التعايش مع الفوضى

ثورات وصراعات، معارك أهلية وحروب بالوكالة، رايات تهوي وأخرى تعلو. هي جولة مديدة من التحطيم الواسع.

الجمعة، 03-07-2015 الساعة 10:23


ثورات وصراعات، معارك أهلية وحروب بالوكالة، رايات تهوي وأخرى تعلو. هي جولة مديدة من التحطيم الواسع والتفتيت العارم والانغماس في الدم والأشلاء؛ لكنها تبقى مشروطة في بعض أبعادها، وإن ظلّ "تنظيم الدولة" هو الأحجية التي ينشغل بها جميعهم دون التوافق على تخمينات متقاربة بشأنها.

فمع الصراعات الضارية التي تجري وأعمدة الدخان التي تتعالى والهزات العنيفة التي تتلاحق؛ تبقى بعض الثوابت فوق مستوى المساس بها حتى في هذا المنعطف التاريخي. إذ تفرض المعادلات الدولية والإقليمية توازنات تحول دون حسم الموقف، وتمنح حصانة تحول دون امتداد خيوط اللهب إلى بلدان بعينها، كما تبقى بعض الخرائط على حالها في زمن تنساح فيه القوات عبر الهلال الخصيب وتتفتت خلاله الجغرافيا في رقاع بعينها دون أخرى.

وعلى رأس الثوابت، بكل تأكيد، هو عدم المساس بالقاعدة الحربية الضخمة التي تشغل رقعة فلسطين التاريخية. تلتهب الأرض في الأرجاء وتحتفظ الحدود مع الاحتلال الإسرائيلي بهدوئها، مع استثناءات شحيحة غير ذات أثر. يتعزز الهدوء بينما تجري على تخوم رقعة الاحتلال من الجهة الشمالية الشرقية ومن الجهة الجنوبية الغربية، معارك ضارية وعمليات قصف وتفجير وهجمات من كل الأنواع، ولا تجد الأسلاك المحصّنة من يسعى لاختراقها إلاّ نادراً.

كانت الأطراف الدولية ترعى حالة الاستقرار القهري المفروضة على المنطقة عبر قرن من الزمن، ضمن معادلة التجزئة العربية. فهل تبدّل الانشغال الدولي لينصبّ على ضبط توازنات الصراعات الداخلية والإقليمية، بما لا يحسم صراعاً لصالح طرف بعينه على الآخر؟ يغامر بعضهم باستخلاص هذا الانطباع، على الأقل من واقع الحال الذي يرونه في العراق وسورية واليمن وليبيا، حيث تبلغ الصراعات مبلغها لكنها تجري وفق توازنات ملحوظة فتحافظ على حدود معينة لا تكاد تتخطاها. ولا يهم هنا إن كان هذا المشهد هو حصيلة إرادات دولية أو توافقات مستترة أو توازنات إقليمية ودولية؛ بل العبرة في النتائج والمآلات الملموسة على الأرض.

في بعض ما يجري في المنطقة ما يراكم شروطاً مثالية لإعادة توزيع حصص الأرض والموارد وتقاسم الفتات بين المكونات السكانية، بما ينعش الهواجس التقليدية التي خامرت المنطقة عن إعادة رسم خرائطها. وتنتصب في رهانات التعامل مع المنطقة فرضيات عدة، منها ما يقول بإنعاش عملية التقويض الذاتي والاستهلاك الداخلي والمحرقة المبرمجة لشعوب وقبائل وطوائف، بعد أن خامرتها آمال الحرية والكرامة والنهوض في ما سمي بالربيع العربي.

على أنّ ما يجري من استنزاف البلدان والشعوب وتحطيم آمالها في الحاضر والمستقبل لن يكون بلا ارتدادات عنيفة وصارمة في اتجاهات يصعب تقديرها. إنّ الضريبة المباشرة لذلك هي صعود جماعات الفوضى المسلحة التي تحرص على تسجيل حضورها حتى في الضفة الشمالية للمتوسط. لكنّ أولئك المسلحين الملثمين منشغلون الآن بحز رؤوس المسلمين أساساً وبتدمير تراثهم وتفجير آمالهم وتشويه دينهم. ثمّ إنّ خروج مارد الرعب على العالم في هيئة إسلامية زائفة، يعين متطرفي الشمال على نسج الذرائع لتصفية حسابات كالتي يتعطش إليها بعض القائلين بصراع الحضارات.

كما يتضح الثمن المباشر للاضطرابات في تدفقات الهجرة، فالعالم العربي والإسلامي يتحوّل إلى بيئة طاردة لسكانه، فملايين الأشخاص ينتظرون دورهم اليوم في التسلل إلى أوروبا فراراً من القتل والتدمير والبطالة. تبقى أوروبا قادرة من الناحية الديموغرافية على هضم هذه الأعداد التي ستسدي فوائد عظيمة لها في ردم الفجوة السكانية وإنعاش طاقة العمل، لكنّ المسألة تتعلق بالهواجس الثقافية والاجتماعية التي تثير إشكالات وتحديات في مجتمعات يعلو فيها مشعلو الحرائق من أقصى اليمين السياسي.

ما تشهده الرقعة العربية اليوم هو تناقضات حادة، ضمن معادلة يتعايش فيها الانضباط مع الفوضى، والسعة والوفرة مع ملايين اللاجئين، وتختلط فيها أغاني المبتهجين مع صرخات الملتاعين. وأسوأ ما في الأمر أن تتواصل عمليات التقويض الذاتي والحرائق الداخلية بلا هوادة، وأن تفرض المعادلات الإقليمية والدولية التعايش مع الفوضى ردحاً من الزمن، دون أن تتوفر في الواقع المحلي الإرادة أو القدرة على وقف هذا التدهور المتواصل إلى القاع.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة
عاجل

مشروع قرار كوركر: سياسات السعودية في السنوات الأخيرة أظهرت نمطاً مقلقاً في العديد من ملفات المنطقة