الانقلاب الخامس ومعادلة التغيير لحزب الشعب الجمهوري

المتأمل في التاريخ التركي الحديث سيجد الصورة السياسية للأحزاب العلمانية والإسلامية وكأنها أصبحت معكوسة.

السبت، 30-07-2016 الساعة 16:29


بعد اعلان الحكومة التركية حالة الطوارئ بتاريخ 2016/7/20 لمدة ثلاثة أشهر؛ نتيجة الانقلاب العسكري الفاشل، وما تبعه من تحقيقات طالت جميع مؤسسات الدولة، قام حزب الشعب الجمهوري باجتماع جماهيري في ساحة التقسيم؛ لما لها من دلالات رمزية متعلقة بتاريخ الجمهورية، حيث أكد رئيس الحزب السيد كمال كلييجدار اوغلو من خلال هذا التجمهر موقف حزبه الداعم للديمقراطية والمندد والرافض للانقلاب العسكري، الذي قام يوم الجمعة بتاريخ 2016/7/15، وليؤكد للرأي العام بأن الحزب مع ما يراه الشعب، وبأنه مع الحكومة في مواجهة خطر الانقلاب، وإن كان نواب حزبه في البرلمان قد صوتوا بالرفض على طلب الحكومة بإعلان حالة الطوارئ هم ونواب وحزب الشعوب الديمقراطية.

المتأمل في التاريخ التركي الحديث سيجد الصورة السياسية للأحزاب العلمانية والإسلامية وكأنها أصبحت معكوسة، ففي جميع الانقلابات السابقة كان هدف الانقلاب هو اقصاء أو منع الإسلاميين من الاستمرار في الحكم، وهذا كان على مدى الانقلابات الأربعة التي حصلت في تركيا، بداية من انقلاب الستينات على حكومة حزب الديمقراطي، برئاسة عدنان مندريس رئيس الوزراء وقتها، الذي يعود إليه الفضل في إعادة الأذان باللغة العربية، وحتى انقلاب 1996 والذي سمي بالإنقلاب الأبيض ضد حكومة ائتلافية بين حزب الرفاه الإسلامي بقيادة نجم الدين أربكان وحزب الطريق القويم بقيادة تانسو تشيلير، ورغم أنها حكومة مشتركة إلا أن العسكر لم يقبلوا بوجود إسلاميين في منصة الحكم.

ولم يحدث في تاريخ الإنقلابات العسكرية التركية أن تعرض الجيش لحزب الشعب الجمهوري؛ لأن هذا الحزب أسسه مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك وأرسى له روافد مالية كي تُبقي الحزب قوياً، كأن جعل له ما نسبته 28% من ميزانية البنك المركزي، وغيرها من أمور متعلقة بمؤسسة الوقف والمؤسسة العسكرية، ولكن ما يلام على الحزب بأنه في انقلاب الستينات وافق على تشكيل حكومة تحت سقف الحكم العسكري، ممّا رأها البعض بأن قبوله هذا كأنه دعم لحكم العسكر رغم تسلمه الحكم بعد الانقلاب بعدة سنوات، ولكن الزمان تغير ودارت الأيام وبدأت أحزاب أخرى يسطع نجمها، فجاء حزب العدالة والتنمية الذي أسسه رجب طيب أردوغان وعبد الله غول ليصبح هذا الحزب سيد المشهد السياسي، ويصبح حزب الشعب الجمهوري أكبر حزب معارض من بين ثلاثة أحزاب معارضة رئيسة داخل البرلمان، ولكن المشهد الميداني والسياسي بعد محاولة الإاقلاب الفاشلة قد تغير، ولذلك شعر حزب الشعب الجمهوري بأنه سيكون خارج اللعبة إن لم يفعل شيئاً، ويتحرك في الشارع خوفاً منه أن يخسر الأنصار وخاصة بعد رفضه حالة الطوارئ، ويضاف إلى ذلك التأخر في إعلانه رفض الانقلاب، وكان قد سبقه لذلك حزب الشعب القومي، الذي أبدى موقفاً حازماً من الانقلاب من اللحظات الأولى، ودعمه المطلق لأنصاره للخروج إلى الشارع إلى جانب أنصار حزب العدالة والتنمية، وإلى جانب من خرج من الناس ليقفوا في وجه دبابات الانقلاب وعسكره، لذلك جاءت دعوة الحزب للتجمع ليظهر عدة رسائل من خلال هذا التجمع وهي:

رسالة يظهر من خلالها أنه ما زال حزباً قوياً له نفوذ فعال في الساحة السياسية وفي الساحة الشعبية، وأنه رقم صعب في المعادلات السياسية في تركيا، وخاصة أنه الحزب العلماني الوحيد المتبقي على الساحة البرلمانية بعد اضمحلال كثير من الأحزاب العلمانية.

ورسالة للحكومة بالدعم المطلق في إطار ما يسمى دعم الحرية والديمقراطية تحت سقف الجمهورية، وأن زمن الانقلابات العسكرية قد ولّى ولم يعد مقبولاً به، وأن التوافقات السياسية بينه وبين حزب الشعوب الديمقراطية هي ضمن إطار العملية الديمقراطية، وأن فك الارتباط في المواقف السياسية أمر وارد، ويدل على هذا حين اجتمع رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان في قصر الرئاسة بأنقرة مع رئيسي حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعب القومي، ولم يدع حزب الشعوب الديمقراطية لعدة أسباب أهمها فتور موقفه من محاولة الانقلاب الفاشلة.

ورسالة للخارج مفادها بأنه مهما بلغ من خصام سياسي مع الحكومة إلا أن الحزب في مسائل الخطوط الحمراء سيقف داعماً للحكومة، فالأمن القومي متفق عليه عند جميع الأحزاب عدا تلك الأحزاب التي تطالب بالانفصال، والتي تصنف ضمن خانة الأحزاب الإرهابية، ولهذا أجرى رئيس الحزب لقاءً خاصاً مع إحدى القنوات العربية، فاللقاء بحد ذاته يعتبر تغيراً في سياسة الحزب؛ لأنه لم يجر مقابلات مع قنوات عربية من قبل، وبهذا يبين أن حزبه يؤمن بالديمقراطية وأنه منفتح على الدول العربية، والجدير بالذكر هنا أن رئيس الحزب كمال كليجدار أوغلو كان قد زار الولايات المتحدة الأمريكية في الخامس من شهر كانون الأول من عام 2015.

الانقلابات الأربعة التي مرت بها تركيا كان فيها العسكر هم من يقلبون الكفة السياسية لصالح ما يريدون، لكن القرن الواحد والعشرين كان فيه الانقلاب الشعبي التركي الأول بمختلف انتمائاته السياسية، والذي أوقف الجيش عن التدخل في الحياة السياسية، وفرض كلمته التي نطق بها في صناديق الاقتراع وأوقف الانقلاب الخامس بنصرته لقوى الأمن وللرئيس المنتخب وللديمقراطية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة