التصميم الصلب، أو... حرب (داعش) و(الخضراء)

الحديث عن قرب وصول بعض سرايا تنظيم "الدولة" إلى مشارف بغداد وقريباً من المنطقة الخضراء؛ يفرض علينا أن نتكلم عن حرب يراد لها أن تكون طويلةً كحرب (داحس والغبراء).

الجمعة، 17-10-2014 الساعة 07:41


تنظيم "الدولة الإسلامية" أو (داعش) -كما أطلق عليه أعداؤه- عاد اليوم مرةً أخرى ليصبح شغل الناس وشاغل الدنيا ومادةً للتحليلات والتوقعات والتصريحات وذريعة يستغل البعض أداءها وتشدد مواقفها وأفعالها وتصرفاتها لتصفية الحسابات وجني (المليارات)،

والمنطقة الخضراء اسم أطلقته أمريكا على المربع الذي تقع فيه منشآت ومكاتب وحمّامات الحكومة العراقية، مع أنها لا تمتُّ لرمز الحياة (اللون الأخضر) بصلة، فمجرد ذكرها يثير في أذهان العراقيين كل صور الفساد والظلم والثراء الفاحش.

وكلاهما ليس وليد الأحداث الأخيرة، كما أن الصراع والقتال الدائر بينهما ليس وليد اليوم أيضاً، ولكن الحديث عن قرب وصول بعض سرايا تنظيم "الدولة" إلى مشارف بغداد وقريباً من المنطقة الخضراء كما جاء في تصريحات متضاربة على ألسنة المسؤولين الأمريكيين مؤخراً، يفرض علينا أن نتكلم عن حرب يراد لها أن تكون طويلةً كحرب (داحس والغبراء)، أعطتها قوات التحالف اسماً موحياً (التصميم الصلب).

ماذا تريد (داعش)؟ وهل هي فعلاً بهذه القوة الجبارة لتقابل جيوش وأجهزة استخبارات ومخابرات دولتين (العراق وسورية) وخلفهما قوة إقليمية تحسب دول المنطقة ألف حساب لمواجهتها، وخلف كل هذا تحالف دولي من خمسين دولة عظمى وصغرى أو يزيد؟

وماذا تريد أمريكا من هذا التحالف الكبير الذي أنشأته؟ وهل هي فعلاً تريد القضاء على الإرهاب كما تزعم؟، وإذا كانت فعلاً تريد ذلك فهل الإرهاب محصورٌ بمن سماهم إعلامها (داعش)؟ وماذا عن المليشيات المرتبطة بإيران وتتحرك بحرية ما بين البحرين الأبيض والأحمر؟ ولماذا تختلف المعالجات مع تشابه الأفعال عند الطرفين؟

وكيف ستستطيع -أي أمريكا- إقناع الشعوب المسلمة أنهم ليسوا المقصودين من هذا التحالف -المريب في حجمه وأهدافه- بدعوى محاربة الإرهاب الدولي؟ بينما هم يرون أن قذائف وصواريخ التحالف كما هي قذائف ومتفجرات الإرهاب بشقيه تسقط على رؤوسهم ومنازلهم وديارهم؟

وكيف سيصدقون أنهم ليسوا المقصودين وهم يرون العداء الظاهري منذ عقود بين الغرب وإيران بينما يتمدد مشروعاهما وينسقان معاً على حساب دول وشعوب المنطقة!؟ وبينما أمريكا تغض الطرف عن كل فظائع وفضائح إيران وأتباعها!؟.

في لقاء له على قناة الجزيرة أكد لاري كورب مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق على أنه (لا شك بوجود تعاون وتنسيق غير معلن بين أميركا وإيران).

ويكفي هنا أن نقارن بين تعامل أمريكا والغرب مع ملف الأسلحة غير التقليدية، ففي الوقت الذي عوقب نظام صدام وحوصر وتم احتلال بلده بعد ذلك بناءاً على ظنون وأوهام وتقارير مزيفة، فإن الغرب يغض الطرف ليس فقط عن التقارير التي تؤكد وجود الأسلحة المحرمة لدى نظام (الأسد)، بل عن استخدامها الفعلي ضد مدنيي وأطفال الغوطتين في دمشق، أما طريقة التفاوض مع ملف إيران النووي فتلك قصة أخرى!!.

لا شك أن تنظيم "الدولة" ارتكب ويرتكب جرائم وانتهاكات وحماقات ولكن يتساءل الكثيرون، أليس ما تقوم به الحكومتان في دمشق وبغداد يمثل جرائم وانتهاكات أيضاً تفوق ما قام به التنظيم من حيث فظاعتها وحجمها وأثرها؟

ويستغربون في سؤالهم، كم عدد الذين قتلهم تنظيم "الدولة" في مقابل من قتلهم كل من نظامي بغداد ودمشق؟ وكم عدد الذين اعتقلهم والذين هجَّرهم و و و... بالقياس للنظامين والمليشيات التابعة لهما؟ مع استنكارنا لأي فعل غير إنساني.

حتى تهجير السكان المدنيين من مدنهم وقراهم لا يحصل بمجرد سيطرة (داعش) عليها -وإن قامت أحياناً بعمليات تصفية وتهجير لخصومها المباشرين- بل للقصف العشوائي والمبالغة في رد الفعل وعدم التفريق بين الأهداف المدنية والمسلحة من قبل مستهدفيها، ولتأثير الآلة الإعلامية، فلمصلحة من هذه المعالجات العنيفة والقوة المفرطة؟

لقد باتوا متأكدين أن التحالف الغربي لم يأت لكي ينقذ شيخ عشيرةٍ تورط في ملف الصحوات، ولا ليحافظ على كفاءات وكوادر المناطق السنية، ولا لأجل عيون المهجرين أو المعتقلين بلا سند قانوني، بل لأغراض أخرى بات التفكير في مآلاتها يؤرق ليلهم أكثر مما أرقته انتهاكات (داعش) و(ماعش).

لا أحد يستطيع أن يجزم بأن كل المنضوين تحت ألوية (داعش)، أو أن كل الذين يقومون -أو ينتظرون دورهم- بتحويل أجسادهم وأحلامهم إلى متفجرات، مقتنعون بأفكارها ومعتقداتها.

فمع المقتنعين فعلاً بها، ومع بعض من يحاول اختراقها لأسباب ودوافع استخبارية أو عملياتية، فإن هناك من وجد في (داعش) الطريق الوحيد الذي ينفس به عن عُقده وآلامه التي لم تتسبب له بها (داعش) بل خصومها،

فهل نستطيع أن نلوم من اغتصبت زوجته أمام عينيه أو تم اغتصابه هو شخصياً في السجون السرية أو واجه تعذيباً مهيناً أو قضى أخوه أو تعوّق تحت التعذيب، ومن قتلت القذائف خمسةً من أولاده أو كل عائلته دفعةً واحدة بغير ذنب، أو من يرى قريته تهجر أو تحرق كل مساجدها بالكامل، كما حصل ويحصل في ديالى وبابل ومحيط بغداد وقرى حمص وحماة وريف دمشق وغيرها، هل نستطيع إلقاء اللوم على أحدٍ من هؤلاء على التعاون حتى مع الشيطان ليسترد بعض كرامته ولو كان ذلك عبر الدخول في مهلكة أو حتى عبر تفخيخ وتفجير نفسه!!؟

من حقكم أن تظنوا أنني أمارس بعض التهويل هنا، في ظل التعتيم على جرائم المليشيات الإيرانية مقابل تضخيم جرائم (داعش) تحت مجهر الإعلام، ولكن لو رجعتم إلى تقارير المنظمات الدولية لوجدتم أنهم يتكلمون عن أدلة كثيرة تؤيد ما ذكرته، وما لم ينشر ويظهر من الفظاعات يبقى أكبر بكثير من المعلن،

فقد أعلنت منظمة العفو الدولية، في بيان لها قبل أيام، أوردته وكالة (فرانس برس)، أنها تملك "أدلة" على أن المليشيات الشيعية التي تضم "كتائب حزب الله والعصائب وسرايا السلام وغيرهما" ارتكبت "عشرات" عمليات القتل بحق مدنيين سنة تعتبر "إعدامات عشوائية". واتهمت المنظمة الحكومة العراقية بدعم وتسليح مقاتلين شيعة يقتلون مدنيين سنة، وأضافت أن مجموعات شيعية مسلحة تقوم أيضاً بعمليات خطف سنة وتفرض على عائلاتهم دفع عشرات آلاف الدولارات لإطلاق سراحهم، ورغم ذلك فإن العديد منهم ما زالوا معتقلين، وبعضهم قد قتل.

وأكدت مستشارة المنظمة قائلة "إن الحكومة بمباركتها هذه المليشيات، تعطي موافقتها على جرائم حرب وتغذي حلقة خطيرة للعنف الطائفي... وتسهم في تدهور عام للوضع الأمني وفي مناخ الفوضى". وأضافت، "إن المليشيات الشيعية تستخدم الحرب ضد (داعش) بمثابة حجة لشن هجمات انتقامية ضد السنة".

واتهمت المنظمة في ختام بيانها الحكومة العراقية بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان خصوصاً "التعذيب وسوء المعاملة تجاه السجناء".

تستطيع أمريكا أن تنهي ملف الصراعات في العراق وسوريا بأسرع وقت -لو أرادت- إذ كان يكفي في سوريا أن تناصر حقوق الغالبية العظمى من الشعب السوري الذي خرج يتغنى بالديمقراطية ويطالب بالحرية والكرامة الإنسانية في وجه غطرسة وطائفية أقلية صغيرة من الشعب.

أما فيما يخص العراق فيكفي أن تفرض على الحكومة العراقية مبدأ الشراكة الحقيقية لا المشاركة الديكورية في الحكم وإحداث التوازن في جميع مرافق الدولة وخصوصاً المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضاء والمناصب السيادية، وأن تطهر هذه المؤسسات من المليشيات المسلحة وترفع يدها عن دعمها، وتعويض المهجرين والمتضررين وتهيئة سبل عودتهم إلى ديارهم... ولكن أمريكا لا تريد ذلك ولا تسعى إلى الاستقرار في المنطقة وتخفي أجندتها الحقيقية ولذلك فهي تتحدث عن حربٍ تطول لعقودٍ قادمة.

لا أحد يستفيد من الحروب والمواجهات المسلحة غير تجارها، وهي تجارة تملأ جيوب مشعليها بأموال وثروات كبيرة لا يعني أصحابها ما يسيل بسببها من دماء ويتساقط من أشلاء ويتهدم من منازل وأحلام الأبرياء، وربما لا يعنيهم حتى ما يرفعونه من شعارات لتبرير هذه الحروب أمام الرأي العام المحلي والعالمي.

وبالتأكيد فإن أكبر الخاسرين اليوم هي شعوب المنطقة بكل أطيافها وأعراقها، والغريب أن الغرب لا يريد أن يدفع شيئاً من تكلفة هذه الحرب وأنه يراد لهذه الشعوب المنكوبة أن يكون أبناؤها ومواردها وقود هذه الحرب... حرب (داعش) و(الخضراء).

وسام الكبيسي

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة