الانفصام السياسي

عليوه: نحن أمام نقيضين: وزير داخلية مصر يتهم حماس بقتل النائب العام ورئيس جهاز المخابرات المصرية يستقبل حماس.

الأحد، 03-04-2016 الساعة 15:46

هناك ما يسمى بمرض "الانفصام في الشخصية "وهو قيام الفرد بالفعل وضده في نفس الوقت، فهذا المرض ناتج عن اضطراب عقلي شديد مزمن يؤثر على سلوك الإنسان وتفكيره وإدراكه، ومن ثم يجعل الإنسان لا يدرك ما يقوم به من أفعال، وهذا المرض يمكن أن يصاب به الشخص الطبيعي ويحاول الأطباء النفسيون معالجة ذاك الشخص الذي يكون لديه أعراض المرض، أما المصبية الكبرى فعندما يكون هناك شخصية اعتبارية تحمل ذات المرض، والشخصية الاعتبارية هي كل مؤسسة أو هيئة لها صفة قانونية، فأي دولة في العالم تعتبر شخصية اعتبارية، فإذا أصيبت الدولة بالانفصام في الشخصية أو ما يطلق عليه "الانفصام السياسي"، فإن هذا المرض يعتبر نذير شؤم لتلك الدولة، حيث أن هذا المرض يمكن يؤدي في النهاية إلى تدمير تلك الدولة.

إن الدولة المصرية تعيش منذ فترة حالة من الانفصام السياسي متمثل في العديد من الظواهر بسبب تصارع أجهزة المناعة لديها مع بعضها، والذي ينتج عنه تصرفات متناقضة في وقت واحد، فخلال أسبوع واحد عقد وزير الداخلية مؤتمراً صحفياً بمقر الأمن الوطني ليعلن بأن حركة حماس والإخوان هما من قام باغتيال النائب العام هشام بركات – وقد نفى كل منهما تلك الاتهامات -، وما هي إلا ساعات حتى أعلن جهاز المخابرات العامة المصرية عن استقباله وفداً رسمياً لحركة حماس بالقاهرة، وهو أول وفد تستقبله مصر منذ الثالث من يوليو 2013.

وفد حماس جاء أغلبه من قطاع غزة وفتح له معبر رفح – المنغلق دائماً – واستقبل بحفاوة بالغة ومكث في القاهرة أكثر من أربعة أيام، وعقد على مدار تلك الأيام مباحثات واسعة النطاق مع أكبر أجهزة المناعة في الدولة المصرية، بل وصل الأمر إلى عقد لقاء مع خالد فوزى رئيس المخابرات، وفي ختام تلك الزيارة سمحت السلطات المصرية للوفد الحمساوي القيام بجولة خارجية - من خلال السفر عن طريق مطار القاهرة- إلى عدة دول إقليمية.

إذاً فلماذا سبق تلك الزيارة اتهام حماس باغتيال النائب العام؟ إن هذه الحادثة التي تتمثل في اتهام وإستقبال حماس ما هي إلا جزء من الصراع المحتدم حالياً بين الأجهزة السيادية في الدولة، فتلك الزيارة يجري الاستعداد لها منذ فترة بعد أن تدخلت بعض الدول العربية كالسعودية في محاولة منها لرأب الصدع بين القاهرة وحماس، ولكن هناك من يرفض أن تكون هناك أي اتصالات بين القاهرة وحماس فحاول جاهداً منع تلك الزيارة بشتى الطرق.

نحن أمام نقيضين: وزير داخلية مصر يتهم حماس بقتل النائب العام، ورئيس جهاز المخابرات المصرية يستقبل حماس، ففي هذه الحالة نحن أمام أمر واحد وهو استحالة أن يكون كلا الجهازين يعملان لمصالح مشتركة، فأهداف كل منهما عكس الآخر، بل كل منهما يسعى لإفشال الآخر، والعمل على إثبات بأن ما يقوله فقط هوالصحيح، وأن ما يفعله غيره هو الخطأ والخطر على الدولة المصرية.

إن تلك الأجهزة صُنعت لتُحدث التكامل فيما بينها، ولكن حالة الصراع التي تعيشه تلك الأجهزة توحي بأن هناك خلطاً في وظائف تلك الأجهزة، وأن كل جهاز لا يعلم المتطلبات المنوطة به، وأنه يريد أن يصبح الكل في الكل وأن يكون له قول الفصل في كل ما يجري على الساحة المصرية، وحتى وإن كان ذلك خارجاً عن حدود عمله.

ما يحدث داخل أروقة الدولة المصرية يدل على عجز القيادة المصرية أن تواجه تلك الصراعات وعدم استطاعتها توقيف تلك المشاحنات، وهذا يؤكد أن تلك القيادة أضعف من تلك الأجهزة، وأنها تخشى على نفسها منها، أو أنها –القيادة المصرية - تعتقد بأن تلك الصراعات ما دامت بعيدة عنها، فلا حاجة لتدخلها لوقف وكبح تلك الصراعات.

إن استمرار الوضع على ما هو عليه من تصارع تلك الأجهزة مع بعضها البعض في مختلف المجالات – السياسية والإعلامية والأمنية... – حتى أصبح لكل جهاز أذرع يحركها في مجالات العمل العام المختلفة، لن تؤدي في النهاية إلا لشيء واحد ألا وهو إسقاط الدولة المصرية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة