السعودية.. بعض التغييرات الضرورية

ثمة من يريد لعاصفة الحزم والهبة السعودية أن تسير في مجريات أوهامه المذهبية.

الأحد، 05-04-2015 الساعة 08:02


تقود المملكة اليوم حرباً مصيرية، ويتوقف على نتائج هذه الحرب مستقبل البلاد ودورها وشكل المنطقة العربية برمتها، ولا أعني بالحرب عملية عاصفة الحزم في اليمن، فهذه معركة واحدة من معاركنا الكثيرة المنتظرة في المنطقة، والتي نخوضها وسنخوضها مجبرين لمنع التغول الإيراني وإعادة التوازن الطبيعي للمنطقة، ومعاركنا ليست مجرد عمليات عسكرية وقصف جوي أو تدخل بري فقط، بل عمل سياسي واقتصادي وثقافي وإعلامي، وتموضع جديد يليق بمن يتبوأ الصدارة ويقود واحدة من أكبر وأخطر المواجهات في العهد الحديث.

لقد كان للسعودية عدة مواقف من الربيع العربي، ومن غير الصحيح القول: إنها كانت بالمطلق ضد حركة التغيير، قد يصح الأمر في مصر على سبيل المثال، لكنها أيدت التغيير ودعمته في سوريا، وفي اليمن لعبت دوراً مختلفاً جملة وتفصيلاً، فلا هي أيدت التغيير ولا وقفت ضده بالكامل، ونتيجة موقع اليمن وأهميته لنا، فإن الموقف السعودي في اليمن راوح في منطقة الوسط، وأراد تحقيقي معادلة صعبة لم تتحقق، الإبقاء على النظام القديم والقبول بالقادمين الجدد، والنتائج نراها ماثلة أمامنا اليوم بكل وضوح، في ليبيا وتونس لم يكن للسعودية موقف فاعل من عملية التغيير الحاصلة هناك، كانت تلك البلاد بعيدة عنا، وكنا مشغولين بما يجري في المشرق العربي، وكان أكثر من طاقة البلاد واهتمامها.

إن كل ما حدث طبيعي في وجهة نظري، فالسياسة لغة المصالح والمنافع، لا لغة الحق والخير والواجب، وإيران الثورية على سبيل المثال، حاربت الثورة بالسلاح في سوريا، ودعمت الانقلاب على نتائجها في اليمن، وتواطأت مع خصومها في مصر، وفعلت الأفاعيل في بغداد حتى لا تنجح فكرة الثورة والوطن من أساسها، وبالتالي، فإن الكل يعمل من أجل مصالحه، المصيبة حين يكون العمل ضد مصلحتك، وتكون الطريقة المعتمدة طريقاً لخدمة أعدائك وخصومك، وهذا ما يستدعي منا المراجعة والتدقيق والنصيحة، فنحن اليوم نقف مع بلادنا دون نقاش، ويقف معنا كل إخوتنا في الخليج والعالم العربي، وهذا لا يعني التأييد فقط، بل التأييد والدعم والتصويب.

ماذا يجب أن يتغير الآن؟ إن النتائج الشعبية والرسمية لعاصفة الحزم تجعلنا نعاود التفكير مرة أخرى، من معنا ومن ضدنا؟ عموم الناس مع العملية، بما فيهم من اختلف مع المواقف الرسمية السعودية في فترة الربيع العربي، وهذا مؤشر لأمرين، أهمية السعودية والحاجة لها أمام إيران، وأن الناس لا يكرهونك أو يعادونك، وإن اختلفوا مع موقفك الرسمي هنا أو هناك، وهذا ما يتطلب مواقف جديدة على الصعيد السياسي والإعلامي أيضاً، لا يجوز إطلاقاً بقاء الأصوات السيئة التي عبرت عن المواقف الخاطئة في الواجهة، والتي زايدت على الموقف الرسمي، وأطلقت حملة عداء وكراهية تضررت منها البلاد كثيراً، لابد من خطاب وحضور إعلامي مغاير يلائم المرحلة الجدية ويواكبها، وهذا أمر يترجم عملياً بكثير من الخطوات المعروفة، وقد ظهرت بعض البوادر الجيدة لكنها غير كافية على الإطلاق، الأمر آخر يتعلق بمكانة الرياض كقائدة للعمل العربي، لماذا تكون الأبواب مقفلة أمام النخب والتيارات والشباب العربي الداعم والمؤيد لها في عاصفة الحزم؟ ولماذا تكون الواجهات الإعلامية حكراً على الأصوات الضارة والقديمة، إن حرب استنزاف طويلة بانتظارنا، ومواجهة كهذه تحتاج منا فتح الأبواب أمام الجميع، من اليمن والعراق وسوريا وفلسطين وكل البلاد العربية، من شباب ونخب سياسية وإعلامية وفكرية وغيرها، باختصار، يجب أن تكون الرياض عاصمة عربية بامتياز هذه الأيام، والأيام التي تليها.

ثمة من يريد لعاصفة الحزم والهبة السعودية أن تسير في مجريات أوهامه المذهبية، ويريد تحويل المواجهة لصالح أفكاره الطائفية الضيقة، شيعة يتعاملون مع الأمر كمواجهة ضدهم في المنطقة، وسنّة يحسبون العملية لصالح أفكارهم وأوهامهم الصغيرة، وفي تقديري أن الأمر برمته أكبر من ذلك بكثير، ولا يمكن ترك الأمر دون مواجهة وخطاب سياسي وإعلامي واضح يبعدنا عن هذه المنزلقات الخطرة، والتي لا تمثل المشروع الذي نطمح للسعودية أن تقوده، مما يوجب التعامل مع هذه المسائل بذكاء وحذر وعدم تغافل.

مع الطائرات التي تقصف، والجنود الذين يتحركون لحماية الوطن وفرض واقع جديد في المنطقة، لابد من رؤية وتصور وخطاب يواكب ويصحح ويدقق ويشرح، إنها ماكينة الدولة الكبرى التي تريد العمل خارج حدودها، وحماية نفسها والدفاع عن مكانتها، وهذا ما يستوجب المراجعة والمشاركة والتفكير، وكل البوادر تؤشر إيجابياً على أننا نسير في هذه الطريق.

(العرب القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة