الدودة الشريطية وإعادة إعمار العراق

العراقيون يتساءلون كالآخرين عن جدوى اقتراض المبالغ التي لا تساوي شيئاً مقابل الواردات التي دخلت الخزينة.

الخميس، 15-02-2018 الساعة 14:10


لا أدري لماذا تذكرت قصة "السعلوة" التي كانت ترويها لنا جدتي في ليالي الشتاء الطويلة، وأنا أستمع إلى النتائج التي تمخض عنها مؤتمر إعادة إعمار العراق الذي انعقد في الكويت خلال الأيام الثلاثة المنصرمة، وأعلن في ختامه تعهدات قدمتها الدول المشاركة، وصلت إلى نحو 30 مليار دولار، مع منح تعادل ما نسبته 3% فقط، قدمتها بعض المنظمات والجمعيات الخيرية الكويتية والعربية والعالمية، وأما الباقي فهو بين قروض أو استثمارات تراعى فيها هوامش الأرباح والعوائد، في حين كان العراق يمني النفس بأن يحصل على تعهدات بنحو 88 مليار دولار، وهو ما ولد شيئاً من خيبة الأمل انتابت شعور الوفد العراقي، وظهرت على لسان وزير خارجيته إبراهيم الجعفري.

يلقي البعض باللائمة في اهتزاز الثقة الدولية بالعراق على الوفد الرسمي المشارك في المؤتمر، ويقولون إنه كان على الحكومة العراقية أن تقدم تطمينات على الأرض قبل الذهاب إلى المؤتمر، وهي بدلاً من حل الكثير من الإشكالات العالقة مع العرب السنة راحت تصعد من وتيرة نزاعاتها مع حكومة إقليم كردستان في العراق هذه المرة، يضاف إلى ذلك عدم تنفيذ الحكومة لوعودها في حصر السلاح بيد الدولة، ولجم طموحات المليشيات، ومحاربة الفساد والفاسدين، وهي الشعارات التي طالما رددها حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي مؤخراً، في حين ساهم ضعف التنسيق بين أفراد الوفد العراقي، وتضارب معلوماتهم وملفاتهم داخل المؤتمر، في زيادة اهتزاز الثقة، والبحث عن بدائل لتجاوزها.

كان لافتاً للنظر في هذا المؤتمر أن الحكومة الإيرانية، التي تمثل أقرب حليف إقليمي لحكومة بغداد، لم تتعهد بتقديم منح ولا قروض، أسوة بعشرات الدول القريبة والبعيدة، ولم يقتصر ذلك الأمر على صعيد الدول المشاركة، بل تعداهم إلى المنظمات الأهلية، حيث كان لافتاً أيضاً غياب الأوقاف والمنظمات الجعفرية في الكويت، في ظل حضور واضح لبقية المنظمات الكويتية غير الرسمية.

العراقيون يتساءلون كالآخرين عن جدوى اقتراض هذه المبالغ التي لا تساوي شيئاً في مقابل الواردات التي دخلت الخزينة العراقية خلال فترة حكم السيد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق، والتي اقتربت من ترليون دولار وفقاً لعدة مصادر مطلعة، ويعتقدون أن المشكلة الكبرى لا تكمن في نقص الأموال، ولكنها تكمن في الفساد المالي والإداري، الذي حرمهم من الاستفادة من الموازنات "الانفجارية" التي لم تحدث فارقاً في الحالة الاجتماعية، ولا في تطوير البنى التحتية، ولم ترفع المداخيل الخاصة والعامة، بل زادت نسبة البطالة والفقر واندثار الممتلكات والمرافق العامة.

لا توجد أحزاب كبيرة في العراق اليوم، والحزب الأكبر والأقوى- كما يقول العراقيون- هو حزب الفاسدين العابر للطوائف والأعراق والأحزاب، ذلك الحزب الذي تم حقن كثير من أفراده بـ"فيروس" المال السياسي قبل مجيئهم إلى العراق المحتل، ليفتح شهيتهم لالتهام ما تصل إليه أيديهم، في حلبة سباق طائفي محموم رسمه بول بريمر وقبله آخرون بمهارة فائقة.

اقرأ أيضاً :

الاقتصاد الإسلامي.. بين الفاتيكان والعلمانيين العرب

هناك مقولة للورد أكتون تقول: إن "القوة تؤدي إلى الفساد"، وذلك بالضبط ما حصل عندما توافقت الإرادتان الأمريكية والإيرانية على دعم حكومة السيد نوري المالكي خلال دورتين متتاليتين، مما أشعر الرجل وفريقه المقرب بفرط قوة، استخدمها في إزاحة خصومه عبر التصفية الوظيفية، وملفات التسقيط السياسي، أو عبر الملفات والأحكام القضائية التي لم تراعِ- غالباً- المعايير الدولية، وفقاً لتقارير أصدرها مراقبون ينتمون إلى منظمات حقوقية دولية.

لقد أدى بروز ظاهرة الفساد في الجهات الرسمية العليا، وحماية الفاسدين من المساءلة، إلى تفشي ظاهرة الفساد عند الكثير من طبقات الموظفين، حتى باتت خزينة الدولة العراقية كمعدة استوطنتها دودة شريطية لا يتوقف نهمها، ولا نموها وتكاثرها، وهي تفرز لعابها باستمرار لتبقى المعدة في حالة شعور دائم بالجوع، والحاجة المستمرة للطعام، مما جعل العراق يقبع في تصنيف أسوأ 10 بلدان في الشفافية والفساد!

وتلك وصفة مجربة، نتيجتها معروفة سلفاً، فإذا دخل الفساد من الشباك هرب العمران من الباب وحل محله الخراب، وكما يقول نجيب محفوظ: "إننا نستنشق الفساد مع الهواء فكيف تأمل أن يخرج من المستنقع أمل حقيقي لنا؟".

أكثر ما يثير الألم في نفوس العراقيين اليوم أنهم باتوا يسمعون من عدد كبير من الجهات الرسمية والمنظمات الدولية المشاركة بأن "العراق لم يعد موضعاً للثقة"، وربما هذا الألم يفوق الألم الذي ينتابهم وهم يرون بلدهم الحافل بالخيرات والثروات الكامنة والظاهرة فوق الأرض، يمد يده بالحاجة إلى قروض ومانحين يمنون عليه ويجرحون كبريائه، وهو الذي طالما امتدت يده بالعون للآخرين بالمال والخبرات.

نعود إلى حديث جدتي عن "السعلوة"، ومناسبة حديثها مع هذا الحدث، وقصتها باختصار، أنها تعاونت مع حيوانات الغابة على صيد فريسة، ووعدت الجميع بالشراكة فيها، وعندما حل الظلام أكلت الفريسة بكاملها، وتركت القليل من بقايا اللحم والدم والدهن، وذهبت تمسح به أيدي وأفواه حيوانات الغابة وهي تغط في نوم عميق، وعندما استيقظت تلك الحيوانات وأرادت محاسبتها على فعلتها، قالت لها إنكم جميعاً أكلتم كما أكلت وافترستم كما افترست، وانظروا إلى أيديكم التي يقطر منها الدم والدهن، وتطلعوا إلى أفواهكم ومخالبكم التي ما زالت تعلق بها بقايا اللحم، فعاينوا ما قالت وسكتوا وهم بين مصدق ومكذب.

السيناريو الأكثر ترجيحاً في حال لم يتم تسليم هذه الأموال بيد الحكومة العراقية أن تستفيد منها شركات من الدول المقرضة التي ستفرض غالباً نمطاً معيناً يخدم مصالحها، كما حصل مع الشركات الأمريكية التي ساهمت في تأهيل بعض الدول التي حطمتها الحرب العالمية الثانية عبر مشروع "مارشال".

أما في حال تم تسليم هذه الأموال ليد الحكومة العراقية فليس من المستبعد أن تبتلعها الدودة الشريطية كما ابتلعت ألف مليار دولار من قبل، وربما سيتم تنفيذ بعض المشاريع الخجولة هنا وهناك لتمسح بها أيدي وأفواه الشعب العراقي النائم بفعل الإنهاك والوجع والهزال المستمر منذ عقود، اقتداء بما فعلته "السعلوة"، فما لم يتم القضاء على الدودة الشريطية أولا، فلن يكتب لإعادة الإعمار النجاح، ولن يجني العراقيون من هذه الخطوة إلا زيادة في رهن قرار البلد وانتهاك سيادته، وتكبيل يديه بديون تزيد في تعميق جراحه وآلامه.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة
عاجل

"الخليج أونلاين" ينشر فحوى 3 تسجيلات لاغتيال خاشقجي