الحشد الطائفي والقضية الفلسطينية

الصراع الطائفي كان في الماضي مواجهة بين دولة وأخرى كحال العثمانيين مع الصفويين أو الفاطميين مع الأيوبيين..

الخميس، 21-07-2016 الساعة 15:48


ابتليت المنطقة العربية بألوان شتى من الصراعات؛ أبرزها الصراعات الدينية والطائفية والعرقية والجيوسياسية. بعض هذه الصراعات مستمر لم يتوقف منذ أجيال، وبعضها غاب طويلاً وعاد مؤخراً بقوة، وبعضها الآخر ينتظر اللحظة المواتية للانفجار.

ولسوء الحظ، لا يكاد أي من هذه الصراعات يندلع حتى يكتسي بجميع ألوان الصراعات الأخرى! فالصراع في سوريا- مثلاً- بدأ سياسياً، وسرعان ما تحول إلى نموذج مصغر، ومعقد، لجميع الصراعات التي تعج بها المنطقة.

لعل أخطر الصراعات الدائرة الآن في المنطقة هو الصراع الطائفي المتصاعد بين محور شيعي تقوده إيران، ويضم في تشكيلته خليطاً من الدول والجماعات والمليشيات، معظمها شيعي، يقابله محور سني أبرز وجوهه المملكة العربية السعودية، ويضم- هو أيضاً- حشداً من الدول والتشكيلات. وبين هاتين الكتلتين المتصارعتين تقف حائرة كثير من القوى والأطراف.

- المسار التاريخي للصراع الطائفي

قد يُرجع البعض جذور الصراع الطائفي الحالي إلى خلفيات تاريخية تمتد عبر العقود (أو القرون) الماضية، لكن لا بد في هذا السياق من الإشارة إلى أن حدة الصراع قد تفاوتت من فترة لأخرى، كما أن الأمة قد نجحت كثيراً باحتوائه عبر تاريخها الطويل، ورغم سوء الأوضاع في مراحل تاريخية عدة، فإن الموجة الحالية من هذا الصراع المرير بدأت تبرز كواحدة من أسوأ موجاته، حيث إنه بدأ بالتحول إلى ما يشبه الحرب الشاملة، حرب الكل ضد الكل، بعد أن كان صراع نخبة ضد نخبة أخرى خلال العصور السابقة.

فالصراع الطائفي كان في الماضي مواجهة بين دولة وأخرى؛ كحال العثمانيين مع الصفويين، أو الفاطميين مع الأيوبيين، أو مواجهة بين دولة وبعض مكوناتها؛ كحال الدولة العثمانية مع العلويين، أو حال الدولة الصفوية مع السنة فيها، أما الآن فقد أصبحت دول وجماعات عديدة تواجه دولاً وجماعات أخرى في مشهد يزداد تفاقماً يوماً بعد يوم، ويوازي هذا التوسع في طبيعة الصراع اتساع جغرافي في رقعة المواجهة، حيث أضحت الاشتباكات حاضرة في كل مكان؛ من أقصى العالم الإسلامي إلى أقصاه، بمستويات وأشكال مختلفة.

ولعله من المهم في هذا الصدد البحث في خلفيات الموجة الأخيرة من الاشتباك الطائفي، وحالة الحشد التي تكلله، فقد شهد القرن العشرون حالة هدوء نسبي في العلاقات السنية الشيعية، تخللتها فترات متقطعة من الاشتباكات؛ كالحرب الإيرانية-العراقية. وربما كان لطغيان المد العلماني على المشهد السياسي العربي معظم فترات القرن العشرين، بالإضافة لسيادة العلاقات الإيجابية بين أبرز التيارات الدينية الشيعية من جهة، وأبرز التيارات الدينية السنية من جهة أخرى، أثر كبير في تراجع أسباب الصدام وفتح أبواب الحوار والتفاهم.

لكن هذا المشهد لم يصمد طويلاً أمام التحولات التي شهدتها المنطقة بعد وقوع الغزو الأمريكي للعراق؛ فقد شهد عراق ما بعد صدام حسين دخول أطراف متصارعة عدة إلى المشهد العراقي، أبرزها إيران ومليشياتها، والقاعدة وتفرعاتها، وشهد عاما 2005- 2006 أسوأ صراع طائفي عرفته المنطقة منذ عقود، وكانت المرحلة الثانية من احتدام الصراع الطائفي متمثلة بدخول الربيع العربي إلى سوريا والبحرين، ثم دخول إيران على خط الثورة المضادة في سوريا واليمن وغيرها، وهو ما أجج ضراوة الصراع، وصعد من حجم الحشد الطائفي.

- أسباب الحشد الطائفي

ليس من الصعب عند تتبع المسار التاريخي لتصاعد الحشد الطائفي في المنطقة أن يدرك المرء أن عدداً من العوامل قد أفرز هذا المشهد المعقد؛ فأول هذه العوامل هو انتشار وتصاعد الخطاب الديني المتطرف، الذي وفر الأرضية الخصبة لحشد آلاف الشباب والجماهير للدخول إلى ميدان المعركة، ورغم كون مثل هذا الخطاب موجوداً منذ القدم، فإن تكنولوجيا المعلومات قد أسهمت- بشدة- في انتشاره.

ثاني العوامل المساهمة في تصاعد الحشد الطائفي هو استمرار الاشتباك، وتواصل نزيف الدماء على الجبهات المختلفة. فضحايا الوجود الإيراني في العراق وسوريا، وضحايا سيل العمليات الانتحارية المنهمر، سيظلان وقوداً لنار صراعات جديدة قادمة.

وثالث هذه العوامل هو تزايد استخدام البروباغندا الإعلامية من قبل العديد من القوى والدول لخدمة مصالحها الضيقة، فعلى سبيل المثال يصف البعض إيران بالمجوسية والصفوية وغيرها، في حين يصرح قيادات من حزب الله بأن الطريق إلى القدس تمر بحمص وحلب، ولا تخدم مثل هذه البروباغندا- فضلاً عن سقوطها علمياً وتاريخياً وأخلاقياً- سوى مزيد من الحشد والتأجيج الطائفي.

- مستقبل المنطقة

رغم تعقيدات المشهد الإقليمي، وصعوبة استقراء مستقبله، فإن شواهد الأحداث تدفع المحلل إلى التنبؤ بأن الصراع والحشد الطائفيين في طريقهما إلى التصاعد، فدخول روسيا إلى المشهد الإقليمي في صف المحور الشيعي، والانسحاب الجزئي للولايات المتحدة من المنطقة، وهي القوة التي لطالما عولت عليها كثير من القوى السنية، يجعلان من استمرار الاشتباك في سوريا أمراً محتوماً، ولا يختلف المشهد كثيراً في اليمن وغيرها، حيث لا غالب ولا مغلوب.

ولعله مما قد يزيد في تعقيد المشهد احتمال اشتعال جبهات جديدة؛ كالبحرين ودول خليجية أخرى، بالإضافة إلى إيران، حيث أضحت إرهاصات هذا السيناريو ظاهرة للعيان. وبالنظر إلى هذه الموجة من الصراع وما نتج عنها من حشد طائفي، يظهر أن المستقبل لا يزال يضمر الأسوأ!

- الحشد الطائفي والقضية الفلسطينية

لعل أحد أكبر المتضررين من الصراع والحشد الطائفيين في المنطقة العربية هو القضية الفلسطينية، ولا ينفي هذا فداحة الضرر الذي تعرضت له كل دول المنطقة بسبب ما يجري، إلا أن هذا المقال يسعى للتركيز على أثر الحشد في القضية الفلسطينية تحديداً، فقد أضحت القضية تواجه بالإضافة إلى خطر الاحتلال الصهيوني المباشر تحديات جديدة؛ أبرزها:

أولاً: تراجع أهمية القضية الفلسطينية لدى الفاعلين الدوليين والإقليميين والمحليين على حد سواء؛ فالقوى العظمى أصبحت أكثر انشغالاً بقضايا "أكثر تعقيداً" كالصراع في سوريا، التي يقف الملايين من أبنائها على أبواب أوروبا لاجئين يبحثون عن الأمان. وأضحت هذه الدول منشغلة بمعضلة الإرهاب الذي ازدهر بعد انتكاس الربيع العربي، فأصبح الآلاف من أبناء أوروبا- مثلاً- قنبلة موقوتة تتنظر الانفجار. لهذه التطورات وغيرها أصبحت النظرية القائلة بأن "التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية سيقود المنطقة إلى الاستقرار"، غير مقنعة لكثير من الفاعلين؛ فالمنطقة لا تبدو مقبلة على الاستقرار بغض النظر عن اتجاه الأحداث في فلسطين! أما القوى الإقليمية الكبرى كإيران وتركيا مثلاً، فقد أدى انخراطها المباشر في الصراعات الجارية في المنطقة، إلى تراجع أولوية القضية الفلسطينية بالنسبة لها بشكل كبير، ولا يقف الأمر عند الجهات الرسمية، بل حتى على المستوى الشعبي، فقد تراجع مستوى التفاعل الجماهيري مع أحداث القضية وتطوراتها بشكل غير مسبوق.

ثانياً: توجه بعض القوى والدول للاستعانة بالكيان الصهيوني، وتطبيع العلاقات معه؛ بهدف "كسب دعمه" في المعركة ضد الأطراف الأخرى، ويذكرنا سلوك بعض الدول العربية التي بدأت تتغزل بإسرائيل- سراً وعلانية- بما ارتكبته إيران إبان حربها ضد العراق فيما عرف إعلامياً بـ"إيران كونترا". والخلاصة هنا أنه كلما طال الحشد الطائفي وتصاعد أكثر، صارت القابلية لدى كثير من الأنظمة لتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني أكبر!

- ماذا يمكن أن يفعل الفلسطينيون؟!

في ظل هذا المشهد المعقد تصبح مسؤولية جميع الأطراف مضاعفة لتخفيف الاحتقان الطائفي وإخماد ناره. وأول ما يلزم القوى الفلسطينية فعله في هذا المشهد هو تجنب الانزلاق في المعركة الجارية بالانحياز لطرف على حساب آخر، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وأسلم سياسة في هذا الحال هي "فليقل خيراً أو ليصمت". وعلى كل حال، فلن يغير انحياز القوى الفلسطينية لأي طرف من أطراف الصراع شيئاً في المشهد، فقد أصبح الصراع ذا أبعاد دولية وإقليمية معقدة، بحيث تعجز حتى القوى العظمى عن إنهائه! وليس من الكياسة الدخول في معركة خاسرة!

ومما يمكن أن تفعله القوى الفلسطينية لجمع صف الأمة أن تصعد من حدة المقاومة والمواجهة مع المحتل الاسرائيلي، بحيث تجمع أبناء الأمة- أو بعضاً منهم- على مواجهة عدو خارجي مشترك، لعل ذلك يصرفهم عن معركة داخلية لن ينتصر فيها أحد!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة