الحوار زمن الطائرات ثرثرة.. لا حل سياسي في سوريا

عندما بدأ مخزون السلاح لدى تنظيم الأسد في النفاد، رمى نفسه في أحضان الإيرانيين.

الأحد، 12-03-2017 الساعة 22:31

دون مقدمات، لم أزل على ضلالي البعيد أن، لم، ولن، ولا، حل سياسي في سوريا وأن تنظيم الأسد لن يتنازل بغير القوة، وأي حل سياسي في حال قُدّر له أن يبلغ تمامه ويحقق مراده فلن يكون دون مخالب وأنياب حتى يمكننا فرضه، وما زلت أعتقد صحة نظرية أبي تمام: "السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ ** في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعب".

 

الإخوة والأخوات، تنظيم بشار الأسد استخدم ترسانته العسكرية كاملةً والتي عمل على تجميعها خلال عقود حكمه الأربعة، بما حوته من غازات كيميائية وقنابل عنقودية وبراميل متفجرة ومتدحرجة وأسلحة مسموح بها أو مسكوت عنها دولياً؛ من أجل قمع الثورة السورية وإعادة الشعب السوري إلى "الخم" أو إلى زريبة الطاعة، كما يحلو للدكتور فيصل القاسم أن يسميها.

فهل تعتقد أن من استخدم كل هذه الأسلحة مستعد لمجرد التفكير في التخلي عما يحسبه مِلكاً له دون السوريين؟!

 

وعندما بدأ مخزون السلاح لدى تنظيم الأسد في النفاد، رمى بنفسه في أحضان الإيرانيين، الأعداء الأزليين للشعوب العربية عامة وللشعب السوري الشامي، خاصة "أحفاد يزيد الأموي".

 

ولما استنفد شريكه في الإجرام طاقته وأعلن فشله ومليشياته الطائفية العابرة للحدود متعددة الجنسيات، التفت إلى حليفه الروسي وبدأ يتنازل له عن البلد بالقطعة؛ من ميناء صغير في ساحل طرطوس إلى قاعدة جوية في "حميميم"، ثم سلمهم طرطوس واللاذقية دفعة واحدة، فضلاً عن وجود روسي في معظم المطارات السورية الخاضعة لاحتلال تنظيم الأسد.

 

سادتي الكرام، أيها العقلاء المخلصين لسوريا الوطن والإنسان، من هو العاقل أو المغفل -ابن ستين ألف مغفل- الذي يظن مجرد ظن، فضلاً على أن يعتقد أن تنظيم الأسد الأب والابن اللذين ارتكبا ما لم يسبقهما إليه أحد فيما علمت من التاريخ القريب والبعيد بحق سوريا والسوريين؛ من انتهاكات يضيق بها مقال ويختنق فيها بحر الكلمات ويعجز اللسان عن الوصف والتبيان من موبقات بأبشع وحشية عرفها إنسان أو دُوّنت في صحيفة ديوان؟

 

من كانت ذاكرته ضعيفة ويحاول، عن توحش وضلال، أن يتجاهل ما فعل هذا التنظيم فوق المتوحش من جرائم، فمهمتنا اليوم وغداً وفي الأمس، أن نفتح آذان وأبصار وحواس أولئك المتوحشين إن كان ما زال لديهم شيء من حس وإنسانية.

 

سادتي الكرام، لم تزل أرامل وثكلى وأيتام حماة وجسر الشغور وحي المشارقة في حلب التي أحرقها الأسد الأب، تستصرخ ضمائر الإنسانية، وأرواحهم تهتف حتى اليوم "يلعن روحك يا حافظ"، تتساءل: متى يتحقق القصاص لنا ومن أجل أيتامنا؟

 

حتى لا نغرق في البعيد، لنبقى في الحاضر المستدام والمستقبل المستمر، من مذبحة الحولة في 25 مايو/أيار 2011، إلى بابا عمر والقصير ومذبحة كرم الزيتون والخالدية ودير بعلبة في حمص، إلى القلمون والغوطتين يبرود والزبداني ومذبحة العصر داريا، ولم يزل أطفال مضايا تلعنكم.

 

سادتي الكرام، من أين أبدأ المجازر؟! وفي أي حي سأنتهي؟! هل أحدثكم عن شرقي حلب الشهيدة؟! أم عن جسر الشغور؟! أم أنكم تفضلون سوق دوما الشعبية؟! ربما بعضكم يرغب في الفلسفة، سأرشدكم إلى معرة النعمان، وجوارها أريحا.

 

الإخوة والأخوات، أيها الناس، أيها العقلاء، عليكم أن تفهموا بعمق ما أنتم فيه إنّ قضيتكم أيها السادة مع تنظيم الأسد، قضية مُلك يُنتزع، هذا ما علينا جميعاً فهمه ويدركه بشار الأسد، مُلك ينتزع ودولة تموت لتقوم مكانها دولة ونظام، هل قرأتم أو سمعتم أو حُكي لكم من أساطير الأولين أن هناك مَلِكاً نُزع مُلكه وتنازل عن سلطانه وأنهي كيانه وإرث أبيه وما يظنه إرث بنيه؟!

إذا فهمنا هذه القضية بهذا العمق حينها نبتكر الحلول، أما الهرطقات والتحزبات والتشايع والرايات ذات الألوان والعبارات المتعددة، فلا تقيم دولة ولا تُسقط أنظمة.

 

يا سادتي الكرام، منذ ألف عام قرأنا، وعن ظهر قلب حفظنا تلك النظرية التي أبدعها الشاعر أبو تمام: "السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ ** في حدّهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعب".

اليوم، بكل القوة أقول لكم -وإني لكم ناصح أمين- إن الحوار في زمن الطائرات ثرثرة، وما سحقته جنازير الدبابات لا تعيده الحوارات، والصراخ والبيانات الصحفية ومؤتمرات الأمم الدولية، مجتمعةً أو متفرقةً، لن تستطيع إزالة مستعمرة، فضلاً عن تدمير مملكة.

سادتي الكرام، لو كانت الخطب العصماء على المنابر وأمام وسائل الإعلام بأشكالها وألوانها كافة، تعيد أرضاً أو تمنحكم مُلكاً لكان أبو الطيب المتنبي ملكَ الملوك وهو -كما علمتم- سيد الكلمات، أمضى عمره يحول هزائم سيف الدولة لانتصارات، ومات -كما علمتم- أيضاً بسبب بيتين من الشعر، ويسجل التاريخ له أنه لم يحكم يوماً قريةً ولا مزرعةً صغيرةً في منطقة نائية، وهو من أمضى عمره كله يتنقل بين الملوك خطيباً مداحاً.

لست أدعوكم إلى جلد الذات ولا إلى الانتحار.. أدعوكم إلى ما أردت قوله باختصار؛ إنه وحتى اليوم وبعد مرور ست سنين، هي عمر ثورتكم الماجدة، لم يعترف بكم بشار الأسد معارضين، فضلاً على أن يعترف بكم ثواراً قائمين على سلطانه هادمين كيانه، هل سمعتم في يوم من أيام ثورتكم بسنينها الست أن بشار الأسد أو أحد زبانيته وصفكم بالمعارضة؟! أو أنتم مدركون حقيقة ما ينعتكم بشار الأسد والجعفري به كالعصابات الإرهابية العابرة للحدود وأنكم رجس من عمل الشيطان وأذناب الاستعمار وأدوات الإمبريالية وعملاء الصهيونية؟!

هذه دعوة للتفكر والتدبر وتقدير الأمور بمقاديرها، وتقليب الرأي على وجوه كافةً.

 

جنيف مرة رابعة

لست ممن يعتقدون أن دخاناً أبيض سيخرج من مداخن جنيف الأربع، يبدد غيومها السوداء ويوثق نزيف الدماء المهراقة مذ ست سنين على خارطة الجغرافيا السورية بأبعادها الأربعة.

ولست ممن يعتقدون أن حلاً سياسياً سيُنهي وجود تنظيم الأسد في سوريا، جنيف بفصوله الأربعة وما بينهما، من فيينا وأستانة وما سيكون بعدهما، لن يقدم حلاً.

ما الحل؟! تصرخون في وجهي صاغبين، الحل باختصار، تعالوا لنُصِح بالناس ونجمع الكل من أجل الكل، وندعو للوحدة وننبذ الفرقة ونسقط الرايات المتعددة، نقوم قومة رجل واحد نضرب ضربة رجل واحد بيد واحدة، حينها لن يستطع بشار الأسد وتحالف الشر الذي يدعمه الصمود في وجهكم متحدين، هو حين يقتلكم إنما يقتلكم فرادى ويخشاكم جماعة.

لا يعتقد أحد أنني أنسف أو أستخف بالمفاوضات، لكن ضد الحوار "الاستحمار" حين يجب أن تتكلم البندقية، وحين يتولاه غير أهله ويشكلون وفودهم على أساس المحاصصة، لا بسابق علم وعمل ثوري، إنما رجالات أعمال وشركاء بشار الأسد السابقون ووجهه الآخر وبديله الشبيه بالخُلق وحب التسلط.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة