الخليج في أذهان العائدين منه

الإعلام السياحي أن يضع الإنسان في مركز المشهد لا على هامشه وأن يستصحب القيم والخصوصيات الثقافية.

الثلاثاء، 21-10-2014 الساعة 10:11


تحوّل الخليج إلى وجهة سياحية بارزة على مستوى العالم، لكن بماذا يعود ملايين السائحين من هذه الرقعة إلى مواطنهم في أرجاء الأرض؟

من يبحث عن الإجابة قد يجد وفرة من الانطباعات.. مبانٍ شاهقة، وأبراج متطاولة، ومشروعات عملاقة، وفنادق بمقاييس أسطورية، مع ذكريات على الشواطئ وفي الصحراء، وكثير من التسوّق أيضاً. يبقى العنصر الأضعف في هذه الصورة الحافلة هو الإنسان الخليجي ذاته.

تبوّأت بعض دول الخليج مراتب متقدِّمة في سوق السياحة العالمي، لكنّ منطق السوق قد يخيِّم على الأدوار الإعلامية والثقافية المصاحبة التي يمكن للسياحة أن تنهض بها.

فالسياحة فرصة مهمّة للتواصل، تتيح لملايين الأشخاص القادمين من أرجاء الأرض ملامسة بعض ثنايا الواقع بذهنية متفتحة إلى حدّ ما يستصحبها السائح في موسمه المفضّل. ولا يمكن أن يُترك الموقف للممارسات التطبيقية المتنافرة للمنشآت والشركات السياحية الخاصة، التي ينصرف اهتمامها إلى تلبية التوقّعات المسبَقة للجمهور على أمل استدرار الأرباح المادية وحسب.

يمكن لدول الخليج أن تشقّ تجربة متميزة في مجال الصناعة السياحية، تستحضر الأبعاد الإنسانية والثقافية والبيئية في هذا القطاع المتعاظم. والواقع أنّ الالتحاق الحديث نسبياً لدول المنطقة بقاطرة صناعة السياحة العالمية؛ يتيح لها أن تتفادى أخطاء البلدان التي سبقت إلى ذلك.

هناك جهود مهمّة تمّ بذلها عبر العقود المتوالية لتفكيك الصورة التقليدية التي تشكّلت عن المنطقة باعتبارها مجرّد صحراء وآبار نفط، وبات ملموساً أنّ بلدان الخليج لم يعد بالوسع اختزالها في تلك القوالب النمطية. لا يعني ذلك أنّ المهمة قد أُنجزت، ذلك أنّ النجاحات والمكتسبات في المنشآت والمرافق والمشروعات قد يجري تفسيرها عادة من خلال استحضار أبعاد مادية تتجاهل الإنسان؛ كوفرة الموارد المعدنية، أو التزوّد بالعلوم والتقنيات "الغربية"، واستقدام الخبراء من الخارج، مع جيوش العمّال الآسيويين بأجورهم الزهيدة.

لا يصحّ الانقطاع عن النقاشات النقدية المتعلِّقة بما يخالج الصناعة السياحية من أخطاء في التطبيقات القائمة حول العالم، فهذا القطاع مُطالَب بمزيد من المسؤولية في الأداء. وبين أيدينا مبادرات عدّة تنادي بالسياحة المسؤولة واحترام الجانب الثقافي في هذا القطاع، مع وفرة من التحذيرات من أنّ الصناعة السياحية ليس بوسعها تعزيز التنمية المستدامة إذا ما اقتصرت على تلبية رغبات السيّاح وتجاهلت النتائج المحلية والبيئية.

لا شكّ أنّ المنتج السياحي والإعلام المرتبط به؛ يساهمان في تشكيل الصورة الانطباعية عن البلاد والشعوب، وهو ما يستدعي إيلاء عناية خاصة لترشيد الإعلام السياحي أيضاً واستحضار إنسان المنطقة فيه بشكل فاعل.

على الإعلام السياحي أن يضع الإنسان في مركز المشهد لا على هامشه وأن يستصحب القيم والخصوصيات الثقافية، لكنّ تصفّح الأدلّة السياحية التي تُقدّم للشعوب حول العالم بهدف اجتذابها إلى المنطقة سيختطف الأنظار إلى مضامين خارجة عن السياق أحياناً. لا تتورّع بعض الشركات، مثلاً، عن تقديم عروض مصطنعة مثل الرقص "الشرقي" شبه العاري في الصحراء مما لا يعرفه تراث المنطقة على هذا النحو، في اصطناع رخيص لما يوافق توقعات السائح الغربي عن "الشرق".

إنّ تجاهل هذه المسؤوليات سيوقع الإعلام السياحي في قبضة النزعات الاستهلاكية، التي لن تتردّد في ترويج انطباعات غير واقعية على حساب تنمية الوعي بنمط العلاقات الإنسانية القائم في المجتمعات المحلية. وبالنسبة لبعض فاعلي السوق؛ فإنّ السؤال عن الانطباعات التي يعود بها السائح من الخليج إلى موطنه؛ لا يبدو ذا شأن، وعندها سيكون الردّ بلسان الحال واضحاً: لا يهمّ بأي شيء يعود به في ذهنه طالما أنّ الحقائب ممتلئة بالمشتريات.

بيد أنّ رعاية صورة البلدان والشعوب هي مسؤولية جماعية متبادلة بين الإدارات الحكومية المختصة، والصناعة السياحية، ووسائط الإعلام الموجّهة إلى القطاعات المعنية من الجمهور، ومجمل الأطراف الثقافية والمجتمعية. إنها مسؤولية تقتضي نحت استراتيجيات متكاملة، فمن ينهض بها؟

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة