الخليج .. الاستقالة الاستراتيجية والخروج من الجغرافيا

بعد كلّ حرب تأتي حسابات الربح والخسارة. لم ينتهِ العدوان على غزة بعد، لكنّ الأطراف لا يسعها بعد أسابيع القصف المتلاحقة أن تتجاهل ما لحق برصيدها من إزاحة؛ بما فيها دول الخليج.

السبت، 09-08-2014 الساعة 11:37


بعد كلّ حرب تأتي حسابات الربح والخسارة. لم ينتهِ العدوان على غزة بعد، لكنّ الأطراف لا يسعها بعد أسابيع القصف المتلاحقة أن تتجاهل ما لحق برصيدها من إزاحة؛ بما فيها دول الخليج.

لم يكن الخليج غائباً عن المشهد كما هو اليوم. فقد تأكّد اضمحلال المنظومة الخليجية الجماعية، وبدا واضحاً أنّ ما تبقى من "مجلس التعاون" في مثل هذه الاختبارات لا يتجاوز موقعاً إلكترونياً وقليلاً من البيانات التي لا يكترث العالم بالإنصات إليها.

من المُستغرب أن تستثني دول المنطقة نفسها من معادلة "أم القضايا"؛ ثمّ تعلو شكاواها من تعاظم الدور الإقليمي للجارة المؤرِّقة الواقعة على الضفة الشمالية. وقد كانت الاستجابة الجادّة للعدوان على غزة أفضل مناسبة لتسجيل للحضور في فراغ عربي تسعى لملئه "الدولة الإسلامية" الزاحفة بلا هوادة.

لم تتماسك دول الخليج على موقف موحّد صلب في دعم الموقف الفلسطيني، وبدا أنّ القصف الإسرائيلي على التجمّعات المكتظة بالسكّان يمضي بلا إشارة تحذيرية جادّة من جناح الأمّة الشرقي. ثمّ تأخّر عدد من قادة الإقليم في الظهور تعليقاً على ما حرّك العالم بأسره، فجاء حضورهم مثيراً لتساؤلات بدل تقديم ردود صارمة.

آخر ما كان في الحسبان أن ينقسم الخليج على ذاته سياسيّاً وإعلاميّاً في الموقف من فلسطين، رغم أنّ الشعوب كانت معها وتبقى كذلك. يكفي أن يتقلّب المرء بين فضائيات الخليج ليكتشف الوجهة، بين "غزة تقاوم" و"إسرائيل تردّ على قصف حماس".

ليس الخليج نفطاً وحسب، كما أنه ليس قادة "التعاون" المبجّلين في اجتماعهم السنوي، ولا البلاغات الجوفاء أو محطات التلفزة مشتّتة الأهواء. ففي الخليج شعوب وثيقة الصلة بفلسطين، ولا يطيب لها أن تسمع التصريح تلو التلميح من نتنياهو وفريقه بأنّ دولاً في المنطقة "تقف معنا في حربنا"، مع إشارات ضمنية إلى الجنوب الشرقي. وهل من رسالة يمكن قراءتها في تغريدات التحيّة التي يبعث بها خليجيون إلى قادة أمريكا اللاتينية؛ اعتزازاً بمواقفهم الأخلاقية في الحرب على غزة؟.

لن تربح دول الخليج باستقالتها الجماعية من المشهد، ولن تحجب عنها التهديد بصمتها عن القصف اللفظي الإسرائيلي في العمق الخليجي. فحملة الهجوم على قطر التي قدح شرارتها أفيغدور ليبرمان، ذلك الفاشي الأرعن الذي يتقلّد وزارة الخارجية في دولة الترسانة النووية، إن سُمح لها بأن تستفرد بدولة في الإقليم اليوم فلن يردعها هذا عن النهش في أخرى لاحقاً.

من العجز التغطية على هذا الغياب الاستراتيجي؛ ببعض الهبات المالية التي لا تعيد طفلاً فلسطينياً سحقه القصف إلى مخيّمه البائس. فهل يمكن اختزال الأثر الخليجي بالتصرّف كجهة مانحة غير معنيّة بالوقائع، أسوةً بسخاء اليابان الواقعة في أقصى الأرض والمعطّلة سياسياً وعسكرياً منذ الحرب العالمية الثانية؟.

لم تنتهِ الجولة الحربية بعد، وربّما يمتلك راسمو الاستراتيجيات في الإقليم فرصة أخيرة للاستدراك والعودة إلى الجغرافيا. فمن المؤلم أن يرى الجميع غزة المحطّمة وقد حقّقت مكاسب واضحة في هذه الجولة، ورسمت لوحة انتصارها بأظفار شبابها وصمود أمّهاتها؛ دون أن يبدو الخليج في صورة الحدث، ويتصرّف بخجل في هذا المنعطف الذي سيكون له ما بعده حتماً.

(*) حسام شاكر، كاتب - فيينا وبروكسيل

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة