الاحتماء بالخصوصية في عالم يتداخل

ساد الاعتقاد قبل عقود خلت بأنّ حكم الدول يعني القدرة على توجيه مجتمعاتها.

الخميس، 26-03-2015 الساعة 11:00


ساد الاعتقاد قبل عقود خلت بأنّ حكم الدول يعني القدرة على توجيه مجتمعاتها. وقد صاغت أنظمة الحزب الواحد عبارات رشيقة عن "قيادة الدولة والمجتمع"، أو تصوّرت بعض القوى أنّ إذاعة البلاغ رقم واحد يعني انصياع المجتمع لفكر القيادة التي ستمسك بمفاتيح الدولة.

ثبت بالبرهان العملي أنّ امتياز توجيه المجتمع لم يعد متاحاً بمجرد إدارة الدولة، بل اتضح أيضاً أن سيادة الدول ليست قيمة مطلقة، بل باتت موضع تساؤل في عالم تفقد فيه الأمم حصانتها وتتداخل فيه الأدوار والتأثيرات.

وقد تضعضع على أرض الواقع مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول وإن حافظ على شكله العام، فأصبحت أوضاعها الداخلية عرضة للتداول في أروقة الإعلام والثقافة والحقوق؛ وبالطبع في حلبة السياسة. وعلاوة على التدخلات العسكرية المتواصلة؛ جاء زمن الطائرات بدون طيّار تعبيراً عن اللون الجديد من انتهاك السيادة دون ضجيج أو انفعالات.

تلازماً مع ذلك؛ اتجهت المواثيق الدولية من نَظْم الأطر العامة للفضاء الدولي وقيم المجتمعات البشرية، صوب محاولة رسم السلوك الاجتماعي للبشر، إلى درجة صياغة مفاهيم محددة للعلاقات في أواصر المجتمع المتعددة وتوجيه مبادئ الاقتران والتنشئة، دون اعتبار للأديان والثقافات والشرائع في عالم متنوِّع.

بهذا لم تعد وزارات التربية وحدها من يمسك بالملف، فالتربية باتت من هذه الزاوية محكومة باتجاهات دولية مفروضة بسلطان المواثيق وقوّة المقرّرات، عن "حقوق الطفل" مثلاً، علاوة على ما تقرّر بخصوص المرأة والأسرة وغير ذلك. هي نصوص تفرض سلطانها في زمن تتفاعل فيه مضامين ثقافية متنامية التأثير، تُصادر أبصار الأجيال وأسماعها وانشغالاتها الذهنية، وتجعلها في حالة اتصال دائم مع العالم الذي لا تتكافأ فيه أطراف البثّ والتلقي.

ليست بلدان المنطقة خارج نطاق التغطية، فعيون العالم وآذانه مفتوحة على البلدان والسياسات والمجتمعات والثنايا والتفاصيل. وفي مواجهة هذه التحوّلات والتحديات ما زال بعضهم يواصل الاحتماء بخطاب الخصوصية أو التذرّع بها، مراهناً على استدعاء الخصوصية للتملّص من استحقاقات شتى يمليها الزمن الجديد. إنه التقليد الدفاعي الذي يعوِّل على سدّ الأبواب والنوافذ وقطع وشائج الصلة في زمن التواصل الحيّ، ولا ينهض باستحقاق المشاركة في النقاش العالمي في الملفات المتعددة.

إنها ليست دعوة للاستسلام أمام سيول جارفة، أو الرضوخ لضغوط خارجية، بل هي تذكير بما تفرضه التحوّلات من مراجعة دور الدولة، واستنهاض قوى المجتمع، وجاهزية المشاركة الفاعلة في تجاذبات الأروقة الدولية أيضاً. وإن كانت الوقاية خيراً من العلاج؛ فلا غنى عن تدبير الأحوال بحكمة، فلا يأمن على ذاته من لا يفتح ملفاته بنفسه ويباشر معالجتها قبل أن يطرق العالم بابه أو يتسلّل من نافذته.

لا يبدو المشهد قاتماً بالكامل، ففي هذه التحديات ما يحفِّز على إصلاح الأوضاع وتصحيح المسارات وإنجاز الواجبات المنسيّة، شرط أن تكون إصلاحات حقيقية لا شكلية، وخطوات تهدف لخير البلاد والعباد لا استرضاء الأطراف الدولية وإسكات الانتقادات الخارجي

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة