الاقتصاد الإسلامي.. بين الفاتيكان والعلمانيين العرب

لقد بات لزاماً على خبراء الاقتصاد الإسلامي (فقهاء وعلماء) أن يولوا أهمية كبرى لبناء إطار نظري اقتصادي إسلامي متماسك وعصري.

الثلاثاء، 02-01-2018 الساعة 13:39


يدّعي بعض الاقتصاديين العلمانيين العرب (اشتراكيين ورأسماليين)، أنه لا يوجد شيء اسمه "الاقتصاد الإسلامي"، ويتجاهلون حقيقة أن هذا الدين قامت عليه أمة وحضارة ودولة امتدت لثلاثة عشر قرناً، وكانت لها نظم متكاملة، ومن بينها النظام الاقتصادي، الذي يقوم على فلسفة مستقاة من نصوص الوحي بشقيه (الكتاب والسنة)، حيث ينظم معاملات رعاياها من بيع وشراء وقروض ومكاتبة، وصك النقود، والهبات والصدقات والزكوات، والمشاركات والمعاوضات وقواعد المتاجرة والصناعة والزراعة.. وغيرها من العمليات الاقتصادية.

في الحقيقة، كلام هؤلاء لا يخلو من شيء من الصواب؛ ذلك أن الأمة دخلت في حالة من الجمود الحضاري منذ عهد السلطان العثماني سليم الثالث، تلتها مرحلة من الانقطاع الحضاري للأمة، حوّلتها من أمة قائدة ورائدة وشاهدة على الأمم، إلى أمة مقودة تابعة منتظرة لنتاج الآخرين، وذلك ليس لعيب في المنظور الاقتصادي الإسلامي -حاشا لله- بل لضعف همم حامليه وعدم قدرتهم على المواءمة بين استلهام الإرث الحضاري واكتشاف قوانين الواقع (عدا بعض التجارب والمحاولات الخجولة).

حتى عندما بدأ الوعي الاقتصادي يدبّ عند المسلمين، في منتصف القرن الماضي، فإنهم لم يستطيعوا -في الجانب التطبيقي على الأقل- استلهام روح التجربة الإسلامية الحضارية، ولا عمق المدلولات والأسس المبثوثة في الوحيين لتمثل ركائز الاقتصاد الإسلامي. فراحوا يختزلون الاقتصاد الإسلامي في المعاملات، ثم اختزلوا المعاملات في البنوك، ثم اختزلوا عمل البنوك في باب المداينات، ثم اختزلوا المداينات -بنسبة كبيرة- في تطبيقات المرابحات، يدفعهم الخوف من المخاطرة والبحث عن الأرباح السريعة وشبه المضمونة.

لكن مع كل تلك المحددات، ورغم كل ما يوضع أمام عجلة الاقتصاد الإسلامي من عقبات، فإن حيوية التطبيقات الإسلامية تجلّت من خلال الذراع الوحيدة التي مثّلت مظهراً للاقتصاد الإسلامي في العصر الحالي -أعني البنوك الإسلامية- وبرز ذلك جلياً إبان الأزمة المالية العالمية، أو ما تسمّى بـ "أزمة الرهون العقارية"، عام 2008.

ويكفي النظام الاقتصادي الإسلامي فخراً أن يعترف بفضله الخصوم والمنافسون؛ حيث مال الكثير من الدول إلى البحث في المالية الإسلامية عن التطبيقات والحلول المناسبة للأزمة، وعلى رأس هذه الدول بريطانيا، بل إن صحيفة الفاتيكان الرسمية "أوسيرفاتور رومانو"، ذكرت صراحة، في عدد 6 مارس 2009، أنه "قد تقوم التعليمات الأخلاقية التي ترتكز عليها المالية الإسلامية بتقريب البنوك إلى عملائها بشكل أكثر من ذي قبل، فضلاً عن أن هذه المبادئ قد تجعل هذه البنوك تتحلّى بالروح الحقيقية المفترض وجودها بين كل مؤسسة تقدم خدمات مالية".

لقد بات لزاماً على خبراء الاقتصاد الإسلامي (فقهاء وعلماء) أن يولوا أهمية كبرى لبناء إطار نظري اقتصادي إسلامي متماسك وعصري، وإبداع صور عمليات جديدة أو متجددة تتناسب مع متغيرات الواقع، ولا تتصادم مع قطعيات الشريعة ومقاصدها، خصوصاً ونحن نرى الاقتصاد العالمي ذاهباً إلى هاوية أزمتين كبيرتين سيصل إلى قاعهما قريباً؛ أزمة مالية اقتصادية، وأزمة أخلاقية قيمية، وإن استعدادنا المبكّر، والمتمثل باجتراح الحلول الواقعية الجامعة بين تحقيق المصلحة والمحافظة على القيم الأخلاقية والإنسانية، قد يكون مفتاحاً لتبوّؤ النظام الاقتصادي الإسلامي مكانه الطبيعي بين الاقتصادات الأممية، وربما مهيمناً عليها.. والله من وراء القصد.

من أحب أن يطلع على كتاب غني وممتع وضع نظرية اقتصادية متكاملة في زمانه فليحرص على اقتناء كتاب "الإشارة إلى مجالس التجارة"، لأبي الفضل جعفر بن علي الدمشقي، ألّفه في القرن الخامس الهجري. ويمكن تحميل الكتاب (المخطوط) من خلال روابط على الإنترنت.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة