الزهو التقني والمجتمعات الذكية

جميل أن تتجه بلدان الخليج إلى إقامة قرى ذكية، تستنفر فيها القدرات التقنية وتركِّز فيها المعلوماتية.

الجمعة، 01-05-2015 الساعة 08:33


جميل أن تتجه بلدان الخليج إلى إقامة قرى ذكية، تستنفر فيها القدرات التقنية وتركِّز فيها المعلوماتية وتطبيقاتها؛ لكنّ هذا لن يغنيها عن العناية بالمجتمعات الذكية وتحفيز طاقاتها.

فإذا ما غاب الإنسان عن المعادلة؛ فلن يفلح التواكل على التقنية المبهرة في إنجاز نهضة جادة. وهل تصحّ المراهنة على ربط الفصول المدرسية بالشبكات الحديثة، وتزويد التلاميذ بالأجهزة اللوحية؛ إن لم تحصل الأجيال على فرصتها لتعميق المعرفة والبحث عن دورها في تشكيل الحاضر وصياغة المستقبل؟

لا يكفي الزهو التقني والربط بالشبكات لاستنهاض الأجيال، بل إنّ الإنسان قد يخسر رهان التقنية والشبكات الحديثة إن لم يتهيّأ للإبحار في عالم تتعالى أمواجه. ليست المجتمعات قاصرة في إمكاناتها، ولكنّ شروط الواقع التي تحكمها قد تكبح قدراتها فينفلت زمام المبادرة من يديها. وكيف لحسّ المبادرة أن ينطلق عندما تأتي الإنجازات جميعاً منسوبة لإرادة سامية، فلا يتم الأمر إلاّ حسب توجيهاتها؟!

وكما ظلّ الاعتماد على العقول والكفاءات المُستجلبة من العالم أجمع، هو الأصل المعتمد في بعض بلدان المنطقة؛ يأتي التواكل على المنجزات التقنية الحديثة ليلتحق بمنطق "الخبير الأجنبي".

يُمعن بعضهم في التبشير بوعود القرى الذكية؛ لكنه يشيح بوجهه بعيداً عن الطاقات والفرص الكامنة في المجتمع الحي. ومن يقلِّب النظر في المجتمعات المحلية سيجد معظم مكوناتها من الأجيال الصاعدة التي يُفترض أن تتأجج إرادتها وتتفتّح مداركها بما يختزن فرصاً هائلة للشعوب والبلدان.

صحيح أنّ المدارس تعمل، والجامعات تتوسّع، والتخصصات تتزايد؛ لكنّ المسألة تتعلّق بالتوقعات المنتظرة من هذه الأجيال، والهوامش الممنوحة لها للتطوير. فبمعزل عن العناوين التي تأخذ بالألباب، إذ تتحدث عن تدشين قرية ذكية هنا، أو التخطيط لمدينة ذكية هناك؛ يبقى السؤال معلّقاً في الأرجاء، عن حدود التفكير والتصرّف الممنوحة لسكان هذه البؤر التي تشغل السمع والبصر.

لا يبدو المشهد واقعياً عندما يتمّ تصوير المجتمعات المحلية وهي راضية تماماً عن الأوضاع القائمة، فالسعادة تغمرها، ولا تُسمع منها شكاوى أو تُسجّل فيها استدراكات. إنها صورة مصطنعة على أي حال، تماماً كالتقاليد الباهتة التي دأبت عليها بعض النشرات الإخبارية، التي يظهر فيها المذيع والمذيعة بابتسامات واثقة بإنجازات وطنية لا تنقطع، ويتم التبشير بها في أفضل أوقات البثّ.

معلومٌ أنّ المجتمعات الذكية منشغلة بالتطوير المستمرّ، الذي لا يكون إلاّ بالتعرف على وجوه القصور ومكامن الحاجة وثغرات الخلل، ولن يكون الثناء العاطر على الواقع سوى وصفة للقعود عن المسؤوليات.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة