الحروب المقدسة في سوريا ضد من؟

لأن الشعب السوري غير مقدس فقد أحلوا لبشار قصفه بغاز السارين وغاز الكلور وجميع الأسلحة التي كانت محرمة.

الجمعة، 02-10-2015 الساعة 12:56


طالعتنا الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بفتوى من النوع "الإكسبرس" تقول بأن ما يقوم به بوتين وعسكره من غزو للأراضي السورية إنما هو حرب مقدسة.. هذه الكنيسة ذاتها كانت قد أصدرت فتوى مماثلة إبان التدخل الروسي في القرم قبل عشرين شهراً تقريباً! إذاً التوظيف السياسي للمؤسسات الدينية ليس حكراً على العرب والمسلمين وحدهم، بل هناك من هو أسرع منهم وأمهر في مضمار خدمة القرار السياسي والتزلف للحاكم، لذلك يجب على كل من كان يتندر بإمعية نواب مجلس الشعب الأسدي الذين غيروا الدستور بعشر دقائق ليصبح على مقاس رئيسهم الغر آنذاك، أن يترحم على النباش الأول مقابل برلمان بوتين الذي أصدر قانوناً يسمح للقوات الروسية بالقيام بأعمال عسكرية في سوريا بأثر رجعي، أي بعد أن وصلت تلك القوات إلى سوريا وباشرت أعمالها قبل أسابيع! إذ من البديهي أن يتم استصدار القوانين قبل مباشرة التحرك وليس بعده، فما قيمة الإذن بعد الشروع بالعمل؟! لكن هل الروس وحدهم من يخوض حرباً مقدسة في سوريا؟

كلا، فقد سبقهم إليها ملالي إيران، الذين أعلنوا النفير العام وحشدوا الألوف من المتطوعين من أجل الذهاب إلى سوريا للدفاع عن العتبات المقدسة، وأطلقوا شعارهم المشهور: "زينب لن تسبى مرتين"! وكأن السوريين – ومنهم كاتب السطور - يدرون متى سبيت السيدة زينب أول مرة حتى تسبى مرة ثانية!.. وكأن السوريين – ومنهم كاتب السطور - يدرون من سبى السيدة زينب أول مرة لكي يعلم من سيسبيها مرة أخرى! وكأن الشعب السوري صاحب جميع تلك الأماكن (المقدسة) هو الذي قرر فجأة تدميرها وتكسيرها! وكأن الشعب السوري الذي ثار من أجل حريته وكرامته عنده علم بترهات الإيرانيين وخرافاتهم، أو كان له ثأر مع مقدساتهم!

معمم حزب الله أمينه العام حسن نصر الله، هو الآخر برر غزوه للأراضي السورية بأربعين ألف مقاتل بقضهم وقضيضهم وأسلحتهم الخفيفة والثقيلة، بأنه ذاهب لحماية المراقد المقدسة، لأن حمايتها مقدمة على ممانعة إسرائيل ومقاومتها والتصدي للمشروع الإمبريالي الصهيوني، لأن تحرير القدس الشريف والمسجد الأقصى لا بد أن يمر من حلب وحمص والقلمون والزبداني ودمشق..

طبعاً جميع فتاوى ملالي إيران هذه كانت قبل صناعة تنظيم داعش، وقبل قيام هذا التنظيم المشبوه بدور الشماعة والمشجب الذي يسعى الجميع ليعلق عليه غسيله القذر.

تنظيم داعش الذي لم يأل جهداً ولم يدخر وسعاً في ذبح السوريين واستباحة أراضيهم وأموالهم وأعراضهم، هو الآخر لديه مشروعه المقدس، وله حربه المقدسة أيضاً، وما السوريون بالنسبة له سوى حفنة من الكفرة الفجرة!

تنظيم داعش الذي قتل الثوار الأوائل الذي قارعوا نظام الأسد وجيوشه ومخابراته، وحرروا سبعين بالمئة من مساحة سوريا، إنما قتلهم لأنهم كانوا عقبة في وجه مشروعه المقدس! نتنياهو الذي طار إلى موسكو لينسق مع الروس هو الآخر له مشروعه المقدس، ولكي لا تختلط المقدسات بعضها ببعض وجب على الأطراف التنسيق فيما بينهم تجنباً لأي فهم خاطئ أو تصرف طائش غير محسوب العواقب قد يخدش قدسية مشاريعهم المقدسة، فقد حرص أوباما على جمعهم في نيويورك حول طاولة من أجل حل الأزمة السورية!.. وزير خارجيته جون كيري ذو الأصول المقدسة أيضاً، وبعد أن رأى زحمة المشاريع المقدسة قد زادت عن الحد الذي ربما ينقلب للضد، ذهب يطالب بقليل من العلمانية في سوريا!

إن كان لجميع هؤلاء حروبهم المقدسة على الأرض السورية، فضد من يخوضون حروبهم تلك؟ وما محل السوري، المواطن والإنسان، من الإعراب في تلك الحرب؟ وهل بقي في سوريا ذو رجس غير مقدس سوى الشعب السوري؟!

قالوا لنا ونحن طلاب في المرحلة الثانوية - وربما الإعدادية - بأن عصر الحروب قد انتهى بعد الحربين العالميتين، وأن بني آدم اتعظوا منهما، وقرروا العيش بسلام ووئام، ولذلك فقد تداعت الدول لتشكيل هيئة عالمية أسموها عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة، ستحُول دون نشوب الحروب، وستمنع احتلال أراضي الغير بالقوة، وستحافظ على استقلالية البلدان داخل حدودها الجغرافية، وستحترم خصوصية الشعوب، وستحل الخلافات بين الدول عن طريق المحاكم الدولية التي ستفض النزاعات دون اللجوء للحرب واستخدام القوة، ومن يتمرد على تلك الإرادة الدولية فسيجد أمم الأرض متحدة ضده!

ولأن الشعب السوري غير مقدس فقد بخل عليه قادة العالم القابعون في نيويورك لحضور اجتماع الهيئة العمومية لمنظمة الأمم المتحدة بمنطقة آمنة تقيه غائلة براميل بشار الغادرة المتفجرة.. ولأن الشعب السوري غير مقدس فقد أحلوا لبشار قصفه بغاز السارين وغاز الكلور وجميع الأسلحة التي كانت محرمة فأصبحت حلالاً بسبب قدسية الحروب على الأرض السورية.. ولأن الشعب السوري غير مقدس فعليه أن يمخر عباب البحار ويقطع الفيافي والقفار، ويصعد الجبال ويهبط الوديان قبل أن يصل إلى أوروبا بلاد الحضارة والإنسانية، ثم ليصبح مخلوقاً عجيباً كأنه هبط من كوكب آخر أخذ يحظى باهتمام الساسة والدول، وتجتمع حوله وسائل الصحافة والإعلام، وتلتقط صوره عدسات الكاميرات، وتكتب حوله التقارير الإخبارية والنشرات، وكذلك الأبحاث والدراسات، بل ويهرع مشاهير اللاعبين ورجال السياسة وأرباب الفن ليلتقطوا صوراً تذكارية تكللها ابتسامات عريضة مع هذا المخلوق العجيب الذي اصطلحوا على تسميته لاجئاً سورياً!

في سوريا مات الحب والجمال.. مات إيلان على شاطئ الغربة، وقتل قبله حمزة الخطيب في أقبية المخابرات.. خنقت الطفولة بغاز السارين، ودفنت البراءة تحت أنقاض البراميل، بعد أن دفن بنو آدم شيئاً كانوا يسمونه الضمير الإنساني.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة