الثقوب السوداء لحركات الإسلام الوسطي

وجد ملايين المسلمين المؤيدين أنفسهم بلا "خطاب إسلامي وسطي" يُداري جرحهم النفسي بطريقة صحيحة.

الثلاثاء، 09-06-2015 الساعة 11:40


حين شيّدت داعش "السلخانة" الضخمة في العراق والشام: لم تجد صعوبة في إيجاد الذبّاحين، ولم يكن معسِراً تكوين جيش من القصّابين، حضروا من كل فجٍّ عميق، لإنتاج جثث "مذبوحة وفق الشريعة الإسلامية"، ويكادون يكوّنون نصف جنسيات الكرة الأرضية وفقاً لبعض الإحصاءات. وما يهمنا هنا: التساؤل بموضوعية حول سر الانجذاب الغريب لكل هذه العقول البشرية المبرمجة للموت تحت راية تنظيم حديث النشوء، وكيف استطاع إعلام اجتماعي محدود وبضع إصدارات صوتية ومرئية لمشاهد تشيب لها الولدان، استقطاب كل هؤلاء؟!

وحتى نُحْكِم تحديد السياق: فنحن لسنا مهتمين هنا بالبحث عن أصل نشأة التنظيم الداعشي، ولا الخوض فيما يقال ويُساق من قرائن تجزم بتبعية داعش للتيار البعثي العراقي/السوري المهادن لإيران والمتسق مع الغرب. ما يهمنا هنا هو خصائص المُنتج (أي داعش!)، بغض النظر عن الجهة المصنعة، وإذا عرّفنا "داعش" على أنها منظومة ذكية استطاعت عزف شفرات سرية أحيت رغبة الموت لدى كل هؤلاء الذباحين، وتحت راية الإسلام، فما هي يا ترى تلك الشفرات؟ وأين موقع حركات الإسلام الوسطي منها؟

لفك ترميز تلك الشفرات، ينبغي الغوص بأعماق المكون النفسي للشخصية الإسلامية الحديثة، والتي تكوّنت بعد الحقبة المسماة: الصحوة الإسلامية، وسنضع جدلية هنا، مفادها أن داعش (بانحرافها السرطاني الشديد نحو الإفراط والتنطع) هي نتاج مباشر لسلوك سلبي "ما" لحركات الإسلام الوسطي في العالم؛ أي أن داعش هي منتج قائم على استغلال مساحات فارغة تركتها حركات الإسلام الوسطي لأسباب معينة. ونحن نؤكد على أن هذه مجرد "جدلية" نسعى لنقاشها، والبحث في صحة صوابها، دون تبنيها بالضرورة، وسنترك سياقات المنطق والاستنباط تستخلص الحقيقة.

وبما أننا بحاجة لتفكيك المكونات النفسية لذبّاحي داعش، فإنه يلزم استحضار حالة الانكسار النفسي الهائل الذي عاشه العالم الإسلامي الكبير منذ عقود تلت انهيار الإتحاد السوفيتي، وبروز الولايات المتحدة كقطب أوحد وضع نفسه في مواجهة المد الإسلامي، فمنذ بداية تسعينيات القرن الماضي: شعرت فئات واسعة بخيبة أمل من مجاهدي أفغانستان، الذين بددوا حلم الخلافة وإقامة حكم إسلامي صحيح على أرضها (كما كان البعض يتمنى ويتخيل!) من بعد سقوط الشيوعية، ثم تلا ذلك مجازر البوسنة والهرسك، والتي وقعت في قلب أوروبا، وأثقلت الضمير الإسلامي بحجمها ودرجة النفاق العجيبة للنظام الدولي، الذي لم يبادر لأي فعل إنساني، إلا بعد انتهاك كل الإنسانية على يد الصرب آنذاك! ثم ازداد حجم الانكسار النفسي الإسلامي بتوقيع دول عربية معاهدات سلام مع إسرائيل والتي ترافق معها زيادة بحجم البطش الإسرائيلي بالفلسطينيين رغم كل التنازلات المذلة للعرب، ثم سقط برجا نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر، وتساقطت معها معنويات ملايين المسلمين حول العالم الذين روّعهم معاقبتهم على أساس ديني في مناطق شتى من العالم، بدءاً من أفغانستان، مروراً بالسجون الدولية المعلنة والسرية، والمصممة حصراً لاحتضان "مسلمين"، وانتهاء بشيوع قتل أبرياء (كلهم مسلمون بلا استثناء) بصواريخ تكافح الإرهاب، ثم كانت ذروة الذل النفسي في الوجدان الإسلامي: إسقاط العراق، وتدمير دولته ومظاهر حضارته، في سياق الحرب على الإرهاب، الإسلامي طبعاً!

آنذاك: لم تكن داعش موجودة، بل تنظيم القاعدة، وهو تنظيم "واحد" أمام عشرات المؤسسات والحركات الإسلامية الوسطية في العالم، فكيف تعاملت تلك الحركات مع الوجدان الإسلامي الجريح؟ ببساطة: وجد ملايين المسلمين المؤيدين أنفسهم بلا "خطاب إسلامي وسطي" يُداري جرحهم النفسي بطريقة صحيحة، ويستوعب حزنهم في اتجاه لا يؤدي للتطرف والاستقطاب الشديد في خانة ردة الفعل.

كان الشعور بالعجز والذل المرافق لغياب أي تنظير إسلامي وسطي يستوعب تلك المشاعر ويعالجها ويوجهها - جماهيرياً- بطريقة صحيحة، هو بوابة لمنحدر يؤدي لفراغ هائل، وهو فراغ بالغ الخطورة؛ لشدة سطوة تلك المشاعر السلبية من جهة؛ ولشدة الفراغ الذي مارسته حركات الإسلام الوسطي من جهة أخرى، والتي انطوت على نفسها تارة بفعل الملاحقات الأمنية والتهميش، وتارة لضعفها السياسي والمالي، وتارة لضعفها الفكري التطبيقي.

كان كل "فراغ" تتركه حركات الإسلامي الوسطي ينتج: ثقباً أسود يستقطب كل العناصر الشاردة إليه، وهذا ما فعلته داعش، ومن قبلها القاعدة! ويعرف علماء الفيزياء والفضاء الثقب الأسود على أنه منطقة شديدة السواد في الفضاء الخارجي تجذب إليها الكواكب الأخرى، وتبتلعها بطريقة ما تزال مجهولة ومحيرة حتى الآن. والغريب أن علماء ومنظري الحركات الإسلام الوسطي ما يزالون حتى الآن لم يفككوا لغز الثقوب السوداء في الفضاء الإسلامي، ولم يصلوا لوصفة تطبيقية ناجحة لهندسة تزيح سواد تلك الثقوب، وتملأ فراغها بوسطية وفكر صواب! ونحن لا نتحدث هنا عن الفكر المضاد لداعش، الذي يبدو بديهياً في متناول الجميع، بل نقصد الجانب الفكري التطبيقي العملي القادر على برمجة العقول باتجاه صحيح، يكافئ ما فعلته داعش وأخواتها بالاتجاه الخاطئ! ولو قارنا الخطاب الإسلامي المعتدل، من ناحية شيوعه وقوة استغلاله لوسائل الإعلام، والاجتماعي خصوصاً، وقدرته على الإقناع واستيعاب المتلقي، مع خطاب داعش، فسنجد الكفة تميل، ومع الأسف، لصالح داعش!

ثمة مكون آخر شديد الأهمية، ويوازي في شحنه العاطفي المؤثر على الجماهير الإسلامية ذاك المرافق لمشاعر الانكسار: وهو مكون "الخلافة الإسلامية"، ومرة أخرى سنسقط هذا المكون على حركات الإسلام الوسطي (وليس داعش)، لأن حلم إحياء الخلافة هو مقصد جميع الحركات الإسلامية، الوسطية منها وغير الوسطية، وهو هدف عام نجده مبثوثاً بأدبيات تلك الحركات، وتبشر له كتب شتى، مشفوعة برصيد إيجابي هائل لدول إسلامية نشأت وأقامت حضارات متطورة حينها، غير أننا لو استطعنا النفوذ إلى خيال الملايين من المسلمين حول الخلافة: فسنجده لا يختلف كثيراً عن المشهد السينمائي الذي ظهر به البغدادي (خليفة داعش المزعوم) أثناء خطبته في مسجد بالموصل قبل عام!

إذ لم تستطع الحركات الإسلامية الوسطية وضع تصور موضوعي صحيح لشكل الدولة الإسلامية، ولم تستطع تخليص الجماهير الإسلامية من الخيال التراثي لشكل الخليفة، وطريقة عمله، وأسلوب إدارته، فالعمامة والدواوين وبيت المال والدينار والسيف هي مكون الخيال الإسلامي للدولة الإسلامية، بلا تنظير شرعي لشكل الدولة الإسلامية الحديثة، وبلا خطاب يؤسس لشكل تلك الدولة في أذهان الملايين، وثمة أسئلة بديهية حول متى تتشكل الدولة الإسلامية، وكيف تكتسب مشروعيتها، وكيف يكون نظام حكمها، ظلت حائرة تائهة بالوجدان الإسلامي العام في عالمنا الحديث.

لذا حين أذّنت داعش بدولتها السينمائية: أتاها أولئك الحالمون من كل فج عميق، فقد تركت حركات الإسلام الوسطي المنطقة الفكرية للـ"الخلافة الإسلامية" فارغة، يملؤها المخرجون السينمائيون ومصنّعوا داعش، وكانت منهجية داعش بسيطة جداً: تجميع الثقوب السوداء التي أشرنا إليها، والتي أهملتها تيارات الإسلام الوسطي، ثم زرع تلك الثقوب في العراق وسوريا، ليقولوا أنها "باقية وتتمدد" بفعل المغناطيس العاطفي الهائل للثقب الأسود والذي يجذب بشدة الوجدان الإسلامي الجريح، المفتقد للخطاب الفكري تجاه العدوانية الغربية تجاهه، والمفتقد لوعي شرعي يؤطر التبشير الإسلامي الصحوي بالدولة الإسلامية، حتى قيل إن بعض الأوروبيين الذين أسلموا حديثاً وبالكاد يعرفون أحكام الاستنجاء والطهارة والوضوء أصبحوا تكفيريين تحت راية داعش، شأنهم شأن أولئك الشباب الباحث عن زوجة وعمل: زوجة حورية في الجنة تعده داعش بها، وعمل عسكري يضمن كرامة وهمية مفقودة، لذا نستطيع القول بأن الجدلية التي أشرنا إليها مطلع هذا المقال صحيحة إلى حد كبير، وفقاً للمنطق النفسي المهيمن على المشاعر الإسلامية: حيث أن هؤلاء المنجذبون لداعش: هم ضحايا إهمال حركات الإسلام الوسطي، وهم ضحايا الصمت، والترك، والتردد، ممّن يحملون الفكر الإسلامي الوسطي الصحيح، وحتى يحين موعد الإستدراك: سيبقى الفضاء الإسلامي المعتدل الذي يمثل عموم الأمة ملُوماً بالمقام الأول لترك الملايين بلا حصانة تجاه الانجذاب للثقب الداعشي الأسود!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة