الازدواجية الإيرانية مع الحريات والأقليات (3)

إيران تنتهك حقوق الأقليات على ترابها، ثم تجدها تتحدث عن حقوق الأقليات العرقية والدينية الموالية لها خارج حدودها.

الاثنين، 02-11-2015 الساعة 14:04


على مستوى الديمقراطية والحريات والأقليات، نجد أن إيران تبلغ قمة التناقض، فهي تنتهك حقوق الأقليات السنية والعربية والبلوشية والكردية على ترابها، فلا يوجد مسجد واحد للسنّة في طهران، وتحظر الكثير من النشاطات العربية للعرب وغيرهم، في حين تجدها تتحدث عن حقوق الأقليات العرقية والدينية الموالية لها خارج حدودها.

1- وهم حماية الأقليات

كثيراً ما تحدّثت إيران عن حقوق الأقليات العلوية والمسيحية وغيرهما في سوريا، وترى أن بعض الثورات الشعبية تهدد وجود هذه الأقليات، بل أوعزت مخابراتها إلى نظام الأسد كي يستهدف الأقليات في عمليات غامضة، وهو ما وقفنا عليه في إطار بعثة الجامعة العربية حيث تم اغتيال مواطن وابنه، وهما أمير روجيه ونجله هاني روجيه من الطائفة المسيحية، والعملية التي وقعت في 2012/1/5 مشبوهة من حيث توقيتها المصادف ليوم سفر رئيس البعثة لحضور اجتماع وزاري في القاهرة ومعه تقرير أولي عن مهمة البعثة.

أيضاً من حيث مكانها، الذي هو في منطقة بحمص لا تصلها المعارضة أبداً، بل محمية من طرف الجيش من كل جانب.

كذلك، من حيث نوعية السلاح المستعمل والمتمثل في الرصاص المتفجر، الذي لا يمكن أن يكون بحوزة المعارضة، ولا حتى عموم العسكريين، بل دائماً يكون بحوزة قوات نخبة مقربة من دوائر صناعة القرار.

كما أن استهداف الكنائس تكرر عدة مرات من طرف النظام السوري، وقد أفادت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في أبريل/نيسان 2015، أنها وثقت استهداف 69 كنيسة في البلاد منذ بدء الثورة في مارس/آذار 2011، حيث استهدف النظام منها 41 كنيسة، فيما أحصت تحويل 11 كنيسة إلى مقر عسكري.

طبعاً جرى التسويق الإعلامي لهذه الجرائم على نطاق واسع من طرف الإعلام الإيراني، كي يستثير عواطف الغرب المسيحي تجاه ما يعانيه المسيحيون من انتهاكات تقترفها المعارضة المسلحة وما تهددهم من مخاطر.

من جهة أخرى، فإن طائفة الأسد التي كانت تسمى بالنصيرية وحوّل تسميتها الاستعمار الفرنسي إلى العلوية لحاجة استراتيجية، قد زجّ بها الأسد في متاهات لا تحصى ولا تعد من أجل مصالح عائلية خاصة تتمثل في السلطة وريعها.

تشير الكثير من المصادر إلى أن خسائر العلويين في الثورة السورية تجاوزت 50 ألف قتيل، أغلبيتهم الساحقة من الشباب، وأن الجرحى قد تجاوز عددهم 100 ألف جريح.

صحيفة "التلغراف" البريطانية نشرت في 07 أبريل/نيسان 2015، تقريراً مفصلاً عن وضع العلويين المؤيدين لبشار الأسد في سوريا، وكشفت حقائق تعكس مدى الإنهاك الذي وصلت إليه هذه الطائفة، سواء من سوء أوضاعها المعيشية أو كثرة القتلى من أبنائها. حيث أجرت الصحيفة مقابلات مع بعض العلويين تحدثوا عن سخطهم من نظام الأسد الذي يستخدمهم في حربه الضروس مع قوات المعارضة.

التقرير حمل عنوان "في حرب سوريا يدفع العلويون الثمن الباهظ لولاء الأسد"، وأشار إلى عدم اهتمام النظام بالجنود العلويين الذين قتلوا في المعارك، إذ بات ينقل جثثهم إلى أهاليهم في الشاحنات، ومن ثمّ تداهم قواته منازل بقية العلويين لسحب مزيد من الشباب كبديل عن النقص المتزايد في جيش الأسد.

لقد نادت بعض الأصوات العلوية، مطلع الثورة، بضرورة إنقاذ الطائفة من التورّط في حرب على الشعب يقودها بشار الأسد ومن معه في أركان نظامه لأجل مصالحه الخاصة، غير أن هذه الأصوات لم تلق صداها لدى العلويين، الذين نجح رأس النظام في الزجّ بهم في مستنقع الحرب الطائفية التي ستكون وخيمة عليهم بلا أدنى شك.

طالما وصفت طهران حراك الحوثيين بأنه ثورة شعبية ضد نظام الحكم، وهم مجرد أقلية في اليمن، وتمردهم بالسلاح تشيد به وتدعمه، وفي المقابل ثورة الأغلبية السنية في سوريا تتهمها بالعمالة والمؤامرة الكونية على مقاومتها المزعومة.

هكذا هو منطق إيران في التعامل مع شأن الأقليات، فهي تقمعها في بلادها، وتدافع عنها في غيرها، وها هي الأقلية الحوثية تستهدف أغلبية سنّية، ورغم ذلك لم تنظر إيران إلا للأقلية، والأمر نفسه مع الأقلية العلوية التي تستهدف الأغلبية السنية، في حين نجدها تتحدث عما تسميها معاناة الأقلية الشيعية في السعودية ومصر وغيرهما.

2- وهم حماية حقوق الإنسان:

طالما طالبت إيران الدول التي تصنّفها في محور العداء لها باحترام حقوق الإنسان، وخصوصاً إن ارتبط الأمر بالشيعة الموالين لها، في حين أن ما تعيبه على غيرها تقترفه هي في وضح النهار، وبازدواجية فاقت حدود التخيّل.

هي تناهض التعذيب وتمارسه في سجونها، وتدعم أنظمة أخرى مارست التعذيب إلى منتهى السادية، كما يحدث مع نظام الأسد، وإيران تزعم أنها مع حرية التعبير والرأي، في حين أنها تمارس العكس، سواء في الداخل أو بالدول التي تدعم أنظمتها مثل سوريا. تتهم غيرها بقمع المعارضات وهي التي تلاحق المعارضين حتى بعمليات اغتيال في الخارج.

ازدواجيتها طالت حتى الأحكام القضائية، ومنها تنفيذ الإعدام مثلاً، حيث إن إيران انتفضت ضد حكم إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر في السعودية، الذي لم ينفذ، وهي التي أعدمت أكثر من 2000 منذ تولي حسن روحاني السلطة في 2013، بينها حوالي 1270 حالة بقيت طي الكتمان، حسب تقرير للجنة دعم حقوق الإنسان في إيران. وأغلب حالات الإعدام التي تم تنفيذها تتعلق بحرية الرأي والتعبير.

3- وهم حماية الديمقراطية:

عندما يكون الشيعة أقلية في دولة نجد إيران تتحدث عن القوانين الدولية لحماية الأقليات من الإبادة والاضطهاد، مثلما يجري في سوريا واليمن، أو حتى السعودية، مع أن الشيعة في المملكة العربية السعودية لم يتعرضوا لأيّ اضطهاد، بل الدولة تقدم لهم الكثير من الامتيازات.

غير أنها لما يكون الشيعة أغلبية ولو بحسابات مطعون في أمرها مثل العراق والبحرين، نجد إيران تتحدث عن الديمقراطية وحكم الأغلبية والانتخابات التشريعية، وتتجاهل تماماً الأقلية السنّية حتى وإن تعرضت لحروب إبادة جماعية.

الديمقراطية لا معنى لها في منطق ملالي إيران إلا إذا كانت في مصلحة شيعتها، فهي لا تتحدث عن الديمقراطية في سوريا حيث يشكل أهل السنّة الأغلبية الساحقة، ولا تتحدث عن حق الشعوب في تقرير المصير في الأحواز والأغلبية المطلقة من الأحوازيين يطالبون باستقلال بلادهم عن الاحتلال الإيراني القائم منذ عام 1925. في حين نجد الملالي يتحدثون عن تقرير مصير البحرين لأن الشيعة هناك يريدون ضم بلادهم إلى إيران وتحويلها إلى مجرد مقاطعة إيرانية.

كما أن إيران لا تهتم بشأن الأغلبية السنية في اليمن، وكل ما يشغلها نسبة من الحوثيين دعمتهم بالسلاح وتحالفت مع نظام بن صالح المستبد الذي أسقطه الشعب في ثورته، وهكذا بقدرة قادر تحوّل حراك الحوثيين إلى ثورة الشعب اليمني ضد الاستبداد، مع أنهم مجرد أقلية لا تساوي شيئاً أمام عدد اليمنيين الرافضين لمشروع إيران في بلادهم.

تلاحق إيران الدول التي تتصدى لها بتهمة الديكتاتورية، في حين لا تصف نظام الأسد بذلك، مع أنه قتل حوالي نصف مليون مواطن سوري، وشرّد وجرح واعتقل الملايين، ولم تهتم بذلك، بل تدعمه بالمال والسلاح والمقاتلين كي يواصل رسالته التدميرية للبلاد والعباد، كما سبق أن تحدثنا في هذا المقام.

4- التدخل الأجنبي والمؤامرات الخارجية:

منذ بداية الثورة في سوريا وإيران تتحدث عن المؤامرة الأجنبية، وتتهم بالعمالة والخيانة كل من يطالب بالتدخل الدولي لحماية الشعب السوري من حرب الإبادة التي يشنّها عليهم نظام بشار الأسد، حتى تدويل الأزمة في ذلك الوقت وصفتها بالخيانة للأمة، والتآمر مع قوى إمبريالية على الدولة السورية، وكل ذلك تربطه بما تسميها المقاومة والممانعة وجبهة الصمود والتصدي، وغير ذلك من الشعارات التحررية الكبرى.

غير أنه في الممارسة على أرض الواقع رفضت إيران دخول المقاتلين الأجانب لمصلحة الثورة السورية، لكنها قامت هي بجلب مقاتلين من أفغانستان والعراق ولبنان وغيرهم للقتال مع النظام السوري.

بل تتهم الدول العربية والإسلامية التي تدعم الشعب السوري المنتفض والثائر على النظام بالتدخل في شؤون داخلية لدولة ذات سيادة، وهي نفسها تدخلت في سوريا منذ بداية الثورة وتطور تدخلها إلى درجة الاحتلال عبر مليشيات عسكرية من "حزب الله" والحرس الثوري وغيرهم.

لم يقتصر التدخل الإيراني في سوريا عليها فقط، بل باركت التدخل الروسي العسكري، في حين رفضت من قبل بعد جريمة استعمال الكيماوي في الغوطة في أغسطس/آب 2013 ما ظهر من مؤشرات عن تدخل عسكري أمريكي مرتقب.

عندما يكون التدخل العسكري لمصلحة إيران فهي تراه حلالاً، وحين يكون في مصلحة خصومها فهي تحرمه وتجرمه، مع أن ميثاق الأمم المتحدة يجيز مثل هذه التدخلات في حالة أن يكون السلم العالمي مهدداً.

إيران طعنت وعارضت تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية، مع أنه جاء بطلب من الرئيس الشرعي لليمن، وتدخلت قوات درع الجزيرة في البحرين الذي بدوره جاء بطلب من القيادة الشرعية للبحرين، في حين تبارك تدخل مليشيات "حزب الله" في سوريا لأنه جاء بطلب من الرئيس الشرعي في نظرها.

توجد الكثير من الحيثيات، لا يسعنا المقام لذكرها، تثبت جميعاً أن إيران تمارس ازدواجية مطلقة في التعامل مع قضايا الحريات وحقوق الإنسان وبطرق طائفية وعنصرية تتنافى مع القانون الدولي وكل المواثيق التي وقعتها وصادقت عليها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة