الخليج في خطر (2)

على العرب أن يخلقوا رعباً في قلب إيران مضاداً للرعب الصفوي في قلب البلاد العربية.

الاثنين، 01-12-2014 الساعة 13:57


لقد حاولت إيران أن تستغلّ الحراك الشعبي ضد الاستبداد في الوطن العربي بما يخدم تصدير ثورتها الخمينية من أجل إعادة إمبراطوريتها الفارسية المفقودة، فأوعزت لشيعتها في دول عربية بالتحرّك في إطار شعارات "الربيع العربي"، حيث حرّكت شيعة البحرين ولا يزالون في حراكهم مستمرّين ما دام الدعم الإيراني يُغدق عليهم. ثم حاولت أن تحطّ رحالها في المملكة العربية السعودية، بصفتها منتهى حلم الخميني الذي تركه في وصاياه، منها المعلنة أو المسرّبة، وأخرى لا تزال سرّية بسراديب خامنئي وأركان حكمه فقط.

كابوس سعودي

السعودية هي كابوس الخميني والصفويين كلهم؛ بسبب المقدسات الإسلامية وأيضاً بصفتها دولة كبيرة لها تأثيرها القوي في العالم العربي والإسلامي، ولعبت أدواراً مهمة في كثير من قضايا المسلمين سواء على المستوى السياسي أو الديني، حيث يعتبر الإيرانيون أن أخطر ما يواجه مشروعهم هو الدور الديني الذي لعبته المملكة العربية السعودية من خلال علمائها ودعاتها ومفكريها، ولذلك تجدهم يركّزون على ما يسمونها بـ"الوهابية" على أساس أنها عدوهم الأول والأخير، كما يريدون من باب التمويه والتضليل والتقية، تحويل الصراع القائم من قومي وديني واستراتيجي إلى مجرد مذهبي يقتصر على رجال الدين بين مذهبين من مذاهب الإسلام كما يدندنون.

يجب أن نؤكد على أمر هام أن كل ما تقوم به إيران في منطقة الخليج العربي يستهدف السعودية أولاً وأخيراً. الصفويون عبر التاريخ غايتهم مكة المكرمة والمدينة المنوّرة، وما قامت به المخابرات الإيرانية من أعمال إرهابية في الحرم المكّي وتحرّكات معلنة تستهدف استقرار السعودية معروفة، وطبعاً ما خفي عن الأنظار من حراك استخباراتي أسوأ بكثير.

لقد دعّمت السعودية ثورة سوريا وساندتها منذ بدايتها، وكانت هذه إحدى القطرات التي أفاضت الكأس، فأوعزت إيران لمخابراتها بالتحرّك في المناطق التي يتواجد بها شيعة السعودية، وكان من بينها ما جرى عبر فرع مخابرات الأسد في مدينة جدة السعودية خلال الثلاث سنوات الأخيرة. وتشير وثائق مسرّبة عن الفرع الخارجي (279) لمخابرات الأسد، إلى أن أشخاصاً من المنطقة الشرقية في المملكة تحرّكوا بإيعاز من فرع المخابرات السوري وتمّ تجنيدهم للتظاهر وحتى استهداف مصالح الأمن السعودي، وجرى دفعهم كي يسقط ضحايا منهم، وبذلك تتاح لإيران الفرصة للتحرّك ضد ما تسمّيه حقوق الأقليات الشيعية في المملكة العربية السعودية.

تكيل إيران بمكيالين في قضية الأقلية والأغلبية حسب ما تفرضه مصالحها الاستراتيجية، حيث أنها في العراق تقول بأن الأغلبية شيعية رغم وجود أرقام أخرى تؤكد أن السنّة هم الأكثرية، ولذلك تركز إيران على الديمقراطية الناشئة التي دخلت بغداد بقوات المارينز، ودائماً تتحجّج بحكم الأغلبية كما تقتضي الديمقراطيات العريقة.

لكنها مع السعودية نجدها تتحدّث عن حقوق الأقليات حسب القانون الدولي، من حيث ممارسة شعائرهم الدينية والمشاركة في الحكم وغيره. والمخزي في كل ذلك أن إيران نفسها تنتهك حقوق الأقليات في بلادها؛ حيث أن أهل السنّة لا يمتلكون مسجداً في طهران لكن لليهود معابدهم يمارسون شعائرهم بكل حرية. كما تقمع الأحوازيين وتصادر حريتهم في ممارسة دينهم وهويتهم وتقاليدهم وأعرافهم، ولو نحصي انتهاكات إيران لحقوق الإنسان ما كفتنا المجلدات.

أما في سوريا حيث الأغلبية السنّية فتجدها تتحدّث عن "المؤامرة الكونية" على ما تسمّيها بـ"المقاومة والممانعة"، رغم أن الأقلية كانت تحكم الأغلبية على مدار نصف قرن تقريباً، ثم صارت تبيدها بمختلف الأسلحة التدميرية منذ 2011 حتى بلغ عدد ضحايا المأساة السورية ما يقارب نصف مليون، فضلاً عن ملايين الجرحى والمشرّدين والمهجّرين واللاجئين والمختفين وأغلبيتهم الساحقة من سنّة سوريا.

المعيار الإيراني في التعامل مع قضايا الشيعة العرب خارج ديارها، ليس الديمقراطية ولا حقوق الإنسان ولا حماية الأقليات، بل يتعلق بمدى الولاء لها؛ فمن يوالي مرشد ثورتها له كل الحقوق ومن يناهض مشروعها سواء كان شيعياً، مثل عددٍ من الأحوازيين، أو سنّياً، مثلما يجري في العراق وسوريا، فلا حقوق لهم أبداً حتى لو كان يتعلق بالحياة ككل البشر.

لقد كشفت وثيقة استخباراتية مسرّبة نشرها "الخليج أونلاين" وتعود لعام 2011، الذي شهد انتصار ثورات تونس ومصر وليبيا واندلاع ثورة سوريا، أن شخصاً سمّوه "فادي" يعمل لصالح مخابرات الأسد التقى مع معارضين سعوديين وجرى الحديث عن التخطيط لـ"ثورة شيعية" في السعودية، وبالتنسيق مع جهات في الداخل السعودي وخارجه. وكل ذلك من أجل تحقيق غايتها في التغلغل بالعمق السعودي، والوصول إلى أسمى أمانيها وهو رفع رايتها الصفوية فوق الكعبة بمكة المكرمة لا قدّر الله.

إن ما سمّي بـ"الربيع العربي" عملت إيران ولا تزال تريد أن تحوّله إلى "الربيع الفارسي" في المنطقة العربية، وهذا ما جعل بعض ثورات الشعوب تنحرف من معركة ضد الاستبداد إلى حروب طائفية وأهلية؛ بسبب الوقود الإيراني الذي يتلقّى الدعم من الصهاينة والقوى الكبرى لأسباب كثيرة ليس المجال لبسطها.

هذا ما حدث في سوريا حيث كان الحراك الشعبي ضد الاستبداد والطغيان والفساد، غير أن التدخّل الإيراني القائم في بلاد الشام منذ عهد حافظ الأسد، أغرق الثورة في متاهات الإرهاب، وعملت مخابرات خامنئي على تحويلها إلى حرب طائفية قذرة، وكل ذلك من أجل حماية هلالها الشيعي الذي صار مهدّداً بالانكسار من وسطه. وهو الهلال الذي أنكرته يوماً لما أثاره الملك الأردني، ولكن أثبتت السنوات أنها حقيقة واضحة كالشمس في رابعة النهار، وهي تعمل على أن يكتمل الهلال ويصير قمراً يشمل دول الخليج العربي والمغرب الكبير، ويغطّي القارات الخمس، باستثناء الكيان العبري الذي يريد دولة تمتدّ من الفرات إلى النيل.

العاصفة السوداء

لن يقتصر التخطيط الإيراني في المنطقة العربية والعالم الإسلامي برمّته على الشيعة العرب فقط، بل توجد تنظيمات متشدّدة جرى استغلالها بطرق مختلفة من قبل المخابرات الإيرانية لأجل تحويلها إلى خنجر في عنق الدول الخليجية خصوصاً، وهو ما جرى مع "القاعدة" ثم تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف اختصاراً بـ "داعش"؛ حيث أن هذا التنظيم الذي كان يسمى "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق" قدمت له تسهيلات من طرف المخابرات العراقية بزعامة نوري المالكي الذي يعدّ الرجل الأبرز لدى خامنئي في بلاد الرافدين. وجاء ذلك بعد اجتماع عقد في بيروت وشارك فيه "حزب الله" وموظفون استخباراتيون بالسفارة الإيرانية في لبنان، وضباط من المخابرات العراقية، وأيضاً مخابرات بشار الأسد، حيث تمّ الاتفاق على تسهيل مرور التنظيم إلى سوريا من أجل خلط أوراق الثورة السورية وتحويلها من ثورة شعبية ضد الاستبداد إلى مجرد إرهاب سيحرّك المجتمع الدولي لمحاربته، وهو الذي سبق أن تحدثنا عنه في مقال ("داعش" والاختراق الاستخباراتي) المنشور على "الخليج أونلاين".

وهو فعلاً ما حدث وتواصلت المساعدات بطرق غير مباشرة حيث جرى التسهيل للتنظيم في السيطرة على أسلحة ثقيلة ومعدات كبيرة وأموال طائلة في الموصل، وهكذا في الفترة التي كان تنظيم "داعش" يتراجع في سوريا بعد الحرب عليه من فصائل المعارضة المسلحة، فجأة يعود إلى الواجهة ويسقط الموصل ويزحف على مواقع سورية مجدّداً ليعلن دولته ثم خلافته، وصار الآن يهدد الدول الخليجية وعلى رأس ذلك السعودية التي عاصمتها لدى "داعش" أهم من طهران وتل أبيب.

ونذكر في هذا السياق ما كشفه الدبلوماسي الإيراني المعارض فرزاد فرهنيكان في فبراير/شباط 2013، من أن علي خامنئي وافق في اجتماع سري مع القادة الإيرانيين على قيام قادة تنظيم "القاعدة" والمقيمين بإيران، وبإشراف المخابرات الإيرانية، بتحريك المنتمين للتنظيم والمتعاطفين معه في السعودية للضغط على حكومتها لإطلاق سراح قادة وعناصر "القاعدة" من السجون؛ لتمكينهم من القيام بأعمال إرهابية ضد منشآت النفط والقيادات بالتزامن مع هجوم الحوثيين على القوات السعودية.

على ذكر النفط فقد كشفت مجلة "دير شبيغل" الألمانية في أكتوبر/تشرين الأول 2012، أن الحرس الثوري الإيراني وضع مشروعاً لإسالة كمية كبيرة من النفط في مياه الخليج لإحداث بقعة سوداء توقف الملاحة، وترغم الغرب على المشاركة في عملية تنظيف ضخمة. ونقلت المجلة عن مصادر غربية استخباراتية، أن الحرس الثوري يرى في هذا المشروع الذي أطلق عليه "مياه قذرة"، وسيلة لإرغام الغرب على تعليق العقوبات المفروضة على إيران والتي بدأت تؤثر فعلاً في الاقتصاد الإيراني.

بلا أدنى شك أن الكويت لن تفلت حيث يتواجد بها نسبة لا يستهان بها من الشيعة وأغلبيتها الساحقة توالي إيران موالاة مطلقة، بينها المعلنة والأخرى لا تزال تحت الطاولة، وتوجد تقارير استخباراتية تكشف عن حراك إيراني قائم لإشعال فتيل "ثورة شيعية" على النظام الحاكم في المرحلة القادمة بعد تسوية البيت البحريني والسوري.

بالنسبة لقطر التي لعبت دوراً محوريا في ثورات الشعوب هي في عمق اهتمامات المشروع الإيراني، حيث أنها لا تراهن كثيراً على نسبة الشيعة القطريين الذين لا نفوذ ولا حضور ولا تأثير لهم، ولكن رهان طهران على زعزعة أمن البلد بأساليب استخباراتية أخرى، وسبق وأن حاولت خلق حراك شعبي على المستوى الافتراضي، ولكن المخطّط باء بالفشل الذريع ودفن بمبادرة تخلّي الشيخ حمد عن الحكم إلى نجله الشيخ تميم.

كما أن معلومات توفّرت لدينا من خلال باحثين استراتيجيين ومسؤولين من العرب والغرب، تتحدّث عن السعي الإيراني للتقارب مع الإباضيين في سلطنة عمان الذين يشكلون نسبة كبيرة مقارنة مع الشيعة الذين لا تتجاوز نسبتهم 5 بالمئة حسب أكبر التقديرات.

إيران تحتل الجزر الثلاث الإماراتية ولديها حضور اقتصادي قوي داخل الإمارات، وعلاقاتها الدبلوماسية معها ليست سيئة، ونجد أن الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية والمتحالفة معها تعمل على توريط الإمارات في صراعات داخل العالم العربي عموماً والخليج بصفة أخص، وكل ذلك يجري من أجل تفكيك الوحدة الخليجية وجعل كل دولة لوحدها يسهل الإضرار بأمنها واستقرارها في إطار أن الذئب يأكل من الشياه القاصية.

معالم لإنقاذ الخليج

بلا شك أن الخليج العربي في خطر حقيقي حيث نجد المشروع الإيراني الذي يتمدّد ويزعزع أمن الدول الخليجية باستغلال الشيعة الخليجيين وأقليات أخرى وجدت مصلحتها في التحالف مع إيران. وأيضاً مشروع الدولة "داعش" الذي عمّق الشرخ في المنطقة وستكون له تداعيات وخيمة، وخاصة في ظل الحراك الكردي الذي يهدف لصناعة دولة كردية سيكون لها تأثيرها البالغ على المنطقة، كما ستفتح شهية من يريدون إعادة رسم الخريطة العربية بدول أخرى ناشئة ستأخذ حصّتها من عدة دول خليجية.

مما تقدّم ندرك أن الخليج فعلاً يواجه أفعى من عدة رؤوس، ولا يمكن تجاوز هذه المرحلة الصعبة إلا بمشروع استراتيجي حقيقي، وليس عبثياً لا يتجاوز أهواء وأمزجة الحكام، أو مصالح عابرة لدى أحزاب وهيئات.

يجب أن تتجسّد الوحدة الحقيقية وتتكاثف الجهود بين الدول الخليجية بعيداً عن حساسيات لا تخدم أمن الخليج ولا استقراره، والعمل على مواجهة المشاريع المعادية في داخلها سواء كانت عبر التمدّد الإيراني بين الشيعة الخليجيين، أو من خلال تمدّد التنظيمات المتشدّدة والتكفيرية بين سنّة الخليج أيضاً، أو باستغلال الأقليات الأخرى، وحتى بالنسبة للصهاينة الذين ينتظرون الفرصة المواتية لإعلان دولة تمتدّ من الفرات إلى النيل، بعدما تجري تهيئة الأرضية التامة داخلياً من قبل الصفوية بتدمير الأقطار العربية وإغراقها في حروب أهلية.

التحدّي كبير وعميق وخطير للغاية، لذلك لا يجب أن لا يقتصر أمر معالجة التحديات الخليجية على البعد الأمني أبداً، بل يجب تجاوز الأمر إلى الجانب الاجتماعي وذلك بتحقيق الاستقرار بالعدالة ودولة القانون والمواطنة.

لا يمكن أن توقف إيران مشاريعها المشبوهة التي تشعل الحروب النجسة في المنطقة العربية، إلا بمشروع مضاد يضرب في العمق الإيراني ويستغل الكثير من نقاط الضعف ويدعّم الشعوب التي تحتلّها إيران مثل الأحواز والبلوش وغيرهما، كما يجب الرهان على ثورة تغييرية مضادة في الداخل الإيراني حيث أن النقمة على نظام الملالي تتصاعد، والوضع الاجتماعي للإيرانيين هشّ للغاية، فالأموال الطائلة التي تجنيها إيران من الأحواز والعراق ودول الخليج تصرفها بحروب خارج حدودها في إطار مدّها الثوري الخميني وتصدير أزماتها لدول الجوار، وهذا لا يؤيده كل الإيرانيين، بل إن أكثر من 50 بالمئة من الشعب الإيراني يناهض سياسة الولي الفقيه التي لا تتماشى مع تطلعات الشعب الإيراني، الذين ملّ كثير منهم من سلطة أصحاب العمائم السوداء.

أمر آخر مهم للغاية، هو تحطيم الصنم الإيراني في وجدان الشيعة العرب، والعمل على فكّ الارتباط القائم بينهم وبين العاصمة الإيرانية طهران، وهذا لن يتحقّق بشراء الذمم أو تقريب العدو لاتقاء شرّه، بل بإجراءات ملموسة وأهمّها هو تكسير الوثن في قلب إيران، وأيضاً يأتي ببناء دولة المواطنة في العالم العربي التي تتجسّد في الولاء السياسي للوطن قبل العشيرة أو الطائفة.

الرعب الإيراني الذي تنقله للخارج يجب أن يعود لداخلها في أسرع وقت وقبل فوات الأوان، وتوجد أسباب كثيرة تساعد على ذلك، وللأسف لم يتم استغلالها، وبقيت الدول العربية عموماً والخليجية بصفة أخص في موضع الدفاع عن نفسها، وأكبر ما تمارسه هو شراء ولاء العدو وإسكاته مؤقتاً سواء في الداخل أو الخارج، وهذه السياسة لا تخدم إلا إيران، التي كلما سكت عليها خصومها كلما شغلتهم أكثر في صراعات داخلية قد تتطوّر إلى حروب نجسة.

على الرعب الصفوي في بلاد العرب أن يتحوّل إلى رعب عربي في بلاد فارس، ودون ذلك سيبقى التمدّد الإيراني يسير متوازياً مع تمدّد صهيوني، وفي الأخير سيجد العرب أنفسهم مجرّد ذكرى عابرة في أوطان تفككت وانقرضت وصارت مجرد كنتونات إما صهيونية أو صفوية أو غربية والعرب رعايا ممزقين بين هذا أو ذاك.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة