البشير والتكامل مع إثيوبيا

دعم الرئيس السوداني الصريح لسد النهضة، كما جاء في المؤتمر الصحفي تابعته القاهرة ووسائل إعلامها بامتعاض شديد.

الجمعة، 07-04-2017 الساعة 12:25


تحظى الزيارة الحالية التي يقوم بها الرئيس السوداني عمر البشير، إلى جمهورية إثيوبيا، باهتمامٍ كبير، ولا سيما أنها تأتي في ظروف إقليمية معقّدة؛ فالعلاقات السودانية المصرية شهدت توتراً غير مسبوق، وتراشقاً إعلامياً لم تُفلح بيانات التهدئة في احتوائه، أما إثيوبيا فهي تشهد احتفالات حاشدة بمرور 6 سنوات على بداية العمل في سد النهضة، وإنجاز 57% من أعمال البناء والإنشاءات، في وقت لا تزال علاقات الأخيرة متوترة مع جارتها إريتريا، هذا إلى جانب الحرب المستعرة في جمهورية جنوب السودان.

الدور الإثيوبي الصاعد تعززه دبلوماسية نشطة كان يقودها وزير الخارجية السابق تيدروس أدحانوم، الذي ترك إرثاً زاخراً لخلفه الوزير الحالي ورقنة قبيو، فاستمرّ على ذات النسق في توطيد علاقات بلاده وانفتاحها تجاه دول العالم، خصوصاً السودان ودول الخليج.

فقد استقبلت أديس أبابا قبل مدة مستشار العاهل السعودي، وبعده بيومين حل وزير الخارجية القطري ضيفاً على عاصمة الاتحاد الأفريقي، في زيارة بحثت تعزيز الصلات، والترتيب لزيارة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، التي حُدد لها الأسبوع المقبل. وهي زيارة سيكون لها ما بعدها في خضم أحداث المنطقة، وسعي إثيوبيا للمزيد من إحراز النقاط وتعزيز قوتها الناعمة في جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال. وقد نجحت في ذلك بدرجة كبيرة حتى الآن حيث أصبحت من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم.

وعرفت العلاقات السودانية الإثيوبية نقلة كبيرة في الآونة الأخيرة، فقد وقّع الجانبان اتفاقيات متعددة عبر اللجنة الاقتصادية العليا بين البلدين، شملت مجالات الطرق والنقل والسكك الحديدية والموانئ والزراعة والصناعة والتجارة، واحتفلت جوازات ولاية القضارف السودانية قبل أيامٍ بتدشين خط السفريات البرية الذي يربط الخرطوم مع أديس أبابا والعكس. فوق ذلك يتجلّى تطابق المواقف والتنسيق المستمر بين البلدين في موضوع سد النهضة، الذي تتخوف مصر من تأثيره على حصتها المائية من نهر النيل.

توقيت زيارة البشير التي ستستمر لأيامٍ لم يأتِ من فراغ، حيث يتزامن مع احتفال أديس أبابا بمرور الذكرى السادسة على انطلاق العمل في السد الذي كان حلماً يراود الإثيوبيين منذ عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي (1892- 1974م)، فضلاً عن وجود رغبة لدى الحكومة السودانية في تحقيق تكامل اقتصادي وأمني وسياسي مع الجارة الشرقية التي تربطها بالسودان علاقات وتداخل قبلي وتاريخي قديم.

اقرأ أيضاً:

العلاقات السودانية المصرية.. إلى أين؟

الرسائل المُتبادلة بين الزعيمين البشير وديسالين بدت واضحة في المؤتمر الصحفي المشترك عقب المباحثات الأولى، إذ ذكر البشير أن "التكامل مع إثيوبيا يشمل كل المجالات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية". وأضاف أن "أي تهديد لأمن إثيوبيا هو تهديد مباشر لأمن السودان". كما شدد الرئيس السوداني على دعمه لسد النهضة الإثوبي وأهمية الاستفادة من الموارد المائية لدول حوض النيل بصورة عادلة.

أما ديسالين فقد مضى على نهج البشير، معتبراً أن "أي تهديد للسودان هو تهديد للأمن القومي الإثيوبي"، مؤكداً عمل الدولتين معاً برؤية مشتركة، خاصة في التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي والسياسي". وأوضح المسؤول الإثيوبي أنه اتفق مع الرئيس السوداني على تعزيز التنمية في المنطقة، وحل الصراعات والنزاعات، خاصة في جنوب السودان والصومال".

ويُتوقع أن تتجه الخرطوم وأديس أبابا إلى إبرام اتفاقية دفاع مشترك، يعزز ذلك الرأي، المباحثات المستمرة التي عقدها الجانبان في السنوات الأخيرة، والتي تُوِّجت أواخر مارس/ آذار الماضي بلقاءٍ جمع رئيس الأركان السوداني عماد عدوي ونظيره الإثيوبي أبراهام ولد مريام، إضافة إلى أن الحدود بين السودان وإثيوبيا شاسعة وصعبة التضاريس، تحتاج إلى ضبط لملاحقة عمليات الاتجار بالبشر والإرهاب، فضلاً عن وقوع سد النهضة في منطقة بني شنقول على الحدود السودانية، وهو ما قد يشكل تهديداً على أمن البلدين في حال تعرض السد لهجوم محتمل.

دعم الرئيس السوداني الصريح لسد النهضة، كما جاء في المؤتمر الصحفي، تابعته القاهرة ووسائل إعلامها بامتعاض شديد، وربما تؤدي تلميحاته القوية إلى مزيد من التوتر في العلاقات مع مصر، خصوصاً إذا ما رُبطت بالتصعيد الأخير في ملف حلايب من جانب الخرطوم، لكن البشير يستند إلى رغبة شعبية لدى العقل الجمعي في السودان لتعزيز العلاقات مع دول الجوار الأفريقي، التي يرى مراقبون سودانيون أن الحكومات الوطنية قد أهملتها على حساب اهتمامها بتطوير العلاقات مع الدول العربية.

نأمل أن يطلع عمر البشير خلال زيارته الحالية على تجربة إثيوبيا في إدارة شؤون الدولة ومكافحة الفساد، وكيف أن الشعب الإثيوبي يثق في حكومته لدرجة إسهامه في تمويل سد النهضة عبر صكوك وسندات استقطعها المغتربون والموظفون، وحتى العمال، من قوت يومهم، لأجل قيام السد الذي يعتبرونه مسألة حياة أو موت، كما ذكر الصحفي الإثيوبي أنور إبراهيم. كذلك، على البشير وهو يتجول في أديس أبابا وما حولها، أن يبحث في أسباب النهضة الشاملة التي تشهدها إثيوبيا، ومعدل النمو الذي جذب المستثمرين من أصقاع الدنيا، ومن بينهم السودانيون الذين تركوا بلادهم وأتوا ليستثمروا في أرض الحبشة.

أيضاً، الرئيس السوداني ووفده المرافق بحاجة إلى التعرف على سر نجاح إثيوبيا في مشروعاتها الكبرى، ومن ضمنها توليد الطاقة الكهربائية، رغم قلة التمويل، ولماذا مُنيت سدود السودان وخزاناته بالفشل الذريع، على رأسها "سد مروي" الذي وصفه البشير ذات يوم بأنه سيكون نهاية الفقر في السودان، فكانت النتيجة صفراً كبيراً جعل السودان يلجأ إلى استيراد الكهرباء من إثيوبيا، حيث تمده حالياً بـ300 ميغاوات يتوقع أن تضاف إليها 500 أخرى بعد اكتمال سد النهضة.

أخيراً، لا يمكن أن تظل العلاقات متوترة بين دولتين شقيقتين كإثيوبيا وإريتريا، بإمكان الرئيس البشير أن يقود عملية وساطة بين أديس أبابا وأسمرا، فهو يتمتع بعلاقات جيدة مع الطرفين، فضلاً عن كونه أقدم الرؤساء في المنطقة، إن لم يكن في القارة الأفريقية كلها، ولديه قدرة على التأثير في محيطه، فقد كان له دور كبير في تطوير العلاقات وتعزيزها بين عدد من الدول الأفريقية من جهة ودول الخليج من جهة أخرى، خصوصاً السعودية.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة
عاجل

"الخليج أونلاين" ينشر فحوى 3 تسجيلات لاغتيال خاشقجي