"الإسلام السياسي" في الميزان الأوروبي

القيم والمبادئ التي يرفعها الغرب ليست على سلم أولويات الشروط التي ترسم علاقاته مع الدول العربية والإسلامية.

الخميس، 19-05-2016 الساعة 11:30


لا يمكن اعتبار عنصر "الإسلام السياسي" غريباً أو حالة طارئة على البنية الفكرية الإسلامية، بمفهومها التاريخي والثقافي والمجتمعي، بل هو تراكم تاريخي، سُمي اليوم بذلك بعد بروزه المفاجئ والصعود السريع للتيارات الإسلامية في الحياة السياسية لدول ما يُعرف بـ"الربيع العربي". وهو السبب نفسه الذي جعل دولاً أوروبية تهتم بهذه الحالة وتدرسها وتحللها وتسعى لبلورة علاقة معينة معها. في السابق، كان يُنظَر إلى الحركات الإسلامية باستخفاف، ذلك أن الدين بعين الأوروبيين كان يُعتبر عامل تخلف رئيساً، وأن الإسلاميين رجعيون، في حين كانت الديكتاتوريات في الشرق الأوسط تُعتبر عناصر تحديث. من هذا المنطلق برز مفهوم "الحداثة والإسلام"، وكلٌ يدلو ببِدَلْوِه: إما صراع أو إنسجام.

بادئ ذي بدء، فإن موقف الغرب عموماً اتجاه "الإسلام السياسي" يختلف بمرور الزمن، أيضاً من بلد عربي إلى آخر، وأيضاً يختلف الموقف تجاه حزب إسلامي معين من فرد إلى آخر؛ وهكذا دول أوروبا، لكل بلد أولوياته الخاصة وماضيه التاريخي ومصالحه الاستراتيجية والاقتصادية والجيوسياسية. ومن الممكن ملاحظة بعض المواقف المشتركة، الصادرة عن منظمة حلف الشمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. لذلك يجب أن يتم تحليل كل موقف على حدة من أجل استخلاص النتائج بدقة.

بريطانيا

كمثل باقي الدول الغربية، قامت بريطانيا بالتضييق على الإسلاميين بعد أحداث سبتمبر 2001، وقد زاد التضييق على كثير من المؤسسات واللجان الإسلامية، حتى تلك التي رفعت شعار "لنمنع الإرهاب معاً" - المجلس الإسلامي البريطاني - بعد اكتشاف الشرطة خطة لمجموعة من المسلمين البريطانيين لتفجير رحلات جوية عابرة للمحيط الأطلسي عام 2006. عندها قررت بريطانيا التعامل مع الإسلاميين وفق مبدأ "إما أن تؤيدوا القيم البريطانية أو تفقدوا الدعم والمنح"، حسب ما جاء في ديلي تيلغراف في 12 أكتوبر 2006. أدرجت الحكومة حينها أنشطة وزارة الخارجية ومنها خارطة طريق أصوات التمكين من دمج الإسلام في التيار الاجتماعي العام والتصدي للفكر الإسلامي الراديكالي، من خلال تنظيم لقاءات مع علماء إسلاميين، كان منهم الشيخ القرضاوي رغم تأييده بوضوح للتفجيرات الفدائية في إسرائيل! ثم اندلع "الربيع العربي" ليختلف المشهد.

برز خلال الأحداث التي مرت بمصر عام 2011 بعض الإشارات المتضاربة من حركة الأخوان اتجاه إسرائيل؛ فمقابل أن بعض الناطقين بإسم الأخوان وعد بالتقيد بأحكام معاهدة السلام كامب ديفيد، فالبعض الآخر، منهم رجل الدين الأخواني صفوت حجازي، خاطب المحتشدين أثناء حملة الرئيس مرسي إن "ملايين الاستشهاديين سوف يزحفون نحو القدس"؛ هذا ما جعل الإدارة البريطانية تبدو قلقة من صعود "الإسلام السياسي".

أثناء اندلاع الأحداث التي أفضت إلى الإطاحة بحسني مبارك، زار ديفيد كاميرون مصر ورفض الاجتماع بالأخوان المسلمين، وقوبل بتعنيف وتوبيخ رسمي من قبل العضو في المكتب الإرشادي للأخوان الدكتور عصام العريان، حسب ما جاء في صحيفة تلغراف 21 فبراير 2011. لاحقاً وبعد نجاح الأخوان في الانتخابات، أعرب ديبلوماسي في دول الكومنولث عن رغبة الحكومة البريطانية في فتح الباب على مصراعيه أمام الحوار السياسي المباشر والكامل مع الأخوان، ببيان نُشِر على موقع الإخوان في مصر. وفي ما بعد قال السفير البريطاني لدى مصر جيمس واط إن الجماعة يحق لها المشاركة في التحول الديمقراطي. (المصدر نفسه، موقع الإخوان). وقد ثبت ذلك من خلال سياسة بريطانيا بعد نجاح الأخوان في الانتخابات، ويمكن تلخيصها بأنها سياسة استئناس بالقيم البريطانية الداعمة للديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي.

أكاديمياً، قبل اندلاع الثورات بعدة سنوات، خلص معهد بحوث السياسة العامة إلى استنتاج مؤيد بشدة للمشاركة والحوار مع الأخوان، وقد صدر تقرير عن المعهد بعنوان "الإخوان تحت اليد؟ مشاركة الإخوان المسلمين في مصر"، جاء فيه "الجماعة عنصر بالغ الأهمية في المشهد السياسي المصري"؛ وتقرير آخر خلص فيه "إن إنجاز الإصلاح الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتطلب الحوار مع بعض الحركات الإسلامية".

مقابل هؤلاء، برز بعض من يرون في الأخوان المسلمين حركة دينية ثيوقراطية تعارض التعددية والديمقراطية، وأن التمكين الديمقراطي للأخوان يحاكي معادلة برنارد لويس الشهيرة "رجل واحد، صوت واحد، لمرة واحدة".

بعد الانقلاب الذي قاده السيسي للإطاحة بالشرعية المتمثلة بـ"الإسلام السياسي"، رغم موقف بريطانيا على لسان وزير الخارجية ويليام هيغ أن "بريطانيا لا تدعم تدخل الجيش لحل النزاعات في الأنظمة الديمقراطية" ودعا للتهدئة؛ لكنها أبقت على التعاون مع الانقلاب، واضعة على سلم أولوياتها "الحرب على الإرهاب". وأثناء زيارة السياسي للندن عام 2015، دعا حقوقيون مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان وأجهزة الأمن إلى عدم التمييز في تطبيق القانون على الدكتاتوريين والمنتهكين لحقوق الإنسان، وأعرب عن أسفه لأن بريطانيا لم تتعامل مع الملف المصري ومع الانقلاب وفقاً للقيم البريطانية ذاتها، التي تعلي حقوق الإنسان والديمقراطية على أية اعتبارات أخرى.

ألمانيا

بقيت ألمانيا تتجاهل الحركات الإسلامية تماماً حتى عام 2011، وقد أدّى تمكين الإسلاميين اللاحق إلى رسوخ الفكرة لدى برلين أنه لا يمكن تجاهل هذه الحركات أكثر من ذلك. تاريخياً، ظلت السياسة الرسمية ترفض إجراء جميع أنواع الاتصالات مع الأخوان المسلمين، وبدلاً من ذلك، زادت الحكومة الألمانية من دعمها للأنظمة الاستبدادية في العالم العربي من أجل تحسين قدراتها في مكافحة الإرهاب، خاصة بعد أحداث سبتمبر 2001، رغم أنها أدركت تماماً أن هذه القدرات سوف تُستعمل ليس فقط لمكافحة الإرهاب، بل أيضاً لمحاربة والتضييق على الإسلاميين الذين ينبذون العنف ويؤمنون بالإصلاح السياسي واحترام حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي.

بعد اندلاع "الربيع العربي"، كانت ردة فعل ألمانيا براغماتية لحقائق جديدة، ما جعلها تتخلى عن سياسات رفضتها سابقاً، وتقبل بالأدوار السياسية التي يمارسها الأخوان؛ وقد أرّخَها باحث ألماني، غيدو شتاينبرغ، قابل دبلوماسياً ألمانياً يعمل في السفارة الألمانية في القاهرة، يقول فيها الأخير: "تغير الموقف العام اتجاه الإخوان فقط في عام 2011".

في تونس، خلصت السياسة الألمانية اتجاه "الإسلام السياسي" المتمثل بحزب النهضة الإسلامي، بإقامة حوار معهم وفق شروط صاغتها في وثيقة وضعتها وزارة الخارجية "بما أن الجماعات الإسلامية المعتدلة ستكون جهات سياسية فاعلة مهمة، فعلينا أن نكون مستعدين لإقامة حوار مع هذه الجماعات، شرط الالتزام بمبادئ الديمقراطية، وسيادة القانون، ورفض العنف، والتعددية، وحقوق الإنسان، واحترام الالتزامات والمعاهدات الدولية، واتباع منهجية بناءة للقضايا الإقليمية في الشرق الأوسط. وبخصوص إسرائيل، وحل الدولتين، ومبادرة السلام العربية، فيجب أن نحصل على توقعات واضحة". كانت رسالة الوثيقة واضحة، أن ألمانيا ستتعامل مع حزب النهضة في تونس، والإخوان في مصر، ولكنها لن تتعامل مع حماس، حتى لو فازت مرة أخرى في الانتخابات. أتى موقف ألمانيا من انقلاب السيسي سلبياً حسب ما جاء عبر "أنباء موسكو"، حيث اعتبرت الانقلاب "فشلاً كبيراً للديموقراطية" ودعت إلى "عودة مصر في أسرع وقت ممكن إلى النظام الدستوري". ولكن كباقي الدول الأوروبية، اكتفت ألمانيا بالتصاريح وفق المبادئ والقيم الغربية، واستمرت بالتعامل مع السيسي.

فرنسا

تتمتع فرنسا بخصوصية فريدة كونها مستضيفة لأكبر جالية عربية في أوروبا، ممّا يجعلها فائقة الحساسية تجاه أي تطور سياسي في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وقد انعكس ذلك تماماً أثناء الحرب الأهلية في الجزائر. وعت فرنسا قوة "الإسلام السياسي" بعد فوزه في انتخابات الجزائر عام 1992، ومن ثم الغائها من قِبل العسكر. دعا كثير من السياسيين إلى فتح قنوات اتصال مع الإسلاميين كمصلحة طويلة الأمد، ولكن أعمال العنف التي نُسبت للإسلاميين في فرنسا، أجبرت الأخيرة على إجراء مسح كامل للمساجد والدعاة الراديكاليين، وقامت بترحيلهم.

أثناء حقبة ساركوزي كوزير داخلية، قرر هيكلة الإسلام في فرنسا عن طريق إنشاء "الإسلام الفرنسي"، لدمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، ولكن بعد وصوله للرئاسة، اختلف الأمر وذهب نحو التشدد وهاجم الهجرة التي تهدد المكون الفرنسي وانتقد التعددية، قائلاً: "على أي شخص يدخل فرنسا أن ينصهر في مجتمع وطني واحد فقط" (موقع liberation.fr).

بعد اندلاع "الربيع العربي"، خاصة بعد التدخل الفرنسي العسكري بدعم ثوار بنغازي في ليبيا، تمثَّل الموقف الفرنسي بالقبول رسمياً بالتغيير الذي تمخض عنه والاعتراف بنتائج الانتخابات كما ستكون. وقد اعترف ساركوزي بالفشل في تقييم الأوضاع في بلدان "الربيع العربي" والإساءة في تقدير سخط الشعوب ضد تلك الأنظمة الاستبدادية ورغبتها في الحرية والديمقراطية، كما جاء في حديثه لمجلة بوليتيك انترناسيونال 2012/02/05. وأيضاً وزير خارجية فرنسا ألان جوبيه الذي أشار إلى أن "فرنسا لديها رغبة في التحدث مع الجميع في مصر، بمن فيهم الأخوان"، وأشار إلى أن فرنسا كانت ضحية تضليل الحكومات العربية السابقة إزاء الطبيعة الحقيقية للجماعة، رويترز 19 أبريل 2011. وفي خطابه في معهد الدراسات السياسية بباريس يقول: "لا أرى سبباً يمنع استنساخ ما حدث في الهند أو أميركا اللاتينية أو أوروبا في الدول العربية".

بعد الانقلاب، لجأت فرنسا إلى الالتفاف على القيم والمبادئ التي تنادي بها بالقول عبر وزير خارجيتها لوران فابيوس: "إن بلاده تأمل بأن يتم الإعداد للانتخابات في ظل احترام السلم الأهلي والتعددية والحريات الفردية والمكتسبات في العملية الانتقالية كي يتمكن الشعب المصري من اختيار قادته ومستقبله". وبذلك تكون قد رضيت بالانقلاب ولكنها تدعوه مرة أخرى للانتقال لحكم مدني عبر انتخابات ديمقراطية!

من خلال هذه الدراسة، يتبين أن القيم والمبادئ التي يرفعها الغرب ليست على سلم أولويات الشروط التي من خلالها يرسم علاقاته مع الدول العربية والإسلامية، فمقابل كل انتقاد لديكتاتورية حكم، يقوم بالتعامل معه ودعمه بكافة الوسائل لأولوية "الحرب على الإرهاب". رغم أن مراكز البحوث والدراسات في الغرب أوصت بضرورة الإطاحة بالديكتاتوريات حتى ينعم الغرب بالأمن والأمان، نرى أن الدول الغربية تُبقي على مستوى عال من العلاقة المتينة معهم، وتقبل بالديمقراطية التي توصل من تضع فيهم الثقة، وتعطي ظهرها لمن دونهم، إنها ديمقراطية الغرب: "ديمقراطية على شرط".

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة