الحل الأمني.. هل ينهي تنظيم "الدولة"؟

تجاوز الأمين العام للجامعة العربية كل المشكلات العربية المتفاقمة وجميع النكسات والهزائم والآلام والكوارث، ليعتبر أن تنظيم "الدولة" يمثل أكبر تحدٍ يواجه المنطقة العربية.

الاثنين، 08-09-2014 الساعة 08:03


تجاوز الأمين العام للجامعة العربية كل المشكلات العربية المتفاقمة وجميع النكسات والهزائم والآلام والكوارث، بدءاً من الفقر والأمية والجهل، وليس انتهاء باحتلال الأراضي وقمع الشعوب وانتهاك الحرمات، تجاوز كل ذلك ليعتبر أن تنظيم "الدولة"، أو كما أسماه هو "داعش"، يمثل أكبر تحدٍ يواجه المنطقة العربية.

وليس مفاجئاً أن يأتي هذا التصريح بعد ساعات من اتصال تلقاه العربي من وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، يحثه فيه على تمرير قرارات ذات صفة عملية تساند الجهود الأمريكية والغربية لمواجهة تنظيم "الدولة" والقضاء عليه، لكن المثير للانتباه في الأمر هو هذه الاندفاعة العربية والغريبة التي لم تكن منذ زمن طويل بهذا الاتفاق والحماسة.

وربما تقدر الحكومات العربية أن التغاضي عن تنظيم "الدولة" وتركه يستفحل في العراق وسوريا سيقوده يوماً إلى دول أخرى لا سيما في المشرق والخليج العربي، وأن مظاهر (الانتصار) الذي حققه هذا التنظيم ونموذج "الخلافة" الذي قدمه سيكون عنصر جذب سريع وفعال لكل الإسلاميين المتطرفين عبر العالم، كما أن فروعاً له لا تلبث أن تتوالد في دول أخرى بعيدة عن ساحته الراهنة.

ومثل هذا التشخيص صحيح تماماً، لكن المشكلة أن المشاركة العربية في الجهد الغربي لمواجهة تنظيم "الدولة"، لا تبدو حتى اللحظة على الأقل متسقة مع رؤية تواصل الولايات المتحدة طرحها، وتتلخص في أن مواجهة هذا التنظيم يقتضي إلى جانب الحلول الأمنية معالجة الأسباب التي أدت إلى استقطابه كل هذا العدد من المناصرين، وتوفير بيئة حاضنة ربما وجدت فيه ملاذاً أو مخلصاً من حالات ظلم وتهميش واستباحة عانتها على يد السلطات الحاكمة سواء في العراق أو في سوريا، وربما حتى في البلدان المصدرة للجهاديين في هذا التنظيم وسواه.

وبغض النظر عن الموقف من الولايات المتحدة ودورها المباشر في كل ما تعانيه المنطقة من ويلات، إلا أن تشخيصها المعلن على الأقل لظاهرة تنظيم "الدولة" لم يجد صدى لدى الحكومات العربية، كما أنه لم يكن حاضراً في مقررات وزراء الخارجية العرب يوم الأحد، فكل ما دعا إليه الوزراء كان يتجسد في حل أمني مشاركة وتمويلاً وفي جهد وصفه نبيل العربي بوسائل "فكرية"، وأظنه كان يقصد مناهج التعليم والإعلام التي تشيطن تنظيم "الدولة" وتمنع الناس من الانخراط فيه أو تأييده.

لقد غاب عن جميع الحكومات العربية حتى الآن أي تصور يتضمن حلولاً للأسباب الحقيقية التي تجعل الشباب المسلم ومنهم شباب عرب أو أوروبيون مترفون يفجرون أنفسهم، أو يشاركون في مغامرة بهذا الشراسة، وهو يؤمنون تماماً أن هذا الطريق أو الوسيلة تقود إلى تحقيق أمنيات وأحلام وكرامة شخصية وجماعية عجزت عنها وعن توفيرها حكوماتهم.

الأمر بهذه الحالة ليس اقتصادياً فقط، فالفقر قديم في عالمنا العربي، لكن الظاهرة الانتحارية حديثة نسبياً، وأسبابها تتجاوز الحاجة الاقتصادية على قسوتها إلى انهيار السلطة الأبوية التي طالما اعتمدتها النظم الحاكمة في فرض الهيمنة على المحكومين، وكل ذلك بسبب الإمعان في التنكيل بالناس واحتقار قدراتهم، وإهدار كراماتهم، حتى بات أي مشروع بديل جامح وعنيف يمثل حلاً ممكناً عند البعض، وهو ما حصل بالضبط مع تنظيم "الدولة".

والحقيقة أن الأمر لا يتعلق فقط بنظامي العراق وسوريا وما فيهما من وصف طائفي واضح السمات والمعالم، لكنه يشمل دولاً عربية أخرى يمثل أبناؤها جزءاً مهماً من الجسم القتالي والقيادي في تنظيم "الدولة"، وهي دول لا تشكو من مشكلة طائفية وبعضها دول غنية، بل إن الآلاف جاءوا من بلدان أوربية سواء كانوا من أصول عربية أو غربية، بمعنى أن جاذبية التنظيم وقدرته على الاستقطاب تعدت الدول الفاشلة إلى أخرى، وإن الظاهرة تخطت بكثير ما حصل مع تنظيم القاعدة من قبل.

ولكن، إذا كان الافتقاد للحكم الرشيد، وغياب العدالة، وانتشار الفساد هو من قاد إلى انخراط الشباب العربي في تنظيم "الدولة"، فبماذا نبرر وجود الشباب الغربي، الذي لا يعيش الكثير من هذه المظاهر، ويحظى بامتيازات يحلم بها أقرانه العرب؟ هنا لا بد من الوقوف على عاملين، الأول هو الأساس الفكري للتطرف الإسلامي الذي استخدم منذ أواسط سبعينات القرن الماضي لأغراض سياسية تخدم أجندات غربية وبمشاركة عربية، سواء في إطار الحرب الباردة أو حرب أفغانستان، وهو استخدام تحول لاحقاً إلى عقيدة متوارثة عبر الأجيال لتقتل صاحبها الذي أوجدها في البداية.

والعامل الثاني يتجسد في الهجوم واسع النطاق على الظاهرة الإسلامية المعتدلة، وأيضاً لأغراض سياسية، برغم أن هذا النمط من الإسلام السياسي كان لعقود أحد أسباب استيعاب الحماسة الدينية وتشذيبها، ولم يعرف عنه على الأغلب عقيدة عنف واضحة، وقدم أدلة متعددة على أنه يمكن أن يكون جزءاً من اللعبة السياسية، هذا فضلاً عن أنه كان في دائرة الرصد الأمني الفعال. لقد تسببت محاربة هذا التيار في تعزيز أفكار عن كفر الحكومات ووجوب محاربتها، وفي أحسن الأحوال كان سبباً في غياب كيانات دينية معتدلة ومقنعة تجمع الشباب المسلم في زمن صحوة دينية واضحة.

المهم في الأمر أن كيانات متطرفة ومنظمة مثل تنظيم "الدولة" استوعب شباباً كان يمكن أن يكونوا جزءاً من آليات البناء في دولهم، لكن غياب اليقين وانعدام الأمل وانتشار روح التمرد على الظلم والرغبة بمواجهة العنف بمثله، حرم شعوبنا من هؤلاء وقادهم إلى المشاركة فيما يعتبرونه واجباً جهادياً.

والمشكلة التي تبدو قائمة اليوم تتمثل في أن تجاهل الحلف الدولي ومنه الدول العربية لهذه المعطيات وسواها سيعمق الأزمة بدل أن ينهيها، فتنظيم "الدولة" يمكن أن ينتهي، وقيادته يمكن أن تأمر اتباعها في أية لحظة بالتسرب إلى الصحراء التي جاءوا منها، لكن هل سينهي ذلك الأزمة، أم أنه سيجمدها بانتظار عودة الظاهرة من جديد بشكل أقوى وأكثر تنظيماً وتطرفاً.

لقد بدا أن (تنظيم الدولة في العراق) قد انتهى في عام 2008، بعد طرده من مدن العراق، لكنه عاد من جديد ليكون عنصراً مؤثراً في الحرب السورية، قبل أن ينتقل للعراق ويحقق كل هذا الاختراق والتأثير الكوني في بضعة شهور. لقد استفاد هذا التنظيم من الخلل البنيوي في هيكل الحكم في العراق وفي انهيار "الدولة" في سوريا، لكنه استفاد ايضاً من كل ما تعرضنا له في العالم فأنتج دعوة جاذبة وسط عالم بات يغذيه التطرف ويسيطر عليه العنف، الذي انتقل كما هو محتم من احتكار الدول إلى مشاركة الأفراد والجماعات.

ولأن كل هذه المشاكل باقية ولا تبدو أنها أمام حلول حقيقية وجوهرية، فإن ظاهرة تنظيم "الدولة" لن يقدر لها أن تنتهي حتى لو عادت بعد حين باسم جديد.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة