الساحة السورية والتغيرات الدراماتيكية

"ما بثه إعلام النظام يشير إلى حجم الانفصال عن الواقع ونكران الأحداث الجارية التي تسير بعكس ما يشتهي النظام".

الاثنين، 29-06-2015 الساعة 11:16

تغيرات دراماتيكية شهدتها الساحة السورية في الأسبوعين الأخيرين، تمثلت بهجوم عنيف شنته فصائل المعارضة المسلحة التابعة للجيش الحر تحت عنوان "عاصفة الجنوب" تمكنت خلالها الفصائل الثورية من اختراق دفاعات قوات الأسد والمليشيات المتحالفة معه، ووصلت المعارك إلى حي" المنشية" داخل مدينة درعا بعد السيطرة على حاجز "السرو" القريب من المشفى الوطني، وتم قطع طرق إمدادات نظام الأسد "دمشق درعا"، تهدف المعارضة المسلحة من خلال الحملة الجديدة السيطرة على كامل المدينة التي تبلغ سيطرة المعارضة فيها إلى 75% قبل الهجوم الأخير، في حال تمكن الجيش الحر من تحقيق هدف المعركة المعلن تحرير كامل محافظة درعا تكون المعارضة الملسلحة على أبواب دمشق بالتالي فك الحصار عن الغوطة الغربية، الأمر الذي يجعل النظام محاصراً في دمشق. كما تم الإعلان عن معارك جديدة استكمالاً لمعارك سابقة في القنيطرة بهدف فك الحصار عن غوطة دمشق.

جاء هذا التطور على أثر تحرير اللواء"52 مشاة" أحد أكبر ألوية النظام في سورية الواقع في ريف درعا جنوب البلاد، رغم إخفاق الجيش الحر في اقتحام مطار الثعلة العسكري القريب من مدينة السويداء ذات الأغلبية "الدرزية"، وما رافق ذلك الاقتحام من نقاشات حادة وتخوف الدروز بسب مشاركة فصائل إسلامية في هذا الهجوم. ومشاركة بعض الفصائل الدرزية في القتال إلى جانب قوات النظام.

دخلت إسرائيل على خط الأزمة مع الدروز بهدف الاصطياد في الماء العكر، حيث طالبت بعض القيادات الصهيونية المحسوبة على"الدروز" المنضوين تحت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بضرورة التحرك لحماية دروز سورية، كما تم جمع مبلغ" 8 ملايين شيقل" صهيوني لدعم الدروز السوريين، رافق هذه الأحداث قيام بعض الجماعات الدرزية بالهجوم على سيارة إسعاف كانت تقل مصابين مدنيين من المنطقة الواقعة بقرب خط فصل القوات في الجولان المحتل وقتل أحدهم على ما ذكرت وسائل إعلام، في نفس الوقت قامت مجموعات من شبيحة الدروز في منطقة "حضر وجرمانا"، بالانضمام إلى جيش نظام الأسد لصد هجوم المعارضة السورية في منطقة "حضر" مطلع الأسبوع الماضي، مما دفع بعض المراقبين لطرح عدة تساؤلات حول الموقف الحقيقي للدروز، حيث لا يمكن اعتبار كل هذه الأحداث أحداثاً فردية يقوم بها شبيحة محسوبون على الدروز، كما يفعل شبيحة بقية الطوائف بما فيهم السنة وما أكثرهم بدءاً من تجار حلب إلى تجار دمشق وبعض ضباط السنة المنضوين في جيش نظام بشار الأسد.

 

حتى لا نبخس الناس أشياءهم، لا بد من الإشاره إلى أن مشايخ شرفاء من الدروز رفضوا هذه التصرفات المدانة، ورفضوا رفضاً قاطعاً المزايدات الصهيونية على دروز سورية، مؤكدين وقوفهم إلى جانب الثورة السورية.

جدير ذكره في هذا المقام أيضاً الإشارة إلى تصريحات الزعيم الدرزي للبناني، وليد جنبلاط، الذي قال إن الضمان الوحيد لدروز سورية يكمن في المصالحة مع محيطهم "درعا" والانضمام إلى بقية الشعب السوري الثائر لأن نظام الأسد يحتضر.

أما التطور الأخر المثير للجدل فكان في قيام تنظيم "الدولة" بشن هجومين منفصلين على كل من مدينة الحسكة شمال شرق سورية، وهجوم آخر على مدينة عين العرب التي تم طرد التنظيم منها بعد معارك دامت قرابة الخمسة أشهر شارك فيها فصيل من الجيش الحر"بركان الفرات" والبيشمركة، التي دخلت عبر الحدود العراقية بعد اتفاق مع الحكومة التركية، ومليشيات وحدات حماية الشعب الكردي مدعومة بطائرات التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ضد تنظيم "الدولة".

يبدو واضحاً حجم الصفعة التي وجهها تنظيم "الدولة" للتحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ضد تنظيم "الدولة"، وربما كانت الصفعة الأكبر للمليشيات الكردية.

 

لم تكد مليشيا وحدات حماية الشعب الكردية تفيق من نشوة الانتصارات السريعة التي حققتها ضد التنظيم في عين العرب وتل أبيض وعين عيسى، وما رافق ذلك من عمليات تطهير عرقي ضد السكان المدنيين من العرب والتركمان، التي وثقتها منظمات حقوقية دولية، ومنعت تلك الفصائل دخول لجنة تقصي حقائق شكلها الائتلاف للنظر في اتهامات حول تطهير عرقي مارستها المليشيات الكردية، حتى استفاقت على ضربة أكبر بكثير مما كانت تتخيله وداعمها الأمريكي عبر طائراته، التي وجهت ضربات قاسية للتنظيم في ريف الرقة وعين العرب في ريف حلب، خلال عام مضى وما زالت مستمرة في استهداف تجمعات التنظيم وتقديم الدعم الجوي للمليشيات الكردية فقط، دون بقية فصائل الجيش الحر التي تقاتل نفس التنظيم في ريف حلب.

حيث شن التنظيم هجوماً مباغتاً أربك المليشيات الكردية داخل عين العرب تمكن خلاله من السيطرة على أحياء داخل مدينة عين العرب، التي استغرق إخراج التنظيم منها أكثر من خمسة أشهر من القصف الجوي الذي نفذته الطائرات الأمريكية.

كما سيطر التنظيم على بلدة "شيوخ " قرب عين العرب، والمعارك مستمرة في محيط مشتى نور في عين العرب، ونصب مقاتلو التنظيم قناصات على بعض الأبنية العالية التي نجت من التدمير؛ ممّا قطع أوصال المدينة، وتواصل المليشيات الكردية في ما بينها. كان هجوماً دموياً بدأه التنظيم الساعة الرابعة والنصف فجراً بتفجير سيارة مفخخة بالقرب من معبر "مرشد بينار" الذي استمات التنظيم في الحملة السابقة للسيطرة عليه، كما استقتلت المليشيا الكردية بالدفاع عنه، والذي اعتبر حينها موقعاً سيادياً والسيطرة عليه كانت تحدد من يسيطر على المدينة، كانت حصيلة التفجير مرعبة حيث وثق حينها مقتل أربعين شخص معظمهم من الأطفال والمدنيين بحسب ناشطين.

رغم أن المليشيات الكردية تمكنت من إعادة السيطرة على المدينة، لكن مقربين من التنظيم سربوا بأن هدف التنظيم لم يكن السيطرة على المدينة والتمسك بها، بل كانت عملية استنزاف لهم فقط، وربما تتكرر في مناطق سبق أن سيطرت عليها المليشيات الكردية.

يمكننا رصد ذلك من خلال المناوشات التي حدثت بين التنظيم والنظام في قريتي "المريعية والبو عمر" القريبتين من مطار دير الزور.

أما بالنسبة للهجوم المتزامن الذي شنة التنظيم ضد المليشيات الكردية في مدينة الحسكة شمال شرق سورية، الهجوم الذي وصف بالكبير والمفاجئ بعد سلسلة الهزائم التي تلقاها التنظيم في عين العرب وتل أبيض، ونجاح فصائل المعارضة المسلحة في التصدي لهجوم التنظيم على بعض قرى ريف حلب شمالاً.

 

الهجوم على الحسكة من الجنوب والشرق لم تستطع كتائب النظام وحليفه "الكردي" من الصمود أمامه، حيث سقطت كل الحواجز الأمنية الواقعة بين حيي "غويران والهول" وأصبحت تحت سيطرة التنظيم، كما سيطر التنظيم على الجمارك وما حولها من مراكز النظام.

ليس من المبالغة والترف الفكري أن نعتبر سيطرة تنظيم "الدولة" على مدينة الحسكة، بمثابة نقطة مفصلية وآخر مسمار يدق في نعش الدولة "الكردية" أو الإدارة الذاتية في سورية، ليس هذا فقط بل هي نقطة تحول حيث أصبح التنظيم على الحدود المشتركة مع المناطق التي تسمى "إقليم كردستان العراق" ممّا يجعلها عرضة لهجمات التنظيم، وربما مدخلاً لسيطرة عليها، ويربك كل حسابات الكرد السوريين والعراقيين، ناهيك عن ما تحتويه منطقة الحسكة من ثروة اقتصادية.

وفي هذا السياق وضربة أخرى وجهها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى المليشيات الكردية بتصريحه القوي الحاسم أن تركية لن تسمح بإنشاء دولة كردية شمال سورية جنوب تركيا، كذلك تم حرق ورقة أخرى من أوراق النظام المتحالف مع المليشيات الكردية التي ضمنت له نوعاً من الحضور الرمزي في مدينة الحسكة.

بدت واضحة للعيان صدمة نظام الأسد بالتقدم المفاجئ الذي حققة التنظيم، وما رافقه من تقدم لفصائل الجيش الحر في درعا، على حساب جيش النظام.

رغم محاولات نظام الأسد إخفاء الحقائق عن مؤيديه ومحازبيه، عبر وسائل إعلامه والإعلام الحليف له، لكن المتابع للقناة الفضائية السورية في اليومين الماضيين "الخميس والجمعة" يلاحظ تكثيف بث الأغاني التي يسمونها وطنية والداعمه لجيش الأسد التي تهدف إلى تحميس ورفع معنويات مناصريه، وبنفس الوقت تشير إلى أن هناك حدثاً جللاً قد وقع.

الأمر الذي كشف حجم الإحباط والانهيار في صفوف نظام الأسد وجيشه المحبط، ما قاله وزير إعلام الأسد، عمران الزعبي، للفضائية السورية التي تمثل نظام الأسد، حيث طالب الزعبي كل من يستطيع حمل السلاح في منطقة الحسكة والجزيرة السورية عامة، مع مغازلته للعشائر العربية الأصيلة على حد وصفه، إلى حمل السلاح ومؤازرة ما سماه الجيش الوطني وحلفاؤه من مليشيا الدفاع الوطني، وهو أكبر معبر عن حجم الانهيار في جيش الأسد وإفلاسه.

حقيقة من يتابع كلام عمران الزعبي للفضائية السورية يعيد إلى الأذهان خطاب محمد سعيد الصحاف، وزير إعلام نظام صدام حسين بصورة مكررة حيث كان يتحدث عن الانتصار على العلوج وتدميرها حين كانت تلك القوات في وسط الساحة الخضراء. كما يحدث الآن لنظام الأسد خمسة محافظات تكاد تصبح خارج سيطرة النظام وهي "درعا، القنيطرة، الرقة، الحسكة، دير الزور، ريف دمشق"، ناهيك عن معظم أرياف تلك المناطق.

كان لافتاً للنظر في حديث الزعبي، التمسح بأهالي السويداء وشهداء السويداء، رغم أن كل المراكز البحثية المتخصصة تقول بأن سبعة وثلاثين ألفاً من شباب السويداء رفضوا الانخراط في جيش النظام، وبعضهم فرض شروط الالتحاق بجيش الأسد بأن تكون خدمته في السويداء فقط.

واستنتج الوزير الزعبي بعبقريته، أن ما يحدث في العراق هو نفسه الذي يحدث في سورية، طبعاً يقصد الإرهاب.

ونقول له نعم بكل صدق ما يحدث في العراق هو عينه الذي حدث ويحدث في سورية؛ "شعب سورية والعراق" خرج بمطالب التغيير، فما كان من نظامي الحكم في ذينك البلدين واللذين يدوران في الفلك الايراني، إلا أن أخرجت كل من تسميهم بالإرهابيين من سجونها أو هيئت لهم الفرصة للهروب، واستخدمتهم ضد الثورة والشعب من أجل المحافظة على نظام الحكم الديكتاتوري الفاشستي.

فتح الوزير الزعبي مزاداً يقول فيه إن الإرهاب يهدد جميع السوريين ولا يميز بين معارض وموال، وطالب الزعبي بطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، ودعا جميع السوريين للتحالف بوجه الإرهاب، متناسياً أن الإرهاب مصدره ومنبعه النظام الذي يتحدث باسمه الزعبي، وأن نظامه وحليفه الكردي هم الوحيدون الذين يبحثون عن تقسيم سورية إلى دولة "كردية وعلوية".

مابثه إعلام النظام وتصريحاته الأخيرة تشير إلى حجم الانفصال عن الواقع ونكران الأحداث الجارية التي تسير بعكس ما يشتهي النظام، وكأننا نعيش حالة إعلام نكسة 67 التي تمر ذكراها الواحدة والأربعون في هذه الايام. في الوقت الذي هزمت فيه الجيوش العربية، كان الإعلام حينها يبث الانتصارات وتدمير مواقع العدو.

حينها تم اللعب في المصطلحات لتبرير الهزيمة حيث أصبحت الهزيمة "نكسة"، واليوم يراد تحويل الثورة إلى عملية لاستئصال الإرهاب من نفس الإعلام.

 

* باحث سوري

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة