشقجي رغم محاولات طمسها