الانتفاضة الفلسطينية الثالثة في مرحلتها الثانية

ازدادت وتيرة الأحداث بصورةٍ متسارعة، وتحت تأثير وسائل الإعلام المرئي والإعلام البديل، تطور تفاعل الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية مع الانتفاضة الفلسطينية الثالثة

الاثنين، 26-10-2015 الساعة 12:36


بدأت الهبة الجماهيرية الفلسطينية في القدس من خلال عدة عمليات فردية ضد المستوطنين وجنود الاحتلال الإسرائيلي، ثم انتشرت في مختلف مناطق التماس، حتى أخذت شكل الانتفاضة المنظمة، الأمر الذي أربك قادة الاحتلال، ودفعهم ذلك لاتخاذ مزيدٍ من الإجراءات القمعية ضد الفلسطينيين، كردة فعل؛ حتى لا يظهروا بصورة العاجز أمام الهبة الفلسطينية الشعبية، مما انعكس بصورة إيجابية على توسيع دائرة الاحتكاك وتفاقمها.

ثم ازدادت وتيرة الأحداث بصورةٍ متسارعة، وتحت تأثير وسائل الإعلام المرئي والإعلام البديل، تطور تفاعل الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية مع الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، إذ شَكَّل هذا التفاعل تأثيراً لا يمكن تجاهله، وظهر بوضوح من يرغب بصورة جامحة إخماد جذوة هذه الانتفاضة وقمعها، ومن يرى فيها طريق تحرير أرض فلسطين.

وبوجود ردات فعل متطرفة من جانب الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، وتوقع تطورها باتجاه زيادة القمع وانتهاك حقوق المواطنين في الحياة الكريمة، انتقلت الهبة الجماهيرية الفلسطينية للمرحلة الثانية من مراحل الانتفاضة، وفيها أغلق الباب أمام وأد هذه الهبة الجماهيرية دون فرض الفلسطينيين مطالبهم وتنفيذها واقعاً ملموساً على الأرض، ونظراً لعدم وجود قيادة موحدة لهذه الهبة والاتفاق على أهداف موحدة، فإن المطلب الجماهيري المنطقي في هذه الفترة هو إجبار الاحتلال الإسرائيلي للتراجع عن كل أفعاله التي أدت لهذه الهبة وخصوصاً تدنيس المقدسات الإسلامية، وتهديد حياة المواطنين الفلسطينيين من قِبل المستوطنين، والتضييق عليهم في حياتهم اليومية.

وعند النظر بعمق أكبر للمطالب المتوقعة، نجد أن بتحقيقها ستكون المرحلة الثانية من الانتفاضة قد استطاعت أن تكسر آمال أصحاب المشروع الصهيوني في أن يتمدد، من خلال وقف الاستيطان وتراجعه وإعادة ربط مناطق الضفة الفلسطينية بعضها ببعض، وتحقيق سيادة كاملة على أراضي الضفة والقدس، إلا أنه من المنطقي أن الاحتلال لن يقدم للفلسطينيين ذلك مهما كان الثمن، مما سيزيد من حدة المواجهات، وستتسع رقعتها، وهيكلية المشاركين فيها، لتضم فئات جديدة لم تشارك حتى الآن وهم المسلحون، ومنهم أبناء الأجهزة الأمنية الذين سيثأرون لدماء أبنائهم وإخوانهم وأبناء وطنهم، مما سينقل الحراك الجماهيري للمرحلة الثالثة من مراحل الانتفاضة، ومن ثم الوصول للعمل الشامل المنظم بتراجع القيود الأمنية المفروضة على الفلسطينيين في الضفة والقدس.

ونتيجة لتراجع الإحساس بالأمن في كيان الاحتلال الإسرائيلي، سنرى تصاعداً في الهجرة المعاكسة، وهبوطاً حاداً في مؤشرات الاقتصاد لدى الكيان المحتل، وترنحه أمام ضربات الفلسطينيين، وظهور الاحتلال بمظهر العاجز، مما سيعيد الأمل للأمة العربية والإسلامية في تحرير فلسطين، الأمر الذي سيدفع الشعوب لدعم هذه الانتفاضة.

سيؤدي ذلك كله لإحراج الأنظمة العربية والإسلامية، وخاصة التي ترتبط بعلاقات سياسية أو تجارية مع الاحتلال، وسيدفعها للتحرك بخجل والضغط على قيادة الاحتلال لوقف الانتهاكات، والمطالبة باستعادة الهدوء وضبط النفس، وإطلاق عبارات الشجب والإدانة والاستنكار، فموقف النظام العربي والإقليمي لم يتغير منذ عقود ولن يخرج عن رتابته المعهودة خصوصاً في ظل انشغاله بأزماته الداخلية.

ستثير تلك المواقف الشعوب العربية والإسلامية، وستمارس الضغط السلمي على الأنظمة الحاكمة لإجبارها على منح القضية الفلسطينية مساحة أكبر من الاهتمام، مما سيعيد القضية الفلسطينية لساحة الاهتمام العربي والإسلامي بعد الانشغال عنها.

ولن يبقى تأثير هذه الانتفاضة على المستوى الإقليمي، العربي والإسلامي، بل سيتعداه للمستوى الدولي نظراً لتقاطع مصالح الغرب في هذه البقة من الأرض، وسيعملون جاهدين لحماية مشروعهم المتمثل في كيان الاحتلال الإسرائيلي الذي يعتبر شرطي المنطقة الضامن لاستغلال الثروات وتنفيذ الصالح والأجندات الغربية.

وحتى تتمكن الانتفاضة الفلسطينية الثالثة من تحقيق ذلك الضغط لإجبار العالم على سماع صوت الفلسطينيين المقهورين جراء ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلية، يجب تحقيق استمرارية الانتفاضة بعفويتها وشعبيتها، وعدم جرها لخانة أي فصيل فلسطيني، ولتبقى الفصائل كجبهة إسناد، كما يجب توسيع رقعة المواجهات، مع الاهتمام بمنطقة القدس لما لها من أثر ومكانة مقدسة، ويجب عدم إغفال تشتيت جهد جيش الاحتلال الإسرائيلي في ملاحقة البلاغات الكاذبة لوجود عمليات طعن لما لذلك من أثر في تحطيم معنويات أجهزة الأمن الإسرائيلية.

إن المحافظة على الانتفاضة الفلسطينية في مرحلتها الثانية لفترة طويلة نسبياً أمر مهم، لأن هذه المرحلة تشكل آلة الهدم للمكون الاقتصادي والاجتماعي لكيان الاحتلال الإسرائيلي، كما أن الانتقال للمرحلة الثالثة المسلحة، يعني أن الاحتلال قد دخل في مرحلة عض الأصابع بينه وبين الفلسطينيين، وسيقاتل مستميتاً لعدم اهتزاز صورته داخلياً وخارجياً.

* – باحث في الشأن الإقليمي

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة