الانتخابات التركية.. والملفات الحاسمة

عدة ملفات حاسمة حالت دون تحقيق العدالة والتنمية الأغلبية في الانتخابات السابقة وسوف تؤثر على النتائج القادمة.

الأربعاء، 28-10-2015 الساعة 18:53


لا شك أن تجربة العدالة والتنمية خلال أكثر من عقد من الزمن أحدثت تغييرات بنيوية في الهيكل السياسي والاقتصادي التركي، ففي المجال الاقتصادي تحولت تركيا إلى الاقتصاد العاشر في أوروبا؛ بسبب الاستقرار الحكومي وحكومة الأغلبية التي تمكنت من إصدار قرارات حاسمة في سبيل النهوض بالاقتصاد التركي الذي أوشك على الانهيار في عام 2000، وذلك بسبب معدل الدين الخارجي، وانتشار الفساد الإداري في المرافق الحيوية للبلاد.

وفي المجال السياسي، تمكن العدالة والتنمية من تغيير ملفات كان الحديث عنها بمثابة انتهاك للسيادة التركية مثل الانفتاح السياسي، والمسألة الكردية ومنع المؤسسة العسكرية من التدخل في رسم سياسة البلد؛ ما هيأ المجال أمام الكوادر المدنية لوضع استراتيجية "دمقرطة" المجتمع التركي بالصورة التي تخدم النهوض وتحقق التنمية المستدامة في ذلك البلد، وكذلك الاقتراب من تحقيق حلم الدخول في الاتحاد الأوروبي، وما سوف تحققه تلك العضوية من مصالح استراتيجية للدولة التركية في المدى البعيد.

الا أن الزلزال السياسي الذي ضرب الشرق الأوسط قلب الموازين المحلية والخارجية للدولة التركية، وذلك لكون تركيا تحولت من دولة منعزلة في محيطها الشرق أوسطي إلى دولة فاعلة ومؤثرة في ذلك المحيط، إلى جانب التأثيرات والتغييرات التي أفرزها الربيع العربي على استراتيجية أنقرة في الشرق الأوسط.

هناك عدة ملفات حاسمة حالت دون تحقيق العدالة والتنمية لتشكيل حكومة الأغلبية السياسية في الانتخابات السابقة، وسوف تؤثر على نتائج الانتخابات القادمة. ومن أبرز تلك الملفات: الملف الأمني، الملف الاقتصادي، ملف السياسية الخارجية، والملف الكردي. والسؤال هنا (ما دور هذه الملفات في رسم الخريطة السياسية لمرحلة ما بعد الانتخابات العامة في 2015/11/1).

أولاً: الملف الأمني

إن ثورات الربيع العربي أحدثت تغييراً محورياً في هيكلية الأمن الإقليمي والدولي، التي تشكلت بانهيار الاتحاد السوفييتي واحتكرت من قبل الولايات المتحدة، فالتغيير البنيوي في هيكلية الأمن والمصالح الجيوسياسية في الشرق الأوسط، أربك حسابات القوى العظمى والإقليمية في تغيير سياسياتها بصورة دراماتيكية، وبالشكل الذي يخدم المصالح الآنية والمستقبلية لتلك الدول.

فالولايات المتحدة أثبتت أولوية الأمن والمصالح الاقتصادية على دعوات الديمقراطية وإنهاء الحكم الدكتاتوري؛ رغم كون الحزب الديمقراطي هو الحاكم في البيت الأبيض، إلا أن التصادم بين المصالح والقيم الديمقراطية انتهت بانتصار المصالح على القيم التي طالما تفاخر بها الولايات المتحدة خاصة في ظل الإدارات الديمقراطية للبيت الأبيض، وكذلك الروس والصين ومختلف دول الأطراف عملت على حماية مصالحها، وظلت تركيا الدولة الوحيدة التي نادت بالقيم وحماية حقوق الإنسان، وعندما سأل داود أوغلو حول فشل السياسية الخارجية التركية نتيجة التحديات الأمنية، رد أوغلو بالنفي، حيث صرح بأن تركيا تؤمن بالقيم الإنسانية ولا تتراجع عن تلك القيم؛ من أجل الحفاظ على علاقاتها مع الأنظمة التي فشلت في الاستجابة لمطالب الشعوب.

إن الملف الأمني ظل العائق الأساسي أمام الاستراتيجية التي أعلنت عنها العدالة والتنمية مع الجوار التركي، بل وعملت على تغيير أولوياتها من أجل تغيير البيئة المحيطة بوسائل القوة المرنة، والتكامل الاقتصادي مع الدول الأخرى، كما أن الحرب في سوريا أفرزت تحديات على مصالح تركيا في الداخل والخارج، ففي الداخل أحدثت انقساماً حاداً بين الأطراف السياسية التي عملت على استخدام الملف السوري كورقة ضغط بوجه العدالة والتنمية، فتم تعبئة الشارع التركي والرأي العام التركي، من أجل النيل من التجربة النوعية التي تبنتها العدالة والتنمية.

وفي البعد الخارجي، أدت الثورة السورية إلى تغيير توازن القوى في المنطقة؛ وهو ما أدى لتعاظم دور إيران وروسيا، والمعروف أن توسع هاتين الدولتين يكون على حساب المصالح التركية، وهذه حقيقة تاريخية لا يمكن إغفالها، لذلك بدأت أنقرة ترجع إلى استخدام القوة الصلبة وسياسة العزلة من جديد، وذلك محاولة منها لصد التوسع الإيراني والروسي، خاصة بعد التخاذل الأمريكي والاتحاد الأوروبي في حماية أنقرة رغم كون الأخيرة عضوة في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ثانياً: الملف الاقتصادي

شهد الاقتصاد التركي طفرة نوعية في معدلات نموه السنوي فقد بلغ 7% في الفترة ما بين 2002 و2007، واستمرت معدلات النمو في الارتفاع إلى عام 2011، ما أتاح فرصة الفوز لذلك الحزب في ثلاث دورات انتخابية متتالية (2002، 2007،2011)، إلا أن التحديات الأمنية قد انعكست سلباً على الملف الاقتصادي من خلال ارتفاع معدلات البطالة، وتقليل الاستثمار الخارجي، والضرر بالمنافسة الاقتصادية لصالح الصين والهند، وهو ما أدى لانخفاض معدل النمو في الاقتصاد التركي 3% في هذا العام، وقد يستمر ذلك الانخفاض في سنة 2016، وينعكس بصورة مباشرة على القيمة النقدية للعملة التركية. وحسب الاحصائيات التركية، فإن الليرة التركية انخفض من قيمتها نحو 10%.

السياسة التركية تجاه الثورات العربية وخاصة استقبالها لأكثر من مليون لاجئ سوري، أثرت سلباً على الاقتصاد التركي، وبالتالي أدت إلى التقليل من الدعم الشعبي للحزب الحاكم الذي طالما وصل إلى قلوب المواطنين من خلال لغة الأرقام التي خاطب بها النخبة التركية خاصة أردوغان وداود أوغلو.

إن العدالة والتنمية حاول خلال الأشهر الثلاث الأخيرة، إعادة التفكير في البنية الاقتصادية من خلال الطلب من المجتمع الدولي وخاصة الاتحاد الأوروبي في مساعدتها في قضية اللاجئين، وكانت هذه محاولة سياسية أيضاً لتعبئة الرأي العام حول كون الاتحاد الأوروبي ما زال ضمن أولويات العدالة والتنمية بعد اتهامها بالتوجه الكلي نحو الشرق.

إذن فإن الملف الاقتصادي سوف يوثر بصور مباشرة على آراء الناخبين، والعدالة والتنمية بدأ يستخدم الورقة الاقتصادية بصورة فعالة في حملته الانتخابية الأخيرة.

ثالثاً: ملف السياسة الخارجية

تعد السياسة الخارجية التركية من الملفات المثيرة للجدل في أجندة العدالة والتنمية، فقد استخدمت هذا الملف من قبل، النخبة الحاكمة في سبيل تحقيق مكاسب محلية وإقليمية، ففي البعد الخارجي قام صناع القرار الأتراك منذ 2002 على ربط السياسة العامة للبلاد بالسياسة الخارجية من خلال توسيع الدور التركي في القضايا الحساسة في الشرق الأوسط، والإعلان عن كون أنقره الطرف الذي تساهم في صناعة الاستقرار والتوازن في المنطقة.

والسياسة المرنة التي أعلنتها من خلال مهندس سياسة تركيا الخارجية داود أوغلو تعد وسيلة في تحقيق دور إقليمي لتركيا من خلال إبرازها كقوة إقليمية مرنة. إلا أن السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة قد انتقدت من قبل المعارضة التركية وكذلك الأطراف الخارجية، فالبعض وصف الإطار الذي تشكلت عليها السياسة بأنه لا يستجيب للتحديات الأمنية والسياسية في المنطقة، والبعض الآخر اتهم العدالة والتنمية بالإخفاق في الحفاظ على مصالح تركيا، وأن البلاد تعيش حالة من العزلة مع أكثر من دولة وذلك بسبب المواقف السياسية التي اتخذتها النخبة الحاكمة في السنوات الأخيرة، إلا أن الحزب ما يزال يرفض كل تلك الاتهامات، فقد صرح داود أوغلو أن المشكلة ليست في الأطر التي تبنتها أنقرة في التعامل مع محيطها الشرق أوسطي، وإنما المشكلة في فشل الأنظمة في تلك المنطقة من التعاطي مع السياسة الخارجية التركية التي قامت على أساس التعاون والصداقة بين الشعوب والمصالح الاقتصادية المشتركة.

إن تعقيد الملف السوري والتدخل الروسي المفرط في حماية طاغية الشام، سوف تفرز المزيد من التعقيدات للخيارات التركية، وقد بدأت أنقرة تتراجع عن السياسة الخارجية المستقلة التي سارت عليها خلال السنوات العشر الأخيرة، والاقتراب التركي من الاتحاد الأوروبي في الفترة الأخيرة دليل على ذلك التوجه، فالشارع التركي يراقب كل هذه التطورات وأحزاب المعارضة التركية تستخدم ورقة التحديات في السياسة الخارجية ضد العدالة والتنمية، ومن المفترض أن نرى تجليات ذلك في نسبة الأصوات التي يحصل عليها كل طرف.

رابعاً: الملف الكردي

إن الأحداث الدموية الأخيرة التي حصلت في تركيا وراح ضحيتها العشرات من المدنيين، انعكست سلباً على عملية السلام في تركيا، وأدت الى انعدام عامل الثقة من جديد بين الأكراد والأتراك.

لا شك أن العملية التي أطلقها العدالة والتنمية في سبيل حل المسألة الكردية تلقى ترحيباً داخلياً وخارجياً، وانعكست تأثيراتها الإيجابية في التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي، إلا أن التحديات الأمنية، والاقتصادية، وكذلك تجليات السياسة الخارجية أدت إلى خلق معوقات أمام عملية السلام، خاصة بعد توسع العامل الكردي في سوريا، والتعاون بين الأحزاب الكردية في شمالي سوريا مع المجتمع الدولي، ما أعاد إلى الأذهان فكرة الكيان الكردي المستقل التي تهدد النفوذ ووحدة الأراضي التركية.

إن أنقرة قلقة من توسع حزب العمل الكردستاني في كل من سوريا والعراق، وازدياد نفوذها الإقليمي بعد تغيير الموقف الأمريكي والأوروبي ومساندتهم المباشرة للأحزاب الكردية القريبة من العمال الكردستاني في سوريا، وهذه التغييرات تعد بمثابة أوراق إقليمية ممكن أن تستخدم ضد المصالح التركية في المستقبل حسب ما يراه القادة الأتراك.

يتعامل العدالة والتنمية مع الملف الكردي من خلال استخدامها كورقة للحصول على أصوات التيار القومي التركي، بعد خسارتها للأصوات المعتدلة في المناطق الكردية، والتهديد والتلويح باستخدام القوة الصلبة والتدخل العسكري من خلال الحكومة التركية المؤقتة يشير إلى تغيير في السياسة التركية تجاه المسألة الكردية، إلا أن هذه الاعتبارات أغلبها أوراق مرحلية تستخدم من قبل الأحزاب التركية من أجل الحصول على مكتسبات في الانتخابات.

أما الاستراتيجية التي سوف يستمر أي طرف تركي في السير عليها فيما يتعلق بالعملية السياسية مع الأكراد في تركيا فهي غير قابلة للتغيير، وذلك لكون العامل الكردي لديه تأثير مباشرة على حلم انضمام أنقرة للاتحاد الأوروبي، وكذلك التوسع الإقليمي لدور الكرد؛ ما يفرض على تركيا التعامل الواقعي العقلاني مع هذا الملف في المرحلة القادمة. إلا أن هذا الملف سيظل من الملفات الحاسمة في الانتخابات القادمة في تركيا.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة