الانتخابات التركية.. وعقدة الخوف

الانتخابات المرتقب إجراؤها في تركيا تحمل في طياتها الكثير من الملفات والأوراق التي تتطلب الوقوف عندها وتحليلها.

الثلاثاء، 19-05-2015 الساعة 14:43


الانتخابات المرتقب إجراءها في تركيا تحمل في طياتها الكثير من الملفات والأوراق التي تتطلب الوقوف عندها وتحليلها من خلال ربط الأحداث بعضها مع بعض، وكذلك معرفة الأرقام التي سوف تؤثر في تشكيل المرحلة القادمة من الحياة السياسية في تركيا.

إن التساؤل المهم هنا هل العدالة والتنمية التركي ما يزال يتخوف من الانقلابات العسكرية والمؤامرات الداخلية والخارجية، بحيث تعرقل أولوياته السياسية من دمقرطة المجتمع التركي باتجاه تغيير النظام السياسي والتركيز على قمة الهرم رغم حاجة القاعدة إلى مزيد من التغيير رغم التغيرات التي أحدثها الحزب في الحياة السياسية للمجتمع التركي، ومن أجل معرفة الأوضاع وتحليل الانتخابات لا بد من الوقوف على المحطات التالية:

أولاً: مشروع التغيير الدستوري في تركيا

إن عملية التعديل والتغيير على الدساتير تعد من الأولويات في إحداث التغيير السياسي في البلدان الديمقراطية، إذ تعد تركيا من الدول التي تعاني من أزمة دستورية رغم كونها دولة تتصف بمؤسساتها الديمقراطية، والسبب وراء الأزمة أو حالة عدم الاستقرار في الدستور التركي مرتبط بتدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وقيامها بالانقلاب على المؤسسة السياسية في الستينات والثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

الأمر الذي أعطى للعسكر القول الفصل في النظام السياسي التركي، والسبب كان المدرسة الواقعية التي تبنتها الدولة الحديثة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية؛ لوجود المخاوف التي هددت الوجود التركي خاصة من قبل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وكذلك التهديد الأزلي للأتراك من قبل الروس لقرون عديدة.

كما أن مشروع تغيير الدستور في المرحلة الراهنة هدف سياسي تبنته النخبة التركية الجديدة؛ من أجل إنهاء تلك الأزمة الدستورية وضمان إدارة البلاد من قبل المؤسسة المدنية، والأهم من كل ذلك التحرر من خوف الانقلابات والتكتلات الداخلية التي تهدد الاستقرار الحكومي في تركيا، حيث إن مشروع تغيير الدستور التركي الراهن يعتمد على الحقائق الآتية:

أ.اللجنة المختصة

شكلت لجنة التعديل أو التغيير الدستوري في تركيا عام 2011 واللجنة مكونة من أربعة أحزاب رئيسية هي حزب العدالة والتنمية الحاكم، حزب الشعب الجمهوري المعارض، الحزب القومي التركي المعارض، حزب السلام والديمقراطية الكردي، بدأت اللجنة أعمالها ابتداءً من عام 2011، وعملت اللجنة لمدة 25 شهراً تم من خلالها الالتقاء بـ42 حزباً سياسياً و440 منظمة وجمعية مدنية و440 ألف شخصية مختصة وموثرة في الشارع التركي، والهدف الرئيسي من اللجنة المذكورة محاولة تقريب وجهات النظر المتباينة والاتفاق على أسس وطنية، والتي لم تحقق ذلك حتى الآن.

ب.الاختلاف بين الأحزاب في اللجنة

إن اللجنة المختصة بصياغة الدستور استطاعت تغيير 60 مادة في الدستور الحالي، وأغلبية تلك المواد تتعلق بالمبادىء والقوانين الأساسية في الحقوق والحريات، إلا أن نحو 110 مادة لم يتفق عليها الأعضاء والسبب كما تبين فيما بعد، كان الاختلاف على مواد تغيير النظام السياسي في البلاد من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، فقد طلب الحزب الحاكم، ضمن مشروعه المقدم للتغيير الدستوري إحداث تغيير جذري في بنية النظام التركي، ليحل محله "نظام رئاسي" يتمتع رئيس الدولة فيه بكافة الصلاحيات التنفيذية، وهو ما تم رفضه بشدة من قبل المعارضة التركية، ووصفته بأنه خطوة باتجاه النظام الشمولي في البلاد.

ثانياً: التخوف السياسي

المحطة الثانية التي سوف تفرزها الانتخابات القادمة زيادة الهاجس السياسي بين الأطراف السياسية، خاصة التخوف من قبل الحزب الحاكم والقلق على مشاريعها السياسية والاقتصادية في البلاد.

كما أن حكومة العدالة والتنمية ترى في ارتفاع معدل التوترات الداخلية المتمثل بتحريك الرأي العام ضدها منذ أواخر عام 2011 تهديداً لنفوذها السياسي، فالمظاهرات التي حدثت في إسطنبول أضرت بصورة مباشرة بالاقتصاد التركي من خلال التأثير على القطاع السياحي والاستثمارات الأجنبية.

وكما هو معروف فإن الاقتصاد هو العصب الرئيس في قصة النجاح التي يفتخر بها العدالة والتنمية، وأي تهديد لذلك العصب سوف يهدد نفوذ الحزب، وقد أظهرت معدلات النمو في الاقتصاد القومي تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة مقارنة مع أواخر عام 2009.

ويتطلع حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات القادمة للحصول على أغلبية تمكنه من إحداث تغييرات دستورية من خلال نفوذه في السلطة التشريعية، وهذا يبدو صعباً في ظل التشتت في معدلات الرأي العام التركي، وكذلك صعود التيار الكردي والانقسام الحاد بين جماعة فتح الله غولن والحزب الحاكم.

كما أن التخوف في المعادلة التركية قد فرض حالة من "اللااستقرار" في أولويات العدالة والتنمية، وقد تهدد هذه الحالة مستقبل هذا الحزب، في حالة الاستمرار في التخوف وصنع القرارات على أساسه.

ثالثاً: انعكاسات السياسة الخارجية على الانتخابات ومعدلات الرأي العام

لاشك أن السياسة الخارجية هي انعكاس للسياسة الداخلية للبلدان، إذ إن ورقة السياسة الخارجية من الأوراق المهمة في الحملة الانتخابية ومن المحطات الأساسية التي تؤثر على معدلات الرأي العام، وبالتالي تؤثر على معدل الأصوات للكيانات السياسية في تركيا.

وتمكن الحزب الحاكم من تغيير الواجهة الخارجية للدولة التركية، من دولة منعزلة تشكل سياستها على المعايير الأمنية والقوة الصلبة، إلى دولة نشيطة في الميدان الإقليمي والدولي بعد إجرئها تغييراً في البنية النظرية للسياسة الخارجية التركية، وكذلك التغيير العملي من خلال التواصل مع الأقاليم المختلفة خاصة مع الجوار في كل من الشرق الأوسط والبلقان.

إن النقطة المحورية التي تحتل الأجندة الدعائية في الانتخابات القادمة هي سياسة تصفير المشاكل "Zero Problemspolicy"، فالسياسة المذكورة قد قامت على أهداف إقليمية وطموحات عملت أنقرة على تحقيقها مع الجوار، وقد نجحت في ذلك في كل من البلقان وأوروبا وكذلك في الشرق الأوسط خاصة مع سوريا قبيل الثورة السورية ومع إقليم كردستان العراق.

إلا أن الربيع العربي والثورة السورية قد أفرزا تحديات جدية على السياسة الخارجية التركية، وبدأ العدالة التنمية يواجه انتقادات من الداخل والخارج حول تبنيه سياسة مثالية في منطقة مليئة بالمخاطر والتحديات الأمنية كالشرق الأوسط، وازداد الأمر سوءاً، بدخول داعش في السياسة الإقليمية لتزيد من التحديات الخارجية على العدالة والتنمية، رغم تأكيد أحمد داود أوغلو، منظر السياسة الخارجية الراهنة ومهندس سياسة تصفير المشكلات مع الجوار، أن سياسته في تصفير المشاكل قائمة، وأن الحكم على فشل السياسة الإقليمية التركية محض افتراءات، وأن أنقرة لديها مبادىء أخلاقية متمثلة في حقوق الإنسان والديمقراطية، لذلك ساندت طموحات الشعوب في التصدي للشمولية والدكتاتورية.

وإن النقاد لا يزالون يحللون الثغرات في تلك السياسة، خاصة فيما يتعلق بالتعامل التركي مع بلدان الربيع العربي، ففي ليبيا على سبيل المثال أخفقت أنقرة في التعامل العقلاني في البداية، ووضعت المصلحة القومية مسالة محورية؛ لكون تركيا كانت لديها حوالي عشرة آلاف فرد من رجال الأعمال والعمال في ليبيا، ولكنها لم تتعامل مع الملف الليبي وفق المبادئ التي ركزت عليها السياسة المرنة التركية، وفي هذه الحالة ستبقى ورقة السياسة الخارجية العامل الأساسي الذي يؤثر على أولويات الناخبين.

رابعاً: الورقة الكردية واختلال التوازن في جنوب شرق تركيا

إن الورقة الكردية تعد من الأوراق الأساسية التي تؤثر على النظام السياسي في تركيا، وينعكس تأثيرها على السياسة الخارجية والداخلية في أنقرة؛ ففي البعد الداخلي نجح العدالة والتنمية في استخدام هذه الورقة في صالحها من خلال إعلان مشروع الانفتاح الديمقراطي على الأكراد في الداخل، وتحسين علاقاتها الإقليمية مع الكرد من خلال تنفيذ سياسة تصفير المشكلات مع إقليم كردستان العراق.

ومن أبرز الإنجازات السياسية في مسألة التعامل مع الملف الكردي، إعلان مشروع السلام مع الحزب العمال الكردستاني والمفاوضات المباشرة مع زعيمه المعتقل في جزيرة إميرلي التركية، إلا أن التطورات الجديدة على مستوى الداخل والخارج فرضت تحديات على مشروع العدالة والتنمية بخصوص الكرد، ومن أبرز تلك التطورات؛ التعاطي التركي مع ملف داعش في كوباني أو ما يسمى بــ"عين العرب"، فقد حرصت تركيا على حماية مصالحها العليا من الانحياز في مسألة الحرب على "الدولة الإسلامية"، وهو ما أفرز نتائج عكسية في المناطق الكردية المتاخمة مع أكراد سوريا، وهو ما سوف ينعكس على توجهات الناخبين الأكراد في تلك المناطق، وقد تنعكس سلباً على العدالة والتنمية.

والتطور الثاني في جنوب شرق تركيا يتعلق بتدهور العلاقات بين التيار الصوفي التركي المتمثل بجماعة غولن والحزب الحاكم؛ وذلك بسبب التواجد المكثف لهذا التيار في المناطق الكردية في جنوب شرق تركيا، وهذا من دون شك سوف يؤثر على أصوات الناخبين في تلك المنطقة بما قد لا يخدم العدالة والتنمية.

من خلال دراسة المحطات المذكورة يمكننا الاستنتاج أن الانتخابات القادمة ستكون انتخابات محورية للمشروع السياسي للحزب الحاكم، والمشاريع المناهضة لذلك المشروع من قبل المعارضة التركية.

ومن التحديات التي سوف يتعرض لها مشروع العدالة والتنمية، مسألة تغيير النظام السياسي في تركيا من نظام برلماني قائم على المنافسة الحزبية، إلى نظام رئاسي بصلاحيات تنفيذية وتشريعية، وهو ما يؤثر سلباً على العملية الديمقراطية، وخاصة مشروع الإصلاحات وفق المعايير التي طلبها الاتحاد الأوربي من تركيا، لتسهيل حصولها على العضوية.

حيث أن المشروع الذي طرحه العدالة والتنمية يهدف إلى تغيير جذري في النظام السياسي التركي ويخلق إشكالات دستورية؛ منها مسألة الفصل بين السلطات، والتوازن السلطوي، وكذلك مسألة الرقابة على السلطة التنفيذية.

ولا بد من الإشارة إلى أن التخوف الذي تعيشه النخبة الحاكمة في تركيا، سوف يعرّض مشروع النهضة التركية لمخاطر قد ترجع بتركيا إلى فترة تسعينيات القرن الماضي، لذلك على العدالة والتنمية التفكير في مستقبل العملية الديمقراطية وليس السيطرة المرحلية على كافة المرافق والمراكز في النظام التركي.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة