السعودية وتركيا تحديات الماضي وشراكة المستقبل

خص الملك سلمان زيارة أنقرة قبل يومين من انطلاق مؤتمر قمة "منظمة التعاون الإسلامي" وفي ذلك دلالة كبيرة.

الأربعاء، 13-04-2016 الساعة 14:20


خص الملك سلمان بن عبد العزيز، زيارة أنقرة قبل يومين من انطلاق مؤتمر قمة "منظمة التعاون الإسلامي" في إسطنبول، في دورتها الثالثة عشرة، 14و15/ نيسان/أبريل 2016، وفي ذلك دلالة كبيرة، حيث إن تحسن العلاقات بين البلدين آخذ بالازدياد والتوسيع والتوثيق، وقد بدأت تأخذ زخمها الجديد بعد تولي الملك سلمان الحكم قبل عام ونيف تقريباً، وكان الرئيس أردوغان، قد زار السعودية عدة زيارات بعد تولي الملك سلمان، كان آخرها في الأيام الأخيرة من العام الماضي، ووقع مع الملك سلمان على تأسيس مجلس تعاون إستراتيجي، ومن المتوقع أن يتم في هذه الزيارة تأكيد مؤسسات هذا المجلس، وتأسيس لجانه الوزارية المختصة، بما فيها لجان التعاون في الصناعات الدفاعية العسكرية بين البلدين، إضافة إلى شراء السعودية كميات كبيرة من الأسلحة الدفاعية التركية، وتوقيع عقود مجمعات سكنية كبيرة في المملكة العربية السعودية، تقوم الشركات التركية بتنفيذها في الأشهر القادمة.

إن الزيارات السعودية والتركية المتبادلة تؤكد أهمية التعاون المشترك في كل المجالات التي تقوي اقتصاد كلتا الدولتين، وبالأخص التقدم في بناء صناعات عسكرية متطورة في مجال الصناعات الدفاعية الأساسية، وهذا تعاون يحمل مؤشرات مهمة على أهمية المشاركة في تحالف سعودي تركي يحمي استقرار المنطقة أولاً، ويحافظ على الأمن القومي العربي والتركي والإقليمي ثانياً، ويدافع عن أمن الدولتين، وما بينهما من جغرافيا عربية وإقليمية، من التهديدات الخارجية ثالثاً، وبالأخص بعد أن أخطأت الدولة الإيرانية كثيراً في سياساتها التوسعية في السنوات الثلاث عشرة الماضية، بانتهاك الأمن القومي العربي والتركي في العراق أولاً، وبعدها في سوريا منذ عام 2012، وبعدها في اليمن منذ عام 2014، فضلاً عن انتهاكات إيرانية طائفية عديدة في دول مجلس التعاون الخليجي، منها حرق الحرس الثوري الإيراني للسفارة السعودية في طهران، ما اضطر دول مجلس التعاون الخليجي، ومؤتمر وزراء الخارجية العرب إلى اعتبار العديد من التنظيمات والأحزاب السياسية والعسكرية، التي تعمل بأجندة الحرس الثوري الإيراني؛ أنها تنظيمات وأحزاب إرهابية، بما فيها حزب الله اللبناني.

إن السعودية، ودول مجلس التعاون الخليجي، بحاجة إلى دعم تركيا في مواجهة أخطاء السياسة الإيرانية في البلاد العربية والخليجية، وهذا الدعم التركي متوفر، ومقتنع بما تشكو منه السعودية، وبالأخص بعد اضطرار السعودية، ودول عربية وإسلامية عديدة، إلى دخول "عاصفة الحزم" في اليمن؛ لاستعادة الشرعية بعد الانقلاب الحوثي على الشرعية في اليمن، بتاريخ 21/9/2014، فقد كان الموقف التركي واضحاً وصريحاً وداعماً لعاصفة الحزم، بل ومندداً بالسياسة الطائفية التي تنتهجها القيادة الإيرانية، وقد حمّلها الرئيس التركي أردوغان مسؤولية حالة عدم الاستقرار في المنطقة، ودعا إيران إلى انتهاج سياسة جديدة أكثر استقراراً وحكمة في المنطقة.

أي إن اللقاء السعودي التركي ضروري جداً في هذه المرحلة، بعد عبث إيراني طائفي في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، والخليج، دام أكثر من ثلاثة عشر عاماً، وخلّف وارءه أضراراً كبيرة، قتلت فيه إيران أكثر من مليوني عربي مسلم في العراق وسوريا واليمن، ودمرت اقتصاد هذه الدول، وللأسف، بدل اعترافها بأخطائها؛ تباهى مسؤولون سياسيون إيرانيون بالسيطرة على أربع عواصم عربية، كل ذلك يفرض على القيادتين أولاً أن يضعا حجر الأساس؛ لوضع استراتيجية أمنية؛ لحماية المنطقة من كل تهور أمني يمكن أن تقدم عليه السياسات الخاطئة في المنطقة، وبالدرجة الأولى الأخطاء المتراكمة للقيادة الإيرانية المتهورة.

إن من المؤمل أن تكون زيارة الملك سلمان لتركيا، لإعلان ما كان غير معلن، من تعاون ولقاءات بين مسؤولي البلدين، وأن تكون هذه الزيارة تدشيناً حقيقياً لمجلس التعاون السعودي التركي، الذي تم الاتفاق على إنشائه خلال زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الأخيرة إلى السعودية، فالعلاقات بين البلدين هي علاقات تكامل، أكثر منها علاقات مميزة، والرؤية الإستراتيجية متطابقة بين البلدين فيما يتعلق بأمن واستقرار المنطقة، والحرب على الإرهاب في إطار التحالف الإسلامي.

وقد مثل الملف السوري مسألة قلق شديد لكلتا الدولتين في السنوات الماضية، فضلاً عن الملف العراقي، وقد شعرت السعودية وتركيا أن كل الدول التي تدخّلت عسكرياً في سوريا؛ لم تسطع أن تقدم حلاً سياسياً، ولا عسكرياً للأزمة السورية؛ لأنها كانت تحاول أن تفرض حلاً ضد إرادة الشعب السوري، فالشعب السوري ثار ضد مظالم الطائفية داخل المجتمع السوري، فكيف يقبل بها طائفية إقليمية سعت إيران لفرضها على سوريا ولبنان منذ سنوات؟ ولذلك فشل التدخل الإيراني العسكري في فرض رؤيته على السوريين، بالرغم من زجه لمقاتلي حزب الله اللبناني، ومقاتلي الحرس الثوري الإيراني، والجيش الإيراني نفسه، لكنه فشل في أن يقمع الثورة السورية، ويفشل في أن يشكل تابعاً عسكرياً يغطي على قصف الجيش الروسي لمواقع المعارضة السورية، بعد تدخله العسكري بتاريخ 30/9/2015، ما جعل الروس ينسحبون من سوريا وهم فاقدو الثقة بجيش الأسد، وجيش إيران، وميليشيات حزب الله اللبناني، وغيرها من المتطوعين الطائفيين.

ولكن بوتين اعترف بهزيمته بانسحابه سريعاً، وبقي خامنئي يكابر، ويأمل أن تمنحه أمريكا فرصة أخرى لتثبيت وجوده، وبالأخص بعد فشل الأحزاب الإرهابية؛ مثل قوات سوريا الديمقراطية، وحزب الاتحاد الديمقراطي، وقوات حماية الشعب، من تحقيق انتصارات سريعة وكبيرة يعول عليها، وفي نفس الوقت تجد أمريكا حرجاً، وصعوبة كبيرة في التعاون مع تلك التنظيمات الإرهابية؛ بحكم أن الحكومة التركية ترفض هذا التعاون بين أمريكا والأحزاب الإرهابية، التي تهدد الأمن القومي التركي أيضاً.

والملف الآخر الذي لا يقل خطورة عن الملف السوري هو الملف العراقي، وتحديداً في عملية تحرير الموصل، وما يتم التحضير له من الحكومة العراقية الطائفية، التي ترفض أن يكون تحرير الموصل على أيدي العشائر العراقية العربية السنية، التي ترفض أن يتم التحرير على أيدي الحشد الشعبي الطائفي، الذي تصر الحكومة العراقية على اعتباره حزءاً من قوات الأمن الرسمية، بينما هو فصيل عسكري طائفي، يرتبط بقوات بدر، وتشرف عليه قيادات إيرانية، على رأسهم الجنرال، قاسم سليماني، كما أن قوات تابعة لحزب الله اللبناني تقاتل في العراق لصالح الحشد الشعبي الطائفي، باعتراف حسن نصر الله، زعيم حزب الله اللبناني، وموقف السعودية وتركيا متوافق أيضاً برفض مشاركة الحرس الثوري الإيراني، والحشد الشعبي في استعادة مدينة الموصل من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، وهذا ما يتطلب أن تتشارك الدولتان السعودية والتركية في الضغط على وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون؛ بأن تكون جادة وحازمة في منع مشاركة الإيرانيين، والحشد الشعبي، في عملية تحرير الموصل، بغض النظر عن موقف الحكومة العراقية، التي لا قرار لها إلا بما تأمر به القيادة الإيرانية في طهران.

إن القمة السعودية التركية هي أمام مرحلة جديدة قادمة، لا بد أن تظهر قوة وحزماً، وسياسة إقليمية جديدة، وتعاوناً إسلامياً مختلفاً عن السابق؛ لمواجهة التحديات في المنطقة والعالم الإسلامي في المستقبل، دون الحاجة إلى اعتبار ذلك تحالفاً ضد الشعب الإيراني، ولا المذهب الشيعي الزيدي، أو الرافضي، أو العلوي، أو غيره؛ لأن التحالف هو ضد السياسات الخاطئة لإيران في السنوات الماضية، والسعودية وتركيا لا تسعيان إلى معارضة المصالح المشروعة لإيران في المنطقة، سواء كانت مصالح تجارية، أو ثقافية، أو سياحية، أو غيرها، ولكنها ينبغي أن تمنع السياسات الخاطئة للقيادة الإيرانية؛ لأنها أضرت بالمطنقة كثيراً، وأزهقت أرواح ملايين المواطنين العرب بغير وجه حق، وهو ما ينبغي أن تتحمل إيران مسؤوليته الأخلاقية والقانونية والدينية، وهذا ما ينبغي أن تتم الإشارة إليه في مؤتمر القمة لمنظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول، حتى يكون الشعب الإيراني نفسه على معرفة بالأخطاء التي اقترفتها القيادة الإيرانية المعاصرة، سواء من القيادة السياسية التي ينتخبها الشعب الإيراني، أو قيادته العسكرية من الحرس الثوري الإيراني، والتي يختارها المرشد خامنئي؛ لتصدير الثورة في البلاد العربية، مهما اقترفت من جرائم ومجازر وانتهاك للحرمات، فالشعب الإيراني مطالب بأن يكون له موقف من سياسات قيادته الخاطئة في المنطقة، وفي بلاده أيضاً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

واشنطن | ترامب: تركيا أظهرت أنها ليست صديقاً جيداً بعد احتجازهم رجلاً بريئاً