الجمهورية الإيرانية الثانية

"الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثانية" مصطلح نستحدثه للمرة الأولى.

الثلاثاء، 12-05-2015 الساعة 07:33


رسالة عاجلة نبعثها هنا، مفادها: أن الثور الإيراني لم يسقط بعد حتى تتحمسوا وتخرجوا سكاكينكم، بل إن هذا الثور لم يتعثر أو حتى تهتز مشيته المتغطرسة بالمنطقة.

الحقيقة هي أن الثور الإيراني انتقل إلى مرحلة ثورية جديدة، ما تزال بطور الولادة، وهي ولادة طبيعية متدرجة وبإشراف غربي أمريكي متميز! وبموجب هذا: سيتم تسمين المولود الجديد وتدليله، بعد رفع العقوبات الغربية عنه هذا العام، ليتمخض عن: الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثانية! وهي جمهورية شابة ستتجاوز إشكاليات الثورة الإيرانية وتميل لخيارات القوة الناعمة.

وهذا لا شأن له بمعارضتنا لجرائم طهران وأذنابها بالمنطقة، إذ نحن نعلم بأن هذا سيصطدم بجدار المشاعر السميك المتراكم بالوجدان العربي الإسلامي الجريح بالجاهلية الإيرانية الطائفية التي أزكمت الأنوف، لكن الكلمة الأخيرة تبقى للموضوعية والحقائق، وليس المشاعر!

بل ان استقصاء الموضوعية والتوازن لفهم السياق السياسي أكثر لزوماً عند حدوث تقلبات مفاجئة من النقيض إلى النقيض. فالحوثيون صناعة إيرانية قديمة وليسوا قوة مستجدة على الأرض اليمنية، كما أنهم ابتلعوا محافظات اليمن بتدرج واضح عبر فترة ممتدة، شهدت سكوتاً وتجاهلاً خليجياً تاماً، ثم فجأة وبمنتصف ليلة ما: أعلنت السعودية انطلاق عاصفة الحزم! في انتقال مفاجئ من أشد الصمت و"عدم الانحياز" إلى قمة الحزم والإنجاز. ومثل هذه "الانقلابات" في الموقف والفعل السياسي أتت ضمن سياق كامل، يشمل موقف الولايات المتحدة من المعارضة السورية وسنة العراق، كما يشمل حجم وطريقة تصرف النظام الإيراني تجاه الأحداث الأخيرة، كما نرصد في هذا المقال، فضلاً عن التعاطي الخليجي الصريح بجرأة غير معهودة مع قضايا مذهبية شكلت فيما سبق خطوطاً حمراء.

ومن السذاجة توقع أن ثمة يقظة مفاجئة للمملكة العربية السعودية ودول الخليج، أو تحولاً جذرياً في سياساتها، جعلتها تلتفت للشأن اليمني، وتنتبه للمد الإيراني الذي وصل لحدودها مع العراق منذ أكثر من عقد، ونفذ للعمق السوري منذ الربيع العربي، فعاصفة الحزم ليست ارتجالاً ولا رد فعل؛ بل نعتقد أنها جزء من حالة مستجدة تجسدها "الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثانية"، وهو مصطلح نستحدثه للمرة الأولى، وصفاً للحالة الإيرانية الجديدة في منطقة الخليج، وحالة بعيدة تماماً عن "خيالات" انكفاء إيران أو هزيمتها التي يتمناها كثيرون، إذ نحن في عصر الوجبات السريعة، والاتفاقات السياسية السريعة، وسرعة دوران الأحداث بالخليج تعقد تفكيك مكونات المشهد السياسي لأجزائه المنطقية، والجمهورية الثانية هي وليدة هذا السياق المتسارع، وثمرة (ضمنية أو مباشرة) للاتفاق الغربي-الإيراني الذي تجري كتابته الآن بالدماء المسالة في العراق واليمن وسوريا، وهو ببساطة - كما نستقرأ من قرائن - قائم على مبدأ: النفوذ مقابل العقوبات!

ونحن نقصد هنا النفوذ الإيراني المباشر في الأقليات الشيعية بالمنطقة، والتي تحول "معظمها" إلى جذور طائفية إيرانية ممتدة لزعزعة السلم الاجتماعي متى شاءت إيران، وإيران مطمئنة لرسوخ تلك الجذور فكرياً وطائفياً، وحاجة تلك الأقليات لإيران مادياً وسياسياً، فضلاً عن أن إيران لن ترحل عن الضفة الأخرى للخليج العربي!

لذا، فإن لدى إيران "رصيد فائض" من النفوذ بمجتمعات جوارها العربي، يتيح لها أن تتنازل جزئياً عن بعض نفوذها من خلال إفساح مجال "ما" لجيرانها العرب في المشهد الإقليمي بقيادة السعودية، وهو تنازل جزئي ومؤقت مقابل الرفع الكامل للعقوبات، وهذا يتيح للعرب تدارك الخلل (ولو بشكل محدود) بميزان القوة الطائفي المائل حالياً لصالح إيران، وكل هذا برعاية أمريكية خالصة!

لكن بالمقابل: ستكسب إيران انفتاحاً هي أحوج إليه، ورفعاً للعقوبات يضعها على قطار التنمية ويحرك اقتصادها بشكل كامل، وسيسمح بولادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثانية، وهي جمهورية ناسخة، ماسحة، مغيرة لكثير من ملامح الثورة الإيرانية في 1979 والتي أنجبت الجمهورية الخمينية ذات الملامح الفكرية الدينية الطاغية. فالجمهورية الثانية ستكون أقرب للدولة الحديثة المتماهية مع المزاج الدولي، والمتعاونة مع لاعبيه الكبار، مع تخفيف جذري لحجم الشعارات الثورية والعداوات الإعلامية، وستستعيد طهران مكانتها الإقليمية كدولة رئيسية ذات اقتصاد سريع النمو، وقوة بشرية تتفوق على جميع جيرانها. وعموماً: ستمثل الجمهورية الإيرانية الثانية كشفاً لوجه إيران الجديد ذي الطابع البراغماتي، ولا نريد الوقوع بتسيط مُخل يفترض أن الجمهورية الثانية هي نتيجة حصرية للاتفاق النووي المزمع، بل ثمة تفاعلات سياسية كثيرة حصلت بعد حرب خليج الأولى وبعد سقوط بغداد اقتضت من الإيرانيين زيادة البراغماتية بعد استنفاد معظم المصالح من تبني الطائفية وعباءة الدين شعاراً لسياساتها.

ووفقاً لنظريتنا حول "الجمهورية الإيرانية الثانية": نستطيع رصد خيوط خفية لتنازل إيران الضمني عن بعض حلفائها ضمن صفقة النفوذ مقابل العقوبات. إذ بعد أيام قليلة من اتفاق طهران المبدئي مع "واشنطن": ظهر السفير السعودي في "واشنطن أيضاً" معلناً عن انطلاق عاصفة الحزم، وهي عاصفة جوبهت بردٍّ استعراضي إعلامي من قبل إيران، لا يتناسب وشراستها في دعم حلفائها وترسيخ مكاسبها على الأرض، فلم يحدث ما توقعه البعض من إغلاق لممرات النفط، وإقلاق حدود السعودية الشرقية مع العراق لتخفيف الضغط عن الحوثيين. فضلاً عن ذلك: تحولت الخطوط الإعلامية الخليجية الحمراء إلى خضراء فاقعة الخضرة، تجاه نقد الخطاب الطائفي الإيراني، ومناقشة قضايا مذهبية حساسة من قبيل "ولاية الفقيه"، ومثل هذه التحولات بمناطق الحظر الإعلامي يمكن تفسيرها ضمن الإطار العام لصفقة النفوذ المشار إليها ونظرية الجمهورية الثانية لإيران.

لكن المعلم الأهم لصفقة التنازل الإيراني: قرار الكونغرس المفاجئ - والمتزامن وجميع ما استعرضناه - بتسليح السنة والأكراد في العراق، وهي خطوة تقلل النفوذ الإيراني بعمقه العراقي (وهو نفوذ تم سابقاً بالتنسيق الكامل بين إيران وأمريكا بعد إسقاط العراق)، وخطوة الكونغرس هذه يمكن ربطها بما تناقلته بعض وسائل الإعلام عن تسمية السفير السعودي لدى العراق، بعد أن أصبح عمقاً إيرانياً، حيث جاء القرار في أوج عاصفة الحزم! ويضاف إلى ذلك التقدم الذي أحرزه الثوار السوريون على الأرض بعد أشهر من الجمود.

وللقارئ ملاحظة معالم إقليمية أخرى ستحدث في المستقبل القريب ضمن صناعة نفوذ مبرمج للتيار العربي الخليجي المضاد لإيران ، ونحن نعتقد جازمين بأن عاصفة الحزم هي المعلم الأول لولادة الجمهورية الإيرانية الثانية التي ستتمدد عموديا ونوعيا بعد الاستغلال المتقن لحصاد الجمهورية الإيرانية الأولى، كما أن عاصفة الحزم سجلت نقطة النهاية للتمدد الإيراني الأفقي الذي سيتوقف (لأمد ما) عند بوابة اليمن، ولعل شعوبنا ستلتقط نوعا ما أنفاسها ، ونأمل أن نحسن استغلال صفقة تخفيف النفوذ الإيراني مقابل رفع العقوبات عنها: فهي ستمنحنا فتاتا من النفوذ تتنازل عنه إيران، وهامشا بسيطا للحركة، عله يكون لمعة باهتة بيضاء بليالينا الظلماء!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة