الدولة المدنية المنشودة


<?xml encoding="utf-8" ???>

كثُرَ الحديث هذه الأيام من طرف الطبقة السياسية الجزائرية وبالأخص الحزب العتيد، حول ضرورة انتقال الجزائر إلى الدّولة المدنية، وهذا ما صرّح به الأمين العام لحزب جبهة التّحرير الوطني، عندما سُئل عن التغييرات الأخيرة التي قامت بها الرئاسة الجزائرية، على أنّ هذه المرحلة هي مرحلة

السبت، 10-10-2015 الساعة 19:44


كثُرَ الحديث هذه الأيام من طرف الطبقة السياسية الجزائرية وبالأخص الحزب العتيد، حول ضرورة انتقال الجزائر إلى الدّولة المدنية، وهذا ما صرّح به الأمين العام لحزب جبهة التّحرير الوطني، عندما سُئل عن التغييرات الأخيرة التي قامت بها الرئاسة الجزائرية، على أنّ هذه المرحلة هي مرحلة التغييرات وإقامة الدولة المدنية، والجزائر ذاهبة إلى هذا المسعى من خلال الدستور الجديد القادم، فهذا المطلب خيار لا رجعة فيه كما قال.

عندما نجري قراءة سريعة لتصريح السّيد الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، أول ما نلمسه من هذا التّصريح، أنّه يحمل رسمَاً جميلاً لصورة الجزائر في المرحلة القادمة، بلا أدنى شك سَنسْتبشرُ بالخير والأمان على أن جزائرنا الحبيبة ذاهبة إلى هذا المسعى الذي هو في نظرنا مطلب غالبية الشعب الجزائري، مدنياً كان أو عسكرياً، سياسياً أو مواطناً عادياً.

غير أننا عندما ننظر للواقع كواقع نُصاب بنوع من الإحباط والكآبة الدستورية والإسهال السياسي لِما نَلحظه من مظاهرٍ تخدشُ خدشاً كبيراً لتلك الصورة التي رسمها لنا هؤلاء السّاسة المتوقَعة حسب تقديرهم للجزائر في المرحلة القادمة.

فعندما ترى الذهنية السياسية الجزائرية الموالية للحكومة، ترمي الاتهامات على كل من يُعارض سياسة هذه الحكومة، وعلى أنّه عميل لقوى خارجية تُحرِّكُهُ، فتُخاطُ له التُّهم بمختلف الأحجام والتّكييفات، وعندما ترى حدوث اعتقالات قريبة إلى حدٍ ما لِمَا كان يحدثُ في تسعينيات القرن الماضي، بدون الخوض في الخلفيات والدواعي والضرورات، وعندما ترى ملامح سياسة التخويف والترويع والوعيد لكل من كانت له وجهة نظر في موضوع ما، مخالفة في زاوية من الزوايا لسياسة حكم السلطة الحالية، لا شك أنّك ستصاب مرة أخرى بهذا الإحباط.

فالمُبتدِئ في دراسة العلوم السياسية يعرف أنّ من أهم مواصفات الدولة المدنية أنّها دولة قانون ودولة مؤسسات، وأنّ من الشروط الأساسية لقيام هذه الدّولة المدنية ألّا يخضع أي فردٍ فيها لانتهاك حقوقه من قِبلِ الفرد أو الجماعة أو الدولة نفسها أو من يُمثِّلها.

يعرف أيضاً أنّ من الشروط اللازمة لقيامها أن ينعم الفرد بالمواطنة الحقيقية، التي تقتضي ضمان حرية الرأي والحفاظ على كرامة الإنسان بدون تمييز وبدون مفاضلة على أساس الموالاة وغيرها.

ربما يقول القائل إنّ هذا هو مخاض ولادة هذه الدولة، والآلام التي تسبق وضع الأرضية والأساسات التي يُشيد فوقها بناء هذه الدولة.

سنحاول أن نُقنع أنفسنا على تصديق مقولة هذا القائل، ونحلم بغدٍ أفضل تُحترم فيه الحريات وتُصان فيه الأرواح والأنفس وتُحفظ فيه الحقوق، خاصة وأنّ هناك تعديلات جوهرية سيحملها الدستور المنتظر الذي وعدت به رئاسة الجمهورية منذ أبريل/نيسان 2011.

فنحن نأمل من هذا الدستور أن يُكرِّس احترام ثوابت الأمة الجزائرية ومقومات شخصيتها، وأن يُقِرَّ الحقوق والحريات للجميع دون تمييز، وأن يُنشِئَ الآليات لضمانِ وحفظِ هذه الحقوق والحريات.

نحن نأمل من هذا الدستور القادم أن يُوقِفَ آلة الفساد التي تشتغل ليل نهار بدون توقف، فأتت على الحرث والزرع والنسل، وأثقلت كاهل الاقتصاد.

نحن نطمح أن يضمن هذا الدستور المنتظر الفصل الفعلي والحقيقي بين السلطات، ويُقيم التوازن فيما بينها، فالصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها السلطة التنفيذية لا يُمكن بحال من الأحوال أن تُحقق التوازن بين هذه السلطات.

نريد من هذا الدستور المرتقب أن يضمن استقلالية القاضي، استقلاليةً تامةً غير منقوصة، لا يخضع إلا للقانون، محمياً من كل أشكال الضغط والتدخلات والمناورات والمساومات.

نريد من هذا الدستور أن يفتح المجال الفعلي للسلطة التشريعية في ممارسة وظيفتها التشريعية في إعداد القوانين والتصويت عليها والقيام بمراقبة عمل الحكومة.

نريد من هذا الدستور أن يفرض على الأحزاب السياسية أن تُرشح للمؤسسة البرلمانية من هو كفؤٌ وله من العلم والثقافة ما يساعده على أداء هذه الأمانة التي تمّ تمييعها، وأصبحت امتيازاً يُمنح للأحزاب والأفراد على حساب المصالح العامة للمواطن وللجزائر ككل.

فإذا جاء هذا الدستور بهذه التعديلات عندها نقول إن بوادر ظهور الدولة المدنية قد بانت واتضحت.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة