الجبهة الجنوبية ومخاطر تواجد الحرس الثوري الإيراني على الحدود الأردنية

تشهد الجبهة الجنوبية في سوريا منذ الشهر الماضي حملة عسكرية إيرانية غير مسبوقة بقيادة الحرس الثوري وحزب الله.

الاثنين، 02-03-2015 الساعة 22:04

تشهد الجبهة الجنوبية في سوريا، منذ الشهر الماضي، حملة عسكرية إيرانية غير مسبوقة، بقيادة الحرس الثوري وحزب الله والمليشيات الشيعية (لواء الفاطميين) إلى جانب بعض ما تبقى من قوات الأسد هناك. وقد نقلت التقارير معززة بالصور وجود قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني للإشراف على العمليات التي تتم، وفي هذا بحد ذاته دلالة كبرى على مدى أهمّية هذه الجبهة الآن بالنسبة إلى إيران.

 

من المعلوم أنّ الجبهة الجنوبية في سوريا تشكّل عملياً "منطقة عازلة" بين العمليات العسكرية والفوضى الموجودة في سوريا وبين الأردن، وقد استطاعت المملكة، بوسائل متعددة، ضبط شكل العمليات التي تجري في هذه المنطقة خلال السنتين الماضيتين، ولذلك نرى في الجبهة الجنوبية نموذجاً مختلفاً تماماً عمّا هو موجود في الجبهة الشمالية بالقرب من الحدود من سوريا.

 

لكنّ هذا النموذج يراد تدميره من قبل إيران والأسد لأنه بات يشكل تهديداً خطيراً على النظام السوري ولأن هناك دوافع أخرى لإيران وحزب الله في التواجد على الحدود مع إسرائيل، كما شرحنا في مقال سابق. هذا الوضع يجب أن يخلق حالة من الاستنفار لدى المملكة الأردنية الهاشميّة، إذا ما نجح الإيرانيون هناك فستكون التداعيات مدمرة ليس على السوريين فقط وإنما على الأردن بشكل أساسي. انهيار الجبهة الجنوبية يعني أنّ قوات الحرس الثوري وحزب الله أصبحت على الحدود الأردنية لأوّل مرة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات وانعكاسات على مختلف الأصعدة.

 

لنبدأ بالمستوى الإنساني، لقد سبق وأن شهدت الحدود السورية- الأردنية اشتباكات متقطّعة بين الجيش السوري والجيش الأردني، لا سيما مع بدايات الثورة؛ في مسعى من النظام السوري لإيقاف تدفق اللاجئين، حيث كان الجيش الأردني مضطراً للرد على مصادر النيران، ومع الزحف البشري الناجم عن عمليات القتل المفتوحة التي مارسها نظام الأسد في تلك المنطقة كما في سائر سوريا، بدأت جحافل المدنيين الهاربين من النيران بالتوجه إلى الحدود الأردنية، وسرعان ما تحوّل الأردن إلى ملجأ لحوالي 1.5 مليون لاجئ سوري، كما تحوّلت مخيمات اللجوء على الحدود الشمالية إلى ثاني أكبر مدينة في البلاد بعد العاصمة الأردنية عمّان في وضع على موارد البلاد الشحيحة الطبيعية والمالية، فالأردن يعتبر واحداً من أفقر ثلاث دول في العالم لناحية المياه، كما أنه يعدّ- وفق كلام رئيس الوزراء الأردني- الثالث عالمياً لناحية العدد الكلي للاجئين، والأول عالمياً لناحية عدد اللاجئين الموجودين نسبة إلى عدد السكان.

 

انهيار الجبهة الجنوبية يعني أنّ من تبقى من المدنيين هناك سيكون مضطراً للدخول إلى الأردن مرّة أخرى، منعهم من الدخول سيضع الأردن في وضع حرج؛ إذ سيكون ذلك بمثابة الموافقة على قتلهم، على الأقل هكذا سيبدو الأمر إعلامياً، أمّا إدخالهم فسيزيد الأوضاع الأردنية الداخلية صعوبة، إذ سيؤدي ذلك حكماً إلى الضغط على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني الأردني الدقيق في هذه المرحلة.

 

من الناحية الأمنية، فإن خسارة المعارضة السورية هناك، وانهيار الجبهة الجنوبية، سيعني عملياً القضاء على آخر معاقلِ كبرى تجمّعات المعارضة المعتدلة، ومعها ستنهار أيضاً آلية "التقطير" المتّبعة في تزويد الثوار هناك بالأسلحة كمّاً ونوعاً، وهذا سيؤدي حتماً إلى انتشار جماعات أكثر تطرفاً تسعى إلى الحصول على دعمها المالي والعسكري بشكل مستقل لتسريع عمليات التسليح، ما يعني فقدان السيطرة عليها أولاً وثانياً تحوّلها إلى النموذج الآخر الذي تتوافر لديه مثل هذه الآليات المفتوحة من الدعم المالي والعسكري أي إلى "داعش"، وعندها سيكون الأردن تحت ضغط أمني شديد، وسيكون من المستحيل منع نقل المعارك إلى حدوده، وربما في مرحلة لاحقة إلى داخله، سيما مع تواجد اللاجئين هناك على الحدود.

 

الأخطر من كل ذلك هو التواجد الإيراني نفسه، حجماً وكمّاً، على الحدود الأردنية. إذا انهارت الجبهة الجنوبية في سوريا فستتحول بالكامل إلى مقر لقوات الحرس الثوري والمليشيات الشيعية. من الواضح كما ذكرنا أنّ هناك اهتماماً إيرانياً غير مسبوق بتعزيز تواجده في هذه المنطقة، وهذا سيشكل خطراً على الأمن الوطني الأردني وتهديداً مباشراً للأردن.

 

لقد سبق وأن حاولت إيران وحزب الله التلاعب بالأمن الداخلي الأردني مرّة بحجّة القضية الفلسطينية، ومرّة بحجّة تحالف الأردن مع الولايات المتّحدة. وقد صدرت تصريحات علنيّة من قبل مسؤولين عسكريين إيرانيين ومن قبل ممثلي مليشيات إيران في المنطقة تستهدف الأردن، مرّة للتهديد ومرّة للابتزاز ومرّة للضغط، مع الأخذ بعين الاعتبار أن مليشيا حزب الله في لبنان، والتي يهدد أمينها العام المملكة بشكل مستمر، يمتلك صواريخ قادرة نظرياً على الوصول إلى الأردن.

 

الموقف الأردني من الملف السوري متوازن؛ نظراً لأوضاعه الحرجة، وتركز عمّان على حل سياسي هناك علماً أنّ الأسد أثبت مراراً وتكراراً أنّه ليس أهلاً بهكذا حلول، ولا يفهم إلا لغة القوة وفق التجربة التاريخية. الأردن ما زال متخوفاً من موضوع تغيير النظام ومن سيحل محلّه، علماً أنّ بيان جنيف-1 كان قد حلّ هذه الإشكالية، وعدم الالتزام الروسي والإيراني هو الذي يعرقل التنفيذ ويمد المحنة، ويجعل الأردن بالتالي في موقف صعب.

 

ويتعرض الأردن حالياً بموازاة الهجمة الشرسة للمحور الإيراني إلى ضغوطات إعلامية كبيرة يقودها أمين عام حزب الله والإعلام التابع لإيران كي لا تحاول السلطات الأردنية أن تبدي أي رد فعل على ما يجري في الجبهة الجنوبية، وتبقى في موقف المتفرج دفاعياً. والحقيقة أن ما يجري هناك من المفترض أن يأخذ كل الاهتمام من الأردن وأيضاً من دول الخليج نظراً للمخاطر التي تحدثنا عنها.

 

العام الماضي فقط، قال الجنرال محمد رضا نقدي، قائد الباسيج الإيراني: إنّ الباسيج سيكون لها حضور في الأردن كما حصل في لبنان وفلسطين. لا يجب الاستخفاف بهكذا تصريحات، لقد سبق وأن ألقى الأردن القبض في أغسطس/ آب الماضي فقط على خليّة بصلة بحزب الله اللبناني وتم نشر لائحة الاتهام التي تظهر كيفية سعي حزب الله إلى تجنيد أردنيين للقيام بأعمال إرهابية داخل الأردن أو من خلالها. لقد حاولت إيران عبر حزب الله في نهاية عام 2011 وبداية عام 2002 إدخال أسلحة وصواريخ إلى الأراضي الفلسطينية عبر الأردن، وقد اكتشف الأردن الموضوع حينها وأحيلت القضية إلى المحكمة العسكرية.

 

اليوم، هناك تصريحات متكررة لخامنئي وللقادة الإيرانيين بتسليح الضفّة الغربية، وهي تصريحات متكررة منذ العام الماضي. في أغسطس/ آب الماضي أعلن قائد سلاح الجو في الحرس الثوري العميد أمير علي حاجي زاده: "سنسرع تسليح الضفة الغربية، وفي يناير/كانون الثاني 2015 أشار وزير الدفاع الإيراني، حسين دهقان، بأنه سيستفيد من جميع الأوضاع الموجودة لتسليح الضفة الغربية، ولا شك أن المقصود من مثل هذه التصريحات هو الأردن، ولا يجب التقليل من مخاطر وجود الحرس الثوري ومليشياته على الحدود الأردنية.

 

ليس من مصلحة الأردن ولا دول الخليج تحوّل الجبهة الجنوبية في سوريا إلى فوضى، أو انهيارها، لأن الإيراني سيصبح مباشرة على الأبواب، وسيكون من الصعب جداً السيطرة على الوضع حينها، ولذلك فإن الدفاع المتقدّم عن أمن الأردن وأمن المملكة العربية السعودية والخليج يجب أن يكون من خلال الجبهة الجنوبية نفسها. عدم السماح بسقوطها، لاسيما في هذا التوقيت أمر مهمة للغاية ويجب أخذه جدّياً بعين الاعتبار.

 

(السورية نت)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة