الخطاب الإسلامي المعتدل

الوصول إلى حكم المدينة المنورة كان في الواقع نضالاً عادلاً طويلاً استمر ثلاث سنوات.

السبت، 07-05-2016 الساعة 13:16


إن الكلام والدعوة إلى تجديد الخطاب الديني الإسلامي في هذا الزمن، الذي انتشر فيه الفهم الخاطئ لمبادئ الإسلام العظيم، الذي يدعو إلى المحبة والتسامح، وتقبل الآخر؛ مهم جداً في ذاته للتطوير ومواكبة الأمور الطارئة في هذا العصر، مع مراعاة الضوابط الشرعيّة والوقوف عند حدودها.

والخطاب الإسلامي بطبيعة الحال متجدد دائماً، فأغلب العلماء والدعاة يحرصون على تجديد خطابهم حسب الظروف المحيطة بهم، والزمن الذي يعيشونه؛ لأنه لا بد أن يواكب الداعية والخطيب العصر في دعوته، وإذا لم يبادر بالتجديد الخطابي فإنه يتهم بالتخلف، وينفره الناس، ولا يجد من يستمع إلى دعوته وخطابه، ولا أظن عاقلاً يرغب في أن ينفر الناس منه ومن دعوته وخطابه، فالداعية يحرص على تجديد خطابه الديني من تلقاء نفسه قبل أن يطالبه الآخرون بالتجديد، إذ يعتبر تجديد الخطاب الإسلامي هو وعي وفهم الإسلام فهماً حقيقياً من ينابيعه الصافية، لأنه لا بد أن يُفهم فهماً سليماً خالصاً من شهوات النفوس والتعصب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس منا من دعا إلى عصبية... الخ). ولا بد أن يكون بعيداً عن تحريف الغالين، وتغيير الحقيقة من المبطلين الذين يغالون في كثير من الأمور، ولا بد من إيجاد نمط خطابي جديد يتمكن من خلاله من إيصال الرسالة الإسلامية إلى العالم؛ لتكون هذه الرسالة أساس المحبة والتسامح، وتقبل الآخر، على اختلاف منهجه وطائفته، وهذه الرسالة السماوية التي جاءنا بها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والذي نجح في إقامة دولته في المدنية المنورة دون إراقة قطرة دم واحدة، ودون خروج نازح واحد من المدينة، كان هذا عملاً مذهلاً في عصر لم تكن تجري التحولات إلا على أساس من الغلبة، وأثمان باهظة من الدماء، وبالفعل فإن الوصول إلى حكم المدينة كان في الواقع نضالاً عادلاً طويلاً، استمر ثلاث سنوات، كانت بدايتها مع وفود الخزرج، واستمرت المعاناة لنشر هذه الرسالة في مراحلها السرية والعلنية 13 عاماً، ومع ذلك كله كان شعار رسول الله صلى الله عليه وسلم التسامح والمحبة والعفو، واستمر في ذلك النهج، وأجزم تماماً بأن رسول الله لو لم يحقق نجاحه في المدينة لاستمر في دعوته السلمية، ولن يسمح لمسلم واحد أن يحمل السلاح، وأجزم أنه لن يأذن أبداً في قيام أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة، وسيستمر في رسالته السلمية، التي تدعو إلى التسامح والمحبة وتقبل الآخر، كالرسالات السماوية السابقة، عبارة عن موعظة وهداية وتسامح لا مكان للسلاح فيها.

ومن هنا لا بد للخطباء والدعاة أن يجدوا الطرق العلمية الناجحة لتجديد الخطاب الإسلامي، والاستفادة من تجارب الآخرين في بعض الدول التي أعطت اهتماماً بالغاً لتجديد الخطاب الإسلامي، كما انتهج علماء الأزهر الشريف هذا النهج في تجديد الخطاب الإسلامي، وأكدوا أن هناك بعض الصفات التي لا بد أن يتميز بها من يتبنى الخطاب الإسلامي المعتدل، الذي يدعو إلى المحبة والتسامح والأخوة ونبذ الطائفية والإرهاب.

*تخصص تفسير وعلوم قرآن

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة