الحركة الإسلامية والخروج من الشرنقة

رغم أن الحركة الإسلامية مرت بعقود وعقود، إلا أن هناك إشكالية واضحة عند بعضها في الخلط بين استحقاقات المرحلة السرية والمرحلة العلنية.

الثلاثاء، 20-09-2016 الساعة 11:31


إن الله تعالى أمر المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعله ركناً عظيماً من أركان التمكين للأمة المسلمة، وجعل تحقيق ذلك مناطاً بالدولة والجماعة والفرد.. وفي ظل غياب الدولة الراعية للإسلام شريعة ومنهجاً -التي تغني الفرد عن الجماعة- يكون إقامة الجماعة فرض عين على كل قادر، لتعمل بعد ذلك هذه الجماعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق قواعد شرعية أصولية تتحقق من خلالها مقاصد الشريعة وغاياتها الكبرى، حتى تتمكن من إقامة الدولة المنشودة.

وهذه الجماعة سيكون لها حركة داخل المجتمع تختلف بطبيعة المرحلة التي هي فيها، ومدى الوعي الحاصل للاتباع والمجتمع والقوة والضعف والقبول والرفض والسرية والعلنية وغير ذلك مما له علاقة بمنظومة التمكين من جهة، ومنظومة الفكر والتنظير والتنظيم من جهة أخرى، وما يترتب على ذلك من أدبيات وسلوكيات وصفات اجتماعية تنطبع بها الجماعة ويتشكل من خلالها الفرد منهم.

ولو سحبنا هذا الكلام على حزب العدالة والتنمية التركي -كمثال- فالبعض يعتقد أن تركيا تقاد من خلاله كحركة إسلامية، وهذا غير صحيح ولا وارد لا في أدبيات الحزب ولا في سياساته وأهدافه الاستراتيجية المعلنة، فإن الفارق في القضية التركية أن أردوغان لا يمثل الجماعة ولا الدولة الإسلامية ولكنه يجتهد لخدمة الإسلام هو وبعض قيادات الحزب وأنصاره بالقدر الذي يستطيعونه، وما هذا إلا للضعف الحاصل لهم على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، فهم يتحركون وفق ذلك كحركة تعيش مرحلة سرية، وكأفراد مرحلة علنية، وهنا تكون نصرتهم واجبة على المسلمين وأن يكونوا لهم بطانة صالحة، خاصة إذا ما علمنا أن أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم مؤيد من قبل أكثر الجماعات الإسلامية من جهة، ومن جهة أخرى هو داعم لهذه الجماعات ولا يتقاطع معها.. وحتى جماعة الخدمة أتباع فتح الله غولن إلى عهد قريب.. وهنا لربما - ليصحح لنا علماء الشريعة- يكون أردوغان وأنصاره في مشروعه الداعم للحركة الإسلامية هم الجماعة من جهة ومن جهة أخرى هو إمام بالبيعة التي منحها إياه شعبه بالانتخابات.

وعوداً على بدء؛ فإن غالب المسلمين لا يريدون أن يقفوا عند هذه الحقيقة ويسلموا بها، فيكون هناك توازن بين وجود الجماعة الإسلامية الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر ببعد سياسي اقتصادي إعلامي تربوي علمي.. تطمح من خلاله للانتقال لتأسيس الدولة الإسلامية وفق المنهج الشمولي، وتوازن بين المرحلة العلنية للدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرحلة التمكين وبين المرحلة السرية مرحلة الضعف، ومن خلال التجربة التي مرت بها الحركة الإسلامية في بلاد متعددة، لم تستطع الحركة الإسلامية أن تمتلك هذا التوازن المطلوب، فتجدها في الكثير من الأحيان -لا شعورياً- رهينة المرحلة السرية التي قضت فيها عقوداً من العمل الدعوي والنشاط المجتمعي وفق المسموح به الممكن وغير الممكن فأخذت قوالب محددة سواء في العمل المؤسسي الدعوي أو في المشاركة السياسية والانفتاح الجماهيري، فلما انتقلت للعمل العلني نجدها -في الغالب من حيث الواقع العملي- حبيسة الأدبيات والسياسات التي كانت تحكمها في المرحلة السرية -وكما قلت لا شعورياً- فيصعب عليها الخروج من تلك الحالة والتكيف مع الظهور إلى العلن واستحقاقاته، وهنا تقع في تناقضات كبيرة وعجيبة وتضطرب منظومتها الفكرية والتنظيرية والتنظيمية، يضاف إلى هذا الضغوط الخارجية التي تمارس على الجماعة فتعزز فيها البقاء أو الميل اللاشعوري لأدبيات الحالة السرية واستحقاقاتها.

وكل ذلك مرهون بالبناء الفقهي التنظيمي والتنظيري للمرحلة السرية التي تختلف عن المرحلة العلنية التي تقتضي فقهاً مغايراً واجتهاداً مختلفاً.

ولهذا انعكاساته على الجمهور؛ فشريحة الأتباع لا تستطيع تفهم فقه المرحلتين واختلافهما على المستوى التنظيري والعملي واستحقاق كل مرحلة بسهولة، فضلاً على أن الطبيعة الإنسانية حاكمة فليس من السهولة أن يخرج الإنسان من منظومة فكرية مرحلية إلى منظومة فكرية أخرى دون أن يجرب ويتعثر ويخطئ.. بل ستشهد الحركة في حالة الانتقال المرحلي دورة المراهقة ثم من الممكن أن يأتي النضج بعد ذلك والتوازن والفهم الصحيح والعمل الرشيد، وشاهد على ذلك حزب السعادة التركي بزعامة نجم الدين أربكان رحمه الله، هذا الحزب الذي كان معارضاً شرساً لحزب العدالة والتنمية ولا يزال إلا أن هذه المعارضة خفت في الآونة الأخيرة بعد النضج السياسي والوعي الجماهيري للمكتسبات التي تحققت لتركيا بشكل عام وعلى الحركة الإسلامية بوجه خاصة بسبب الانفتاح والحرية التي وفرتها حكومة حزب العدالة وللعداء الذي مورس من العلمانيين والقوميين والغرب ولم يفرق بين حزب العدالة والتنمية وحزب السعادة وأي جماعة وحركة إسلامية، بل اعتبر أن حزب العدالة ما هو إلا الواجهة لتلك الجماعات والحركات وليس في تركيا فحسب بل له امتدادات عالمية، وأنه ساع نحو الدولة العثمانية!!

ورغم أن الحركة الإسلامية مرت بعقود وعقود إلا أن هناك إشكالية واضحة عند بعضها في الخلط بين استحقاقات المرحلة السرية والمرحلة العلنية، ومن الأسباب التي تمنع الانتقال من فقه الحركة السرية وتنظيرها وسياساتها والذي عهدته في مراحل سرية، إلى فكر جديد وتنظير جديد وسياسات جديدة هي أن الحركة الإسلامية -من حيث لا تشعر ومن حيث لا تريد- تقولب أفرادها أو تصبغهم بصبغة محددة في الكثير من الأحيان، فنجد أن الجماعات تضع -إن صح التعبير- (مانع التفكير) حول عقول أتباعها ومؤيديها باسم الطاعة والولاء والتسليم والبيعة وغير ذلك وتجد الجمهور محرجاً ولا يريد أن يسيء الظن أو يقول كلمة من شأنها أن تحسب عليه أنه من المنتقدين المعارضين ثم تمضي الأيام وينفجر البركان وينطلق كل لسان بعد أن كان الكتمان فيصعب إصلاح الأمور وتوحيد الجهود.. وهنا تأتي مرحلة تجديد الخطاب وتجديد المنهجية وطريقة التفكير لتفرض نفسها على الواقع بقوة إن أرادت الحركة الإصلاح والنهضة من جديد..

إلا أن الحركة الإسلامية وإلى اليوم في بعض البلدان تتغافل عن أخطائها وتبررها وتنسبها لأطراف خارجية وهذا حق وفيه جانب من الصواب كبير، إلا أن هذا لا يعفيها من المراجعة والوقوف على تلك الأخطاء ودراستها من جميع الزوايا ومؤثراتها الداخلية والخارجية، لا أن يكون حالها حال من يريد من أتباعه أن ينظر إليها ويتعامل معها بأنها الموقعة عن رب العالمين وتعصم نفسها من الخطأ عملياً لا شعورياً.. مما ولد وسيولد حالات كثيرة من الإحباط وانعدام الثقة وسوء الظن والانشقاقات والتفلت، والمصلحية والحزبية الضيقة التي تظهر حينما تغيب أجواء الحرية الفكرية واستحقاقاتها داخل الجماعة، حينما يغيب النصح ويصبح ثقيلاً على النفس تقبله وسماعه، وهو آخر مصدات الدفاع وآخر معقل يحمي الفكر والحركة والتنظير والتنظيم من الاستمرار بالإشكالات الواقعة والأخطاء المتحققة.

ولو أرادت الحركات أن تواجه الحقيقة فعليها أن تعترف بالمشكلة وتصارح بها أبناءها وروادها ومحبيها، هذا أولاً، وثانياً: تعقد مؤتمرات للتقييم والتقويم يشترك فيها أفرادها بكافة مستوياتهم التنظيمية، فتحاورهم وتسمع منهم وتقف على رأس كل مشكلة مرت بها وكل إخفاق أو خطأ وقعت به فترصد الأسباب والمسببات له وتبني استراتيجية لتجاوزها في المرحلة المقبلة، وبهذا تسهم ببناء الثقة في نفوس أبناء الحركة وتصحح المسيرة بهم وتنطلق معهم لمرحلة جديدة في ضوء تفاهمات وأدبيات ونظم يشترك في صياغتها الجميع ويشعر الجميع أنه مسؤول عنها وشريك في حركة التغيير المنشود، فتنهض بعد ذلك بقوة وتتسلم راية الإصلاح والبناء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المناط بها وهي أجدر به من غيرها، لما لها من تاريخ مشرف وفهم عميق راسخ وباع طويل في ميدان الدعوة والجهاد والتربية والتعليم والإغاثة ومقارعة الطغاة من الحكام وأذنابهم، وهنا تكون الحركة في طريق التمكين سائرة وللفرد مربية مطورة ولمستقبل الدولة صانعة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة