الربيع الأحمر والإعلام الأسود!

معظم برامجها الموجهة، معتمدة على إثارة الغرائز والعدوانية وبناتها في الكراهية والأحقاد، واضعة بيوضها الإرهابية في بيئة طائفية وشوفينية جاهزة للتفقيس في أي وقت تشاء.

الاثنين، 22-09-2014 الساعة 13:50


في العراق وليبيا وسوريا واليمن ومصر والبقية آتية بلا ريب، ما إن بدأت أنسام الربيع العربي تعطر الأنوف وتطرب الأسماع بتهاوي أنظمة الزعيم الأوحد والحزب القائد والجمهوريات الوراثية، حتى عاودت فيروسات تلك الأنظمة الانتشار في المفاصل المهمة من الهياكل الجديدة التي حاولت ملء فراغات ذلك الأخطبوط، الذي هيمن لعشرات السنين، إن لم تك مئات السنين، على صدور وعقول ملايين البشر المقموعين جينياً بأفكار البداوة والقبيلة والغزوات، لا من أجل البقاء فقط بل من أجل الزعامة، حتى وإن كانت زعامة ثلة من السراق والقتلة. وقد رافق عملية سقوط تلك الأنظمة نشوء تنظيمات وعصابات وأحزاب ومنظمات ووسائل إعلام ونقابات من رحم تلك الأنظمة ومنظومتها الفكرية، لكي تحتوي أو تلتهم ما سمي في حينه بثورات الربيع العربي التي سرعان ما تحولت إلى ما نراه اليوم في ليبيا، وما فرخته في سوريا واليمن وغيرها من دول المنطقة، ولعل أخطر ما امتلكته تلك الفيروسات تحت مظلة الانفتاح الديمقراطي وحرية تأسيس وسائل الإعلام، هو الفضائيات وخاصة هنا في العراق وفي سوق "المريدي" الشهير، والذي تخصص بعد سقوط نظام صدام حسين بمنح الشهادات العلمية وخاصة الدكتوراه لكبار مسؤولي النظام الجديد في سلطاته الثلاث، وبالذات التنفيذية والنواب و"الذي منه" في مجالس المحافظات والأقضية، إضافة إلى المساهمة في صناعة الفضائيات التي يعاون فيها هيئة الإرسال العراقية، المفترض أن تكون مُلكاً للشعب العراقي ومن يمثله، وأقصد هنا، وبنية صافية، برلماننا العتيد، لكنها في غفلة من الزمن أيضاً تم تأجيرها لحزب السلطة الجديد صاحب ما يسمى بالكتلة الأكبر، والوريث المطابق لسابقه أيام القائد الضرورة المتحول إلى مختار العصر، والذي يصر مريدوه على استنساخ مجموعة منه وتوزيعها على الدول العربية والإسلامية والأوربية والأمريكية لكي لا تفقد فرصتها الذهبية في امتلاكها فلتة زمانه وعصره.

هذه الفضائيات المفترض أن تكون وسيلة إعلام متحضرة، تعوض سنوات القهر والاستلاب الفكري والثقافي والسياسي، أنتجت مجموعة ما يسمى بالبرامج الموجهة لتوعية وتطوير الرأي العام باتجاه قبول الآخر وحرية التعبير، خاصة بعد قيام النظم الديمقراطية المفترضة كبديل لتلك التي حكمت بثقافة تكميم الأفواه وخنق الآراء والتعبير، وافتراض وجود مساحة لتلك الحريات، وعلى هذا الافتراض أنتجت كما قلنا مجموعة برامج حوارية على شاكلة مجلس عراقي والأستوديو التحليلي أو منابر متعددة أو سمها ما شئت، حيث تستضيف "دقاقي الثوم بعكوسهم "كما يقول المثل الموصلي، إشارة إلى الفضوليين ومساحي الجوخ والملكيين أكثر من الملك نفسه، لكي تفرض مجموعة أفكار لا تقل في شموليتها عما كانت تقدمه قنوات ووسائل الأنظمة السابقة خاصة، وكنموذج لتلك الاستخدامات السوداء للإعلام هنا في العراق ومن خلال شن حملات عنصرية طائفية طيلة أشهر عديدة قبل سقوط ثلث العراق بيد داعش، ضد الكورد من جهة وأهالي الموصل والأنبار وتكريت وديالى من جهة أخرى، مستخدمة شعارات وطنية وقومية كما كان يفعل صدام حسين في إبادته للكورد و"أنفلتهم" باعتماد آيات من القرآن الكريم، ثم تكتشف أن تركيا وقطر والسعودية ومصر والباكستان وجزر الواق واق عملاء للصهيونية والإمبريالية، وأن كوردستان أصبحت ملاذاً للبعثيين وداعش والإمبريالية الأمريكية (طبيخ مكادي) كما يقول أهل الموصل، في توصيفات بائسة تستغل بها عقول الأكثرية الجاهلة والجائعة لتنشر الحقد والكراهية، ولتوسع بيئة انتشار داعش وغيرها كما حصل فعلاً.

وهكذا نجحت طواقم إعلام تلك الأنظمة الفاسدة في أن تتوغل في هياكل الأنظمة الجديدة، وتؤسس لها موضع قدم لتنطلق بذات الثقافة الشمولية والإقصائية في معظم برامجها الموجهة، معتمدة على إثارة الغرائز والعدوانية وبناتها في الكراهية والأحقاد، واضعة بيوضها الإرهابية في بيئة طائفية وشوفينية جاهزة للتفقيس في أي وقت تشاء، لإثارة كل النعرات وقبول أكثر أشكال الإبادة الجماعية كما حصل للكورد الإيزيديين والمسيحيين والشيعة والسنة في كل أنحاء البلاد، حيث مارسوا تعتيماً إعلامياً مريباً على واحدة من أبشع عمليات الجينوسايد بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تعرض لها الإيزيديون بمئات الآلاف من القتل الجماعي والنهب والسلب وأسر نسائهم وأطفالهم، بل وبيعهم في أسواق النخاسة، دون أن تثير فيهم هذه الجرائم أي وازع أخلاقي أو إنساني أو حضاري، بل إنهم تعمدوا إغفال دور البيشمركة وعدم التطرق لها في كل عمليات تحرير آمرلي وسليمان بيك وسد الموصل، رغم معرفة قادتهم بدورها الرئيسي في مقاومة الإرهاب وطرده من كثير من المناطق.

وعادت حليمة إلى عادتها القديمة بعد ربيع دامٍ بإعلام قاتم ومجاميع من المشوهين الفاشلين والمعاقين ثقافياً وأكاديمياً، تدير أو تشرف على وسائل إعلام مريضة حتى النخاع، وتتمتع في مجال حيوي مدعوم بشكل كبير من السلطة تحت مسميات عديدة، سواء كانت لأحزاب وجهات متنفذة أو لهيئات شبه حكومية يراد منها أن تكون على شاكلة هيئة الإذاعة البريطانية، فتحولت بعد أشهر من تشريع قانونها إلى وسيلة لحزب السلطة ورئيسه وطائفته، ولم تعد تمثل إلا حفنة من المنتفعين ومرتزقة الإعلام الأسود.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

سي إن إن: التقرير السعودي سيخلص على الأرجح إلى أن عملية قتل خاشقجي نفذت بدون تصريح وأن المتورطين سيحاسبون