الثقة المهتزّة بين تركيا وروسيا في سوريا

تعلّقت بعض الآمال لدى الأتراك والسوريين بأن تسفر المفاوضات بين روسيا والمعارضة السورية عن نتائج إيجابية حقيقية.

الثلاثاء، 07-03-2017 الساعة 22:16


تعلقت بعض الآمال لدى الأتراك والسوريين بأن تسفر المفاوضات بين روسيا والمعارضة السورية في نهاية العام الماضي، وما تبعه من لقاءات في أنقرة وأستانة بينهما، عن نتائج إيجابية حقيقية، تخفف أولاً من معاناة الشعب السوري، وتوفر ضمانات للحكومة التركية بأمن الشمال السوري من التنظيمات الإرهابية ثانياً، فهذه الأهداف هي التي دفعت عملية "درع الفرات" لتحقيقها منذ 24 أغسطس/آب 2016، دون نسيان أن عملية درع الفرات نفسها بدأت بتفاهمات تركية روسية بخصوص ضمانات الأمن القومي التركي في شمال سوريا، وهو ما يسر لموسكو أن تتفاوض مع المعارضة السورية المسلحة في أنقرة وأستانة الأول والثاني، وبالرغم من أن أستانة الثاني لم ينته بحسب ما ترغب تركيا أو المعارضة السورية، وبالتأكيد ليس بما تتمناه الحكومة الروسية، فإن إمكانية التراجع عما تحقق في أستانة واحد، وما سبقه من اتفاق وقف إطلاق النار في اليوم الأخير من العام الماضي، حيث إن الهدنة لم تثبت لأيام ولا لساعات؛ لأن قوات الأسد والمليشيات الإيرانية لم تحترم الضمانة الروسية لها، بحسب اتفاق وقف إطلاق النار المذكور، في مقابل ذلك ضمنت تركيا المعارضة السورية المسلحة، فلم تخرق وقف إطلاق النار إلا في حالة الدفاع عن نفسها.

وبعد انتهاء أستانة الثاني تمكن الجيش السوري الحر من تحرير الباب، بالرغم من التأخير الطويل لعملية التحرير، ولكن التحرير تم أمام صعوبات كان منها مواقف لتنظيم داعش مع نظام الأسد من جهة، وصعوبات في محاولة عرقلة ذلك من قبل إيران وحرسها الثوري، وإن فضّل أن يكون بعيداً عن ساحة الصراع العلني الذي تشارك فيه تركيا بدعمها للجيش السوري الحر، وقد بدا ذلك من الضربة الجوية التي وجهت للجنود الأتراك الثلاثة على أطراف مدينة الباب الشمالية، بتاريخ 24 نوفمبر/تشرين الأول 2016، دون أن يتبنى ذلك أحد باستثناء داعش، ولكن دون تأكيد تورطها بذلك الهجوم، أو نفيه عن جهات أخرى كانت تحاول منع تركيا من تحرير الباب؛ بهدف وضع حد لعملية درع الفرات وإفشالها، ولكن صبر الحكومة التركية وإصرارها على أنها تفضّل التفاهمات مع روسيا على نقضها أدى في النهاية إلى تحرير الباب أولاً، وتوجه الأنظار إلى الهدف الرئيسي لعملية درع الفرات، كما قال الرئيس أردوغان بأنه تحرير منبج، التي وقعت تحت أيدي قوات سوريا الديمقراطية، المشكلة الرئيسية من قوات حماية الشعب، التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي السوري، فرع حزب العمال الكردستاني الإرهابي في سوريا، أي إن المشكلة التي سوف تواجه تركيا في تحرير منبج هي أكبر من الصعوبات التي واجهتها لتحرير الباب من داعش.

وفي هذه الأجواء وبشكل مفاجئ، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية، يوم الجمعة 4 مارس/آذار الجاري، عن توصلها إلى اتفاق مع النظام السوري لتسليمه مدينة منبج، وهذا يتناقض مع اتفاق سابق بين تركيا وأمريكا؛ على أن يكون دخول قوات سوريا الديمقراطية إلى منبج مؤقتاً ولمدة شهر واحد فقط، وإعادتها لسكانها الأصليين بعد تحريرها من داعش، ولكن قسد أخلّت بتعهداتها، كما أن أمريكا لم تفِ بالتزاماتها لتركيا بسحب هذه المليشيات من منبج، ولذلك كان نقض قسد لتعهدات أمريكا مع تركيا مستنكراً من أمريكا سريعاً، فأعلن البنتاغون مباشرة أنه: "لا علم لنا عن اتفاق تسليم منبج إلى النظام السوري"، والمتحدث باسم البنتاغون، جيف ديفيس، قال:" إنهم تابعوا تحرك قوافل إنسانية مصحوبة بعربات عسكرية روسية باتجاه منبج"، مضيفاً: "الحكومة الروسية أخبرتنا عن التحرك من خلال الخط المخصص لتفادي الاشتباك، ولكننا لا نعلم عن أي اتفاق، ولسنا جزءاً منه"، وهذا يعني أن هناك تضارباً بالأخبار، فهل عملت القوات الروسية على تسهيل استلام قوات الأسد لمبنج وساعدتها بنقل قواتها إلى منبج؟ وروسيا تعلم في نفس الوقت الموقف التركي، وهو وإن كان لا يعارض استلام منبج من قوات تابعة للحكومة السورية، ولكن بشرط ألا تقف حجر عثرة لتحرير الرقة أولاً، فالخطط التي تبذلها تركيا أن يكون تحرير الرقة بأيدي قوات من الجيش السوري الحر، وقوات البيشمركة، واستبعاد قوات سوريا الديمقراطية، وقوات حماية الشعب التابعة لحزب العمال الكردستاني، وإلا فإن تركيا لن تشارك في عملية التحرير، فتركيا وإن كانت لا تستطيع منع اتفاق روسيا مع أمريكا لتحرير الرقة بعيداً عن تركيا، ولكنها -أي الحكومة التركية- تستطيع أن تشترط منع وجود قوات حزب الاتحاد الديمقراطي في عملية التحرير إذا كان لتركيا دور ومشاركة بتحرير منبج باتفاق روسي أمريكي.

في خضم هذه التناقضات، وإعلان المسؤول الأمريكي أن قوات سوريا الديمقراطية لم تخبره عن الاتفاقية، ودعوته الأطراف إلى التركيز على محاربة داعش، فإن القراءة التركية سوف تعود للتشكيك في الموقف الروسي، فروسيا تعلم ما إذا كان يوجد اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والبنتاغون أو لا يوجد؛ لأن أمريكا تنسّق تحرّكاتها مع روسيا من جهة، كما أن المليشيات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، أو قوات سوريا الديمقراطية، لا تخفي مواقفها وتحركاتها العسكرية عن الروس، فهل أخفت روسيا عن تركيا هذه الاتفاقيات؟ أو أنها اتفقت مع أمريكا عليها، وخطورتها أن إعطاء منبج للنظام السوري باتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية لا يعني إلا أنه يمكن أن يكون اتفاقاً مؤقتاً، ومن ثم عودة منبج إلى حزب الاتحاد الديمقراطي ومليشياته في المستقبل؛ بهدف قطع الطريق على تركيا والجيش السوري الحر لتحرير منبج، بعد أن تعهد أردوغان بذلك.

من المؤكد أن عملية درع الفرات لها أهداف واضحة ومعلنة؛ وهي جعل الشمال السوري آمناً كله، وبالأخص غربي نهر الفرات، بأيدي أهله وسكّانه الأصليين، وطرد التنظيمات الإرهابية منه، وتأمين الحدود التركية السورية من الهجمات الإرهابية على الأراضي التركية، وهذا يضمن أن تكون مدينة منبج بأيدي أهلها العرب السنة؛ لأنها في الحالتين اللتين كانت فيهما بأيدي داعش أو قوات سوريا الديمقراطية كانت تحت أيدٍ أجنبية وإرهابية ومعادية للأمن القومي التركي، وتركيا تعلم حدودها في شمال سوريا بأنه لا يمكن أن يتم في حالة عداء مع أمريكا أو مع روسيا، ومن ثم فإن التفاهمات التركية مع أمريكا وروسيا أساسية لأي ترتيبات تركية في الشمال السوري، وهذا ما سعت له تركيا لعقد لقاءات عسكرية بين كبار الضباط الأتراك مع نظرائهم الأمريكيين والروس، فقد عقد يوم الثلاثاء 7 مارس/آذار الجاري، اجتماع ثلاثي لرؤساء أركان تركيا وأمريكا وروسيا في أنطاليا جنوبي تركيا، فحضره من الجانب التركي رئيس هيئة الأركان التركية، الفريق أول خلوصي أقار، مع نظيريه الأمريكي جوزيف دانفورد، والروسي فاليري غراسيموف، فهذا الاجتماع على أعلى مستوى عسكري في الدول الثلاث مؤشر على إقرار روسيا وأمريكا بأهمية الدور التركي في سوريا والعراق، وأن كل العمليات العسكرية القادمة في سوريا والعراق ستأخذ الدور التركي والأمن القومي التركي بعين الاعتبار، وبالأخص بعد الوعود التي قطعها الرئيس ترامب على نفسه لإحداث تغيير في العراق وسوريا والشرق الأوسط.

إن الرؤية التي تنطلق منها الحكومة التركية هي كما قال رئيس الوزراء يلديريم:" لا معنى لعملية عسكرية في منبج دون تنسيق مع الجانبين الروسي والأمريكي، وفي هذا الإطار تجري اتصالات بين الخبراء العسكريين الأتراك ونظرائهم من روسيا وأمريكا"، ومؤكداً يلديريم: "أن بلده لن تسمح لتنظيم بي كا كا الإرهابي بتحويل مدينة سنجار شمالي العراق إلى جبال قنديل ثانية"، فتركيا وضعت نفسها في أرض المعركة الداعمة للجيش السوري الحر، وهذا يفرض وجودها في الحل السياسي الذي يبحث مستقبل سوريا، وبوصف تركيا الدولة الكبرى التي لها حدود جغرافية تزيد عن 900 كيلومتر مع سوريا، فإن تركيا ملتقى الدول الكبرى التي تبحث الحل السياسي أو تخوض المعارك على الأرض السورية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة