الجزائر ليست فرنسية ولن تكون

القرار السياسي الجزائري تتحكّم فيه باريس، ورئيس الجزائريين توافق عليه وتصنعه القيادة السياسية الفرنسية.

الأربعاء، 13-05-2015 الساعة 20:59


"هل الجزائر صارت فرنسية؟"

سؤال يوجع القلب حتماً، إن سمع به أو خطر على ذهن مجاهد من جيش التحرير بعد مرور أكثر من نصف قرن على استقلال الجزائر، ومؤلم أيضاً إن طرح من قبل نجل مجاهد وابن عائلة ثورية عريقة قدمت الشهداء لأجل تحرير الوطن من المستعمر البغيض.

مجرد طرح سؤال من هذا النوع يحتاج إلى وقفة تأملية ومراجعات عميقة وذاتية، فلا يليق أبداً ببلد تحرّر بأنهار من الدماء أن تأتي أجيال وتفكر مجرد تفكير في طرح التساؤل عن هوية الدولة المحرّرة، وعلاقتها بالمستعمر المهزوم والمطرود من جغرافيتها.

ليست مناسبة سؤالي، أنه سبق لسيدة فرنسية استضافتها مسابقة نسوية "ملكة جمال الجزائر" في قلب العاصمة الجزائرية، تحت رعاية سامية لمسؤولين جزائريين، وقالت إن "الجزائر فرنسية"، فكلامها لا يعني لي شيئاً ما دامت هي لا تعني لي أدنى شيء، ولا المناسبة التي تحدثت فيها تستحق أن أضيّع وقتي الثمين في الحديث فيها، كما فعل الكثيرون ممن أسالوا الحبر لأجل هذه الحادثة.

كما أن المناسبة ليست أن "روائياً" جزائرياً صال وجال في الإعلام الفرنسي ليشكّك في هوية بلاده الإسلامية والعربية والأمازيغية، فهو أيضاً لا يعني لي شيئاً؛ لأنني أدرك جيّداً أن أمثال هؤلاء الممسوخين غايتهم فقط هي جوائز تمنح لهم من أبناء باريس، حتى ولو كانت على حساب أبناء باديس وقيمهم وثورتهم.

لكن علينا نحن الجزائريين أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا قبل غيرنا، ثم ننظر إلى واقع الجزائر، وحينها نجيب بما لا يهين حتماً الشهداء والمجاهدين ومن اقتفى مآثرهم.

المؤشر الأول:

بعد الاستقلال كان السفر نحو فرنسا ببطاقة التعريف الجزائرية فقط ولا يحتاج حتى لجواز سفر، غير أن الجزائريين لا يهاجرون إلى فرنسا رغم أنهم خرجوا من مرحلة استعمارية وظروفهم المادية سيئة للغاية، في حين أن أبناء الجزائر حالياً يغامرون بحياتهم في البحار وعلى قوارب خشبية من أجل العبور نحو الضفة الأخرى من المتوسط، مهما كلّفهم الثمن.

المؤشر الثاني:

يتهافت الجزائريون من المسؤولين والكثير من المواطنين على الجنسية الفرنسية، وتكشف أرقام سنوية تقدمها فرنسا عن مئات الآلاف من طالبي الجنسية ينحدرون من الجزائر، وهذا مؤشر يؤكد أن جنسية الجزائر لم تعد مغرية كما كانت من قبل، وأن الجزائريين الذين تصدّوا للمستعمر الفرنسي لأنه أراد أن يجبرهم أن يكونوا فرنسيين، صاروا يتهافتون على هذه الجنسية وبمختلف الوسائل.

شباب رأيتهم يتزوجون حتى بالعجائز من أجل البقاء في فرنسا. كما يوجد من يدفعون الأموال حتى يفوزوا بالإقامة، فضلاً عن الجنسية التي صارت حلم الكثيرين من أبناء الجزائر للأسف الشديد، بعدما ضاق بهم وطنهم رغم المساحة الشاسعة والخيرات والثروات التي يسيل لها لعاب العالم.

المؤشر الثالث:

المسؤولون الجزائريون صارت قبلتهم في باريس، فلا يعالجون إلا في مستشفيات فرنسا، ولا يثقون أبداً في تسليم أنفسهم لأطباء جزائريين تخرّجوا من الجامعات الجزائرية، وعلى رأس هؤلاء نجد الرئيس بوتفليقة الذي حكم الجزائر لأكثر من 15 عاماً، رغم البحبوحة المالية الكبيرة التي تميّزت بها فترة حكمه مع ارتفاع قياسي لأسعار النفط، إلا أنه لم ينجز أي مستشفى، ولو كان واحداً، يمكن أن يعالج فيه أركان نظامه، بدل أن يتهافتوا على فرنسا ويصرفوا الأموال الطائلة من الخزانة العمومية، حتى صارت جهات في فرنسا تعبّر عن تذمّرها من علاج المسؤولين الجزائريين الذين يتأخرون في دفع المستحقات، بل إن رئيسة حزب الجبهة الوطنية، ماري لوبان، طالبت بطردهم ومنعهم من العلاج. وهكذا وصلت المهانة إلى درجة لا يمكن تخيلها.

وتشير مصادر مختلفة إلى أن ديوناً كبيرة ما زالت عالقة في عنق الدولة الجزائرية التي ترسل النافذين وذويهم للعلاج، وبعدها لا تسدد تلك المستحقات، حتى صارت المشافي الفرنسية لا تستقبل الجزائريين إن كانوا على حساب الدولة.

المؤشر الرابع:

الأغلبية الساحقة من المسؤولين الجزائريين يستثمرون أموالهم في فرنسا، ويشترون ممتلكات فيها، ويسارعون لتجنيس أبنائهم بالجنسية الفرنسية. وقد نشرت الكثير من الفضائح التي تحوم حولها شبهات تهريب المال العام، وهذا يؤكد أنهم لا يثقون في مستقبل الجزائر فمستقبلهم في فرنسا. فقد تأكد أن عمار سعيداني، الذي يتزعم حزب جبهة التحرير الوطني، صار يمتلك عقارات في باريس، طالما أنكرها عبر تصريحات إعلامية، ولكن مؤخراً نشرت جهات إعلامية ومؤلفات تحتوي على الأدلة القاطعة على أن هذا السياسي يكذب على الجزائريين، وهو يمتلك عقارات وحتى بطاقة الإقامة في فرنسا. والأمر نفسه بالنسبة للوزير عمار غول وغيره من وزراء ورجال بوتفليقة الذين يسارعون لفتح حسابات ضخّت فيها المليارات من أموال الشعب الجزائري من دون حسيب ولا رقيب.

المؤشر الخامس:

وزير الخارجية الجزائري مراد مدلسي، الذي يتولّى رئاسة المجلس الدستوري حالياً، وشارك في مهزلة ترشيح بوتفليقة لعهدة رابعة وهو عاجز صحيّاً، تحدّث من قبل بلغة الأسف على أنه لولا الاستقلال لكانت الجزائر أوروبية أيضاً. حدث ذلك في زيارة رسمية وتحت قبّة البرلمان الفرنسي، وهذه لا يمكن أن تعتبر زلة لسان لو أن الوزير تحدث بالعربية التي لا يجهلها، بل إنه كان يتحدث بالفرنسية التي يتقنها كثيراً جداً.

المؤشر السادس:

النظام الجزائري لا يسعى أبداً كي تعتذر فرنسا عن ماضيها الاستعماري، ولحد اللحظة، رغم مرور أكثر من نصف قرن على الاستقلال، إلا أن النظام الجزائري لم يتجرّأ يوماً أن يطالب باعتذار فرنسا عن ماضيها الاستعماري وجرائمها بحق الشعب الجزائري، الذي احتلته على مدار 132 سنة وقتلت ملايين الجزائريين.

أغلب النداءات المطالبة بالاعتذار لا تتجاوز الظاهرة الصوتية من أطراف سياسية أو حزبية تبحث في أغلبها عن موطئ قدم لها في الشارع الجزائري، خاصة أثناء الاستحقاقات الانتخابية والمناسبات السياسية.

المؤشر السابع:

لقد زار من قبل الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وتناقل العالم صورة جزائري وهو يقبّل يده، بل إنه تجوّل عبر الشوارع الرئيسية في العاصمة، وتهافت الناس عليه وكثيرون يطالبونه بالتأشيرات لمغادرة الجزائر. وسبقه أيضاً الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، وفي مشاهد صارت تتكرر، على مرأى رؤساء فرنسا وبحضور الرئيس الجزائري.

في المقابلن عندما يزور الرئيس الجزائري فرنسا فإنه لا تقام له المهرجانات ولا تغلق من أجله الطرق كما يفعلون في الجزائر، وأحياناً لا يستقبله نظيره في المطار.

للأسف الشديد ظل رؤساء فرنسا عندما يزورون الجزائر فإنهم يتصرّفون كأنهم زاروا محمية تابعة لهم، وليست دولة ذات سيادة حققت استقلالها بثورة شعبية عارمة سقط فيها مليون ونصف مليون من الشهداء.

المؤشر الثامن:

غادر الجيش الفرنسي عندما استقلت الجزائر عام 1962، ولم يعد طيرانه ولا عسكره إلا عندما فتحت السلطات الجزائرية أجواءها للطيران الحربي الفرنسي كي يعبر نحو مالي، ويقتل الكثيرين من شعبها في إطار ما يسمى "الحرب على الإرهاب". كما أن معلومات أكدت أن عملاء الجيش الفرنسي لم يغادروا الجزائر مع الاستقلال، بل مكثوا وبلغوا مراتب المسؤولية. ولو دقّقنا في قائمة الجنرالات الذين تسبّبوا في الحرب الأهلية خلال التسعينات لوجدنا أنه يوجد من بينهم حوالي عشرة جنرالات كانوا من ضباط وصف ضباط الجيش الفرنسي أثناء الثورة.

المؤشر التاسع:

عندما يتحدّث المسؤولون الجزائريون فلا يتحدثون إلا باللغة الفرنسية، بل كثيرهم لا يعرفون شيئاً عن العربية، مثل وزيرة التربية بن غبريط التي لا تستطيع تركيب جملة صحيحة.

الرئيس بوتفليقة نفسه لا يتحدث مع المسؤولين الذين عيّنهم إلا بالفرنسية، ويعقد اجتماعات مجلس الوزراء أيضاً بهذه اللغة. لقد حاول الرئيس الأسبق اليمين زروال أن يعمّم استعمال اللغة العربية في الجزائر، ولكن فشل المشروع باغتيال مشبوه للمطرب القبائلي معطوب الونّاس.

أما اللهجة الدارجة والعامية في الجزائر فهي خليط بين اللغتين الفرنسية والعربية، فضلاً عن الأمازيغية التي بدورها لحقتها الفرنسية وتجذّرت في أعماقها.

المؤشر العاشر:

القرار السياسي الجزائري تتحكّم فيه باريس، ورئيس الجزائريين توافق عليه وتصنعه القيادة السياسية الفرنسية.

لا يمكن لأيّ كان أن يحكم الجزائر إن لم تكن فرنسا راضية عليه، لذلك فإن بقاء بوتفليقة في سدة الحكم رغم عجزه، كان ضمن صفقة جرت في مشفى المعطوبين بباريس، وصارت الصفقة تعرف بصفقة فال دوغراس. تجلى ذلك بوضوح في الصفقات التي لا تفوز بها إلا فرنسا، سواء كانت صناعية أو تجارية أو عسكرية، ونذكر على سبيل المثال في الجانب العسكري أن فرنسا باعت للجزائر ما قيمته 345 مليون أورو من السلاح خلال العهدة الثالثة لبوتفليقة، التي بدأت في 2009 وانتهت في 2014.

المؤشرات كثيرة جداً وما ذكرناه هو على سبيل الاستدلال فقط، أن الجزائر ما زالت في نظر الفرنسيين هي مجرد مقاطعة فرنسية تحت وصايتها عن طريق الانتداب بأشباه جزائريين، الذين يحكمون باسم فرنسا ويسيرون البلاد لأجل مصالحها ومصالحهم الخاصة فقط.

ورغم كل ذلك، فالجزائر لن تكون فرنسية لأن الذين حرروها لم يموتوا على العقم، فقد خلّفوا أجيالاً مهما سكتت فلن يطول صمتهم كثيراً، والأيام بيننا سجال.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة