الذاكرة المسحوقة في الخليج

ربما لم تلحظ الأجيال الخليجية الجديدة مدى خسارتها التي لا تعوّض بفعل ما جرى عبر عقود.

الجمعة، 10-07-2015 الساعة 17:28


تواصل الأبراج الشاهقة ارتفاعها في أجواء الخليج مناطحة السحاب، لكنها تطوي من حولها صفحات من هوية المكان وذاكرته.

ربما لم تلحظ الأجيال الخليجية الجديدة مدى خسارتها التي لا تعوّض بفعل ما جرى عبر عقود من سحق قرى وأحياء وبلدات، وأسواق تاريخية وبيوت قديمة ومعالم شتى، في إجراءات خلت من المناقشة والمصارحة. جرى ذلك بالفعل تحت عجلة التحديث التي عبرت المنطقة سريعاً وداست ما في طريقها. يشبه هذا حال المبحرين طويلاً في بحور الظلمات إذ تأخذ بألبابهم صورة اليابس إن تراءى لهم في خط الأفق، فإن هم اندفعوا إلى مقصدهم ولم يكترثوا بما وراءهم فقد تسلك سفنهم سبيلها في البحر عجباً، وقد لا يتفقدونها إلاّ بعد فوات الأوان.

يسرد العارفون بالمكان قصصاً شتى عن قرى قديمة مُسحت من الوجود دون مبرر، تمهيداً لتمدد المنشآت النفطية، رغم أنّ اقتصاد الذهب الأسود يتيح تعزيز التجمعات السكانية لا ترحيلها. فقد تغفل المجتمعات عن قيمة ما بين أيديها عندما تنصرف أنظارها إلى وعود الوفرة إن داهمتها فجأة.

لم تكترث الأسماع بنداءات أطلقها بعضهم وقتها للحفاظ على خصائص المكان وتراثه الملموس. اكترث بعضهم بهذا الملف متأخرين، ربما بعد أن أدركوا عناية الدبلوماسيين الوافدين والزائرين الغربيين بمعلم نجا من السحق أو دار تم إعفاؤها من الإزالة.

كان التعامل مع البيوت القديمة في بعض جنبات الخليج مروِّعاً، فقد طالها الإهمال حتى وقع هجرانها، وآل بعضها إلى موئل للنفايات أو مراحيض عمومية ومكاره صحية. ثم انتهى الحال بكثير من تلك "الخرائب" إلى السحق والإزالة، ولم تبكِ عليها المجتمعات التي اختطفت أنظارها الرافعات التي تغرس الكتل الإسمنتية في أحشاء المكان، بلا نسبة إلى تاريخه أو اتصال بثقافته.

على أنّ "الخرائب" البائدة هي نتاج خبرة الشعوب مع المنطقة وتكيفها مع سماتها البيئية، فهي تعبير عن الخصوصيات الثقافية، وتشهد على الأنظمة التقليدية المنسجمة مع طبيعة المناخ.

أهال التحديث التراب على الذاكرة، وأحدث انقطاعاً نسبياً عن بيئة الآباء والأجداد، حتى أنّ السائح الخليجي يسأل في جولاته حول العالم عن البلدات القديمة والمعالم الأثرية، دون أن يجد شيئاً من ذلك في بعض حواضره.

أدرك بعض النابهين الخسارة الفادحة متأخرين، فعمدوا إلى وقف عجلة التدمير التي تلحق بالتراث الذي يختزن ذاكرة المكان. تم إنقاذ بعض المعالم قبل تقويضها وتسوية الأرض بها، وآل بعضها إلى متاحف ومزارات يقصدها من ينشدون التعرف على هوية البلاد التي أغرقها التشييد الإسمنتي الكئيب.

ثمة حاجة للتصالح مع الماضي، والتخلي عن منطق التناقض بين التحديث والتراث. أما الاستدراك فلا يكون بالأماني فقط أو بالبكاء على الأطلال المسحوقة؛ بل باعتماد سياسات جادة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتخصيص الموارد اللازمة لهذا المسعى الذي تنذر له بعض الأمم أموالاً سخية وموارد بحثية وفرقاً متخصصة خشية طمس هويتها وإهالة التراب على ذاكرتها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة