الحملة العسكرية التركية "درع الفرات".. الدوافع والمسوغات

الغالبية العظمى للكرد على اختلاف انتماءاتهم، لا تزال تنظر بعين الريبة والشك لإنجازات حزب الاتحاد الديمقراطي.

الخميس، 25-08-2016 الساعة 11:42


فجر البارحة الأربعاء، أطلقت وحدات من القوات الخاصة في الجيش التركي والقوات الجوية للتحالف الدولي، حملة عسكرية على مدينة جرابلس الحدودية التابعة لمحافظة حلب. هدفها المعلن تطهير مدينة جرابلس والمنطقة الحدودية من المنظمات الإرهابية، وخاصة تنظيم "داعش"، الذي ما فتئ يستهدف الدولة التركية ومواطنيها الأبرياء، حتى في أعراسهم كما حدث في مدينة غازي عنتاب منذ يومين. لكن الهدف الاستراتيجي الأساس للعملية هو منع قوات حزب الاتحاد الكردستاني PYD من العبور إلى منطقة غرب الفرات، الأمر الذي تعتبره تركيا خطاً أحمر.. إلى جانب أهداف أخرى، منها الحيلولة دون حدوث موجة نزوح جديدة من سوريا باتجاه الأراضي التركية، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في المنطقة، فضلاً عن إعطاء الأولوية لوحدة الأراضي السورية ودعم المعارضة السورية.

ثمة أحداث أضفت على الحملة معاني أخرى إضافية، وتسببت في طرح تساؤلات حول ما إذا كانت مقصودة أم أنها جاءت بمحض الصدفة، من ذلك توقيت الحملة العسكرية مع وصول نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن لأنقرة، وزيارة رئيس حكومة كردستان العراق مسعود برزاني لأنقرة، ومصادفة اليوم لذكرى معركة مرج دابق قبل 500 عام التي انتصر فيها السلطان العثماني سليم الأول، لتفتح له أبواب المنطقة على مصراعيها، حيث تمكن العثمانيون على إثرها من الوصول إلى مصر والحجاز، كما انتقلت الخلافة من العباسيين للعثمانيين، الذين حازوا قيادة العالم الإسلامي دون منازع.

-المعارضة السورية تشارك في عملية درع الفرات

شارك في الحملة العسكرية التركية فصائل من الجيش السوري الحر، أبرزها فيلق الشام، وفرقة السلطان مراد، وحركة نور الدين زنكي، والجبهة الشامية، وحركة أحرار الشام الإسلامية.. وغيرها من الفصائل المنضوية تحت مسمى الجيش السوري الحر. وقد جاوز مجموع القوات المشاركة في عملية درع الفرات الثلاثة آلاف مقاتل.

الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، من جهته أصدر بياناً ثمن فيه إنجازات أبطال الجيش السوري الحر بتحرير مدينة جرابلس من تنظيم داعش الإرهابي خلال 12 ساعة، مع حماية الأهالي، وتنظيف المنطقة من خطر الألغام، كما أكد الائتلاف أن الثورة السورية بقواها السياسية والعسكرية والثورية ستواصل مقاومتها للإرهاب بكل أشكاله، ودعا الدول الشقيقة والصديقة والمجتمع الدولي للاستمرار في توفير الدعم اللازم لهزيمة تنظيمات الإرهاب ورُعاتها، وفي مقدمتهم نظام الاستبداد الذي جلب الاحتلال لسوريا ونشر الفوضى والدمار.

- موقف الأكراد عموماً من عملية درع الفرات

بالرغم من الانتصارات العسكرية التي يحرزها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي PYD، ومضيه قدماً في تحقيق الحلم الكردي في إيجاد كيان منفصل، إلا أن الغالبية العظمى للكرد على اختلاف انتماءاتهم، لا تزال تنظر بعين الريبة والشك إلى تلك الإنجازات، لأسباب عديدة أبرزها، أن هذه الانتصارات إنما جاءت بدعم غربي أمريكي مباشر، كما أن التوجهات الأيدولوجية الشيوعية الماركسية لحزب العمال الكردستاني بفروعه وتوابعه، وممارسته للقتل والإرهاب، مما يتنافى مع طبيعة الشعب الكردي البسيط المسالم المتدين، وكذلك قلبه لطاولة المصالحة مع الدولة التركية التي منحت الأكراد جميع حقوقهم السليبة، مما يجعل الكيان الكردي الوليد كياناً وظيفياً، أشبه ما يكون بالكيان الإسرائيلي المنبوذ من جواره.

وطالما اشتكت الأحزاب الكردية من إجراءات PYD، التي لا تختلف في شيء عن تصرفات نظام الأسد، في التسلط والاستبداد والقمع ومصادرة الحريات. وقد أصدر المجلس الوطني الكردي عدة بيانات دان فيها إجراءاته التعسفية.

لذلك فإن الأحزاب والقوى السياسية الكردية، وإن لم تؤيد حملة درع الفرات صراحة، فإن كثيراً من الكرد يؤيدها ضمناً، بسبب تغول قوات صالح مسلم حتى على الأكراد أنفسهم.

وهنا لا بد من التأكيد على أن حملة درع الفرات لا تستهدف الأكراد، إنما تستهدف تنظيمي داعش وتنظيم البي واي دي مصدر الإرهاب في المنطقة.

- الموقف الأمريكي من عملية درع الفرات

توقيت الحملة العسكرية قبيل وصول نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن لأنقرة لا يمكن أن يكون اعتباطياً، لكن في الوقت ذاته لا خيار أمام الأمريكيين سوى تأييد هذه الحملة، لأنهم باتوا يرون الشرق الأوسط بكامله من خلال خرم تنظيم داعش، وهي الحجة نفسها التي يستند عليها الأمريكيون في دعمهم للحركة الانفصالية الكردية، غير آبهين بما تقترفه من خراب ودمار وتطهير عرقي بحق سكان المناطق التي يسيطرون عليها.

وبينما ترى تركيا أن الجيش الحر هو الضامن للحدود الممتدة من إعزاز إلى جرابلس، في مواجهة أي مشروع لإقامة دولة كردية أو إقليم فيدرالي مزمع، ينوي أكراد الإدارة الذاتية إقامته، يصر الطرف الأمريكي على الشراكة مع هذه القوى الانفصالية الإرهابية لمحاربة إرهاب آخر!

لذلك لم يجد جو بايدن مناصاً من مطالبة القوات الكردية بالانسحاب إلى شرق نهر الفرات، مهدِّدًا بخسارتهم للدعم الأمريكي في حال عدم الاستجابة لمطلبه، مضيفاً في مؤتمر صحفي في أنقرة : "يجب على القوات الكردية الانسحاب عبر نهر الفرات، هم لن يتمكنوا تحت أي ظرف من الحصول على الدعم الأمريكي ما لم يفوا بالتزاماتهم".

وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون أعلنت من جانبها عن مشاركة الطيران الأمريكي ضمن قوات التحالف الدولي في دعم حملة درع الفرات.

- الموقف الروسي من عملية درع الفرات

أعربت وزارة الخارجية الروسية عن انزعاجها "بشدة" من تصاعد التوتر على الحدود التركية السورية، وأكدت على ضرورة تسوية الأزمة السورية على أساس القانون الدولي فقط، ومن خلال حوار واسع بين السوريين بمشاركة كافة المجموعات القومية والطوائف، بما فيها الأكراد، على أساس مبادئ بيان جنيف الصادر في 30 يونيو عام 2012 وقرار 2254 وغيره من قرارات مجلس الأمن الدولي التي اتخذت بمبادرة من مجموعة دعم سوريا.

سبق عملية تحرير جرابلس حراك دبلوماسي تركي مكثف، ساهم في رأب الصدع مع موسكو إثر حادثة إسقاط الطائرة الروسية في الأجواء السورية، ونجح في إحداث تقارب ملحوظ مع إيران، بالإضافة إلى إعلان "قوات سوريا الديمقراطية" عن سيطرتها الكاملة على مدينة منبج بدعم أمريكي غربَ نهر الفرات، وازدياد وتيرة الأعمال الإرهابية التي شهدتها تركيا، وكان آخرها التفجير الانتحاري الذي استهدف حفل زفاف في مدينة غازي عنتاب الحدودية، والأهم من هذا كله التفاف الشعب التركي حول قيادته السياسية عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة، وحاجة الجيش التركي إلى تحسين صورته، واستعادة مكانته في قلوب الشعب التركي.. أسباب مهدت ودفعت صانع القرار التركي إلى اتخاذ هذا القرار التاريخي.

وفي حين أرجعت أنقرة هدف مشاركتها في عملية تحرير جرابلس إلى تطهير الحدود السورية من وجود تنظيم داعش الإرهابي، فقد جاء على لسان الرئيس رجب طيب أردوغان أن هدفها الآخر هو دفع "وحدات حماية الشعب" الكردية إلى شرق نهر الفرات.

مهما قيل من أسباب، يبقى الهاجس التركي الأول والهدف الأساس من الحملة العسكرية التركية "درع الفرات" هو منع تحقيق تواصل جغرافي بين كنتونات الإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا، الأمر الذي تعتبره تركيا خطاً أحمر، ثم تأتي أولوية طرد تنظيم "داعش" بعيداً عن حدودها الجنوبية، وثالثاً الوصول إلى إقامة منطقة عازلة شمال سوريا.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة