الجزائر.. توافق مع الخارج وإقصاء في الداخل

الروح التوافقية تجاه الأزمات العربية وغيرها تخفي أخرى إقصائية تستهجنها المعارضة الجزائرية بمختلف أطيافها.

الثلاثاء، 29-12-2015 الساعة 17:33


يعيب الكثير من الجزائريين على حكومتهم انتهاجها سياسة متناقضة في إدارة وتسيير الشأن العام، حيث يعجبون من الخطاب التوافقي الذي يطلقه وزراء بوتفليقة بدءاً من وزيره الأول وانتهاءً برأسي الدبلوماسية الجزائرية حول دور الجزائر في المنطقة المغاربية والعربية بصفة عامة.

حيث يقول وزير الخارجية رمطان لعمامرة، بأن الجزائر بادرت وشجعت وباركت كل الخطوات للوصول إلى مصالحة ليبية، كما أنها رفعت آراء بخصوص حوار يمني مبني على الحل السلمي والحوار وعدم التدخل في شؤون الدول، وعلى الحل التوافقي، كما أن الحكومة الجزائرية تقول إنها مع الحل التفاوضي السلمي في سوريا من خلال الحوار، وهذا ما تصفه الدوائر الدبلوماسية الجزائرية "أسلوب وطني" يقوم على "خدمة الآخرين دون استعمال مكبر الصوت"، لتؤكد الحكومة أن الجزائر لا تريد أن يحتفى بها على أساس قيامها بواجبها تجاه السودان أو الصومال أو أي دولة شقيقة.

فالدبلوماسية موجودة على كل الجبهات وبمساهمات نوعية لحل الأزمات والخلافات وتقدمه من منطلق أنه من مصلحتها أن يستتب الأمن في المحيط الأفريقي أو السياق العربي والمتوسطي.

كل هذه الروح التوافقية تجاه الأزمات العربية وغيرها تخفي أخرى إقصائية تستهجنها المعارضة الجزائرية بمختلف أطيافها، كما تستنكرها النقابات والمنظمات التمثيلية لرجال الأعمال وغيرهم التي لا تدور في فلك الحكومة.

فرغم أن الشارع السياسي الجزائري يعج ومنذ سنوات من حكم بوتفليقة بالمبادرات السياسية الهادفة للخروج من مرحلة التحول الديمقراطي والتي امتدت لأكثر من ربع قرن دون الوصول إلى شاطئ الديمقراطية الحقيقية والانتخابات الحرة النزيهة والحوار السياسي الجاد المبني على احترام المعارض والتكفل بانشغالات المواطنين الاقتصادية والاجتماعية.

حيث بادرت مجموعة من الأحزاب تحت لواء تنسيقية الانتقال الديمقراطي، بتقديم مبادرة على أساس الحل التفاوضي بين المعارضة والسلطة لتحقيق التحول الديمقراطي، كما بادرت أحزاب سياسية أخرى كجبهة التغيير بمبادرة "التوافق الديمقراطي" التي دعت فيها جميع الأطراف؛ سلطة ومعارضة، للجلوس لمائدة الحوار دون نسيان ممثلي المجتمع الجزائري في مختلف القطاعات، وفي نفس الاتجاه جاءت مبادرة جبهة القوى الاشتراكية بتاريخها الطويل في للمعارضة لتطرح مبادرتها "الإجماع الوطني"، ورغم تنازل هذه الأخيرة عن أي شرط مسبق بطرحها ورقة بيضاء أمام الجميع معارضة وسلطة ومنظمات اجتماعية؛ إلا أن الحكومة ضربت عرض الحائط بكل هذه المبادرات والمساعي من طرف القوى السياسية التي نظمت مؤتمراً تاريخياً للمعارضة وخرجت بأرضية "مزافران"، وتم تشكيل هيئة التشاور والمتابعة للمعارضة كأوسع فضاء يضم القوى السياسية المعارضة الراغبة في رؤية حوار داخلي يتناغم مع الخطاب الخارجي الداعي للحوار والتوافق بين فرقاء الوطن الواحد في سوريا وليبيا واليمن وغيرها.

هذه الحكومة بقيادة أكبر معمر برئاسة الجمهورية الجزائرية منذ الاستقلال الذي دعا إلى دستور توافقي، لم يمارس فيه أدنى متطلبات الحوار والتوافق، ما عجل بزيادة الاحتقان السياسي والذي صاحبه احتقان اقتصادي واجتماعي وذلك بتغييب الحوار مع النقابات التمثيلية للعمال والموظفين وكذلك منظمات رجال الأعمال التي لا تدور في فلك الحكومة والاكتفاء ببقايا نقابة عهد الحزب الواحد، والتي لم يعد لها تمثيل خاصة في قطاع الوظيفة العامة، وهي أكبر شريحة عمالية في البلاد، كما اكتفت الحكومة بالحوار مع منظمات أرباب العمل المستفيدة من الريع البترولي المتهاوية أسعاره؛ ما خلق حالة من الهلع داخل السلطة سواء على مستوى الحكومة وحزب جبهة التحرير الوطني الذي سارع بإطلاق "المبادرة الوطنية" بغية تدارك الوضع واستباق السيناريو المخيف، والذي يجمع الجميع ببدايته مع قدوم صقيع شتاء 2016 متجسداً بقانون مالي أوغل في إيذاء الجزائريين اقتصادياً، لتعتمد الحكومة سياسة تقشفية قاسية وهي التي تفتقد إلى الدعم السياسي والشعبي المطلوب للتصدي للشأن الوطني الخادم للدور الإقليمي للجزائر.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة