الاتفاق النووي: العرب يدفعون الثمن وإسرائيل تنال "تعويضات"

المفاوضات دارت على سلاح نووي إيراني غير موجود ويراد ضمان عدم وجوده مستقبلاً، تحديداً من أجل "أمن إسرائيل"

الاثنين، 27-07-2015 الساعة 08:59


إسرائيل دولة نووية منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، وتتجنب الدول الكبرى (5+1 أو أكثر) أي حديث علني عن برنامجها وترسانتها، بل إن الولايات المتحدة ترفض أي بحث في المسألة المعنونة "شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل" لأنه سيتطرق بشكل أو بآخر إلى "القنبلة الإسرائيلية" وسيدعو إلى إخضاع مفاعلاتها للرقابة والتفتيش والتحقق، أي للمعايير التي يعتبر باراك أوباما أنها صنعت "اتفاقاً جيداً" مع إيران. وفي العهد السوفييتي كما في العهد البوتيني ارتبطت روسيا مع أميركا بتعهد إبقاء إسرائيل متفوقة عسكرياً، نوعياً وتقليدياً، على العالم العربي مجتمعاً. وتلتزم الصين أيضاً هذا التعهد وإن كانت غير معنية استراتيجياً بسباقات التسلح. وعندما سلطت إيران الأضواء على إسرائيل النووية، في زخم تعقيدات المفاوضات قبل أعوام، ومحاولة الجانب العربي استغلال الأمر لوضع البرنامج الإسرائيلي على الطاولة، بادر الأميركيون والروس إلى محادثات خاصة أسفرت عن تجديد التعهدات وتأجيل البحث في السلاح النووي الإسرائيلي إلى ما بعد إقامة "سلام دائم وشامل"، أي إنهم سحبوا الموضوع من التداول.

منذ بدأت إيران التفاوض، قبل عشرين شهراً، لم تعد تشير إلى "النووي" الإسرائيلي، فهي كانت تسعى إلى اتفاق يخلصها من العقوبات ولم تعد معنية فقط بالبروباغندا، ثم إنها كانت ترغب في الاستفادة من وجود روسيا والصين لتحسين شروطها لا إشراكهما في جدل حسما موقفيهما منه. وطوال التفاوض كانت إسرائيل هي التي تفتعل المشاكل الجانبية، تارةً بالتهديد بالحرب أو بافتعال مناخ حرب، وتارةً أخرى بعمليات عسكرية هدفها استثارة إيران واستفزازها، وطوراً بتحريك بعض أعضاء الكونجرس الأميركي لتحدي أوباما وإدارته وصولاً إلى زيارة بنيامين نتنياهو ومخاطبته الكونجرس لتحريضه ضد الرئيس. وبالتزامن مع هذه المحاولات، كانت إسرائيل تتعمد تسريب بعض المعلومات السرية عن مسار المفاوضات. بالإضافة طبعاً إلى شبهات بالتجسس الإسرائيلي على المفاوضين عبر فيروس إلكتروني.

ظهر الرابع عشر من يوليو الحالي أعلن التوصل إلى اتفاق نووي، وبعد لحظات كانت إسرائيل الأعلى صوتاً في رفضه وعدم الاعتراف به والاستعداد لإحباطه وتخطئة جميع من ساهموا في إبرامه. لم يكن متوقعاً منها موقف آخر لكنها بدت بمنتهى الغباء في إدارتها حملة ضد إرادة دولية ارتسمت بحضور القوى الأكبر في العالم، لكنها قوى ضمنت إسرائيل مسبقاً أنها لن تشير، ولو مجرد إشارة، إلى سلاح نووي موجود لديها ويشكل تهديداً حقيقياً للعرب، في حين أن المفاوضات دارت على سلاح نووي إيراني غير موجود ويراد ضمان عدم وجوده مستقبلاً، تحديداً من أجل "أمن إسرائيل". وإذا كانت الدول المفاوضة تعتبر الاتفاق نجاحاً لها، فمن شأن إسرائيل أن ترى نفسها شريكة في هذا النجاح. لكن ما حال دون "شراكة" كهذه أن الدول الكبرى، وأميركا في طليعتها، لم ترد للأزمة النووية أن تتسبب بحرب أخرى. وهو ما كان الهدف الرئيسي لإسرائيل.

يفترض أن الاتفاق شكل حلاً للمسألة النووية الإيرانية، أي إنه يبدد أو يبعد الخطر الذي كانت إسرائيل تدعي أنه يهدد أمنها، بل اتخذته ذريعة لتبرير عدم التعاون أو بالأحرى رفض أي مبادرات لتحريك السلام مع الفلسطينيين. وبما أنه يستبعد فكرة الحرب فإن إسرائيل تعتبر الاتفاق خسارةً استراتيجية: فهو من جهة أبقى إيران على قوتها الراهنة، وسيمدها بأرصدة مالية تعزز هذه القوة وتجعلها مقصداً لـ "البزنس" الدولي، وقد يمهد لإشراكها في تسويات الأزمات الإقليمية، وهو من جهة أخرى يجرد إسرائيل نهائياً من "الخطر النووي" الذي تعاملت معه كفرصة للخلاص من مأزقها فدفعته إلى رأس سلم أولويات المنطقة راهنة كل سياساتها بالدعوة إلى إزالته. وطالما أن هناك خسارة تسبب بها "الحليف الأميركي" فإن إسرائيل تعتبر أن لها حقاً في "تعويضات"... هكذا سمتها الصحافة الإسرائيلية، وهذه نتيجة لاحتضان الدول الغربية للدولة العبرية، فقد اعتادت على وجود تعويض كلما صاحت بأن هناك خطراً، لكنها تصيح الآن لأن الخطر أزيل ولو مؤقتاً وكأنها تصعد لاستبقائه.

لم تكن مهمة وزير الدفاع الأميركي يسيرة، إذ كان عليه بيع فضائل الاتفاق النووي إلى نتنياهو، لكن الأخير حزم أمره منذ بدء المفاوضات. لم يكن يريد اتفاقاً. كان يريد حرباً. ففيها مكسب أكبر. ورغم الاستعداد الأميركي لزيادة المساعدة السنوية لإسرائيل، وللنظر في احتياجاتها الأمنية، بل رغم تجديد الالتزام بحمايتها إذا تعرضت لـ "عدوان إيراني"، فإن نتنياهو يعتبر كل ذلك تحصيلاً حاصلاً، و "التعويض" يجب أن يكون أكبر. لكنه فهم، من زيارة أشتون كارتر، أن كل شيء قابل للبحث وفقاً إذا امتنع عن تحريض الكونجرس، غير أن نتنياهو يعتبر أن له ثأراً شخصياً ضد أوباما، وحتى ضد الحزب الديمقراطي، وهو سيسعى على أقل تقدير إلى أن تكون السنة المتبقية لأوباما في البيت الأبيض بالغة الصعوبة.

في مقابل الابتزاز الإسرائيلي الصريح بوقاحته، لم يكن هناك في العالم العربي من يبحث عن "تعويضات" رغم الأضرار الجسيمة التي أحدثتها إيران - وإسرائيل في العديد من البلدان والمجتمعات، ورغم أن أي تداعيات سيئة للاتفاق سيتلقاها العرب خصوصاً، وإذا كانت هناك "صفقة" فقد أبرمت على حسابهم. لا يعني ذلك سوى أن أميركا تفضل التحالف مع من يبتزها ويهين رئيسها ومؤسساتها، وتفضل التفاوض والاتفاق مع من يتحداها ويحرجها، وكأن من يبحث عن الأمان والاستقرار لا يعنيها ولا يلزمها حتى لو كان يعتمد عليها. لن يستخدم أوباما الاتفاق مع إيران للضغط على إسرائيل كي تعود إلى مقاربة جدية لـ "ملف السلام" مع إسرائيل، وبدورها لن تضع إيران هذا السلام شرطاً لـ "التطبيع" مع أميركا.

صحيفة العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة