السلفية الليبرالية.. والسلفيون الجدد

لقد توسع أتباع السلفية (الليبرالية) هؤلاء في مفهوم طاعة ولي الأمر، وأعلنوا عن دورهم كمحلل شرعي بين الحكومات المتسلطة والشعوب المقهورة.

الثلاثاء، 06-09-2016 الساعة 12:50


قبل الحديث عن السلفيين، من أي تيار كانوا، لا بد لنا من أن نؤشر، بوضوح، على حالة خطيرة تستوجب مراجعة جريئة وعميقة من أبناء الأطياف التي يمثل مجموعها ما اصطلح عليه تسمية (السلفية)، وتتمثل هذه الحالة في التناقض الكبير في الناتج الذي خرج من وعاء الدعوة السلفية -أو تدثر بعباءتها وتبنى موروثاتها وآراء فقهائها ومفكريها القدماء والمعاصرين- حتى إننا لنعجب ونحن نرى أقصى اليمين المتشدد (تنظيم "الدولة" المعروف بـ"داعش"، وجبهة النصرة وتنظيم القاعدة) وأقصى اليسار السلفي كـ(حزب النور وجماعة ربيع المدخلي وغيرهم) يدّعيان الانتماء إلى مدرسة كبيرة واحدة، ويسندان الرؤى والمواقف والاجتهادات الشرعية التي توصل إليها الى الفقهاء أنفسهم (كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم…)، رغم التناقض الصارخ في مواقف الطرفين وخطابيهما! فأي الفريقين هو الذي يمثل امتداداً لمنهج السلف؟ أم أنهما نتاج لخلل عميق في المنهج العام للمدرسة السلفية المعاصرة؟

أياً تكن إجابة السؤال أعلاه -بعد إجراء المراجعات العميقة- فإنها ستكون نافعة في طريق تقويم التوجه وتصحيح المسار، وهو أمر لا بد منه إن كانت السلفية المعاصرة تسعى فعلاً للاستمرار، وتعمل على خدمة الدعوة والأمة، وتهدف إلى التمثل والتمسك بنقولات وأحوال السلف الصالح رحمهم الله، وإلا فإننا سنفيق على يوم لا تشترك فيه السلفية المعاصرة مع (السلف الصالح) إلا بالاسم وبعض الرسم.

وإذا كانت دراسات ومقالات كثيرة تحدثت عن التنظيمات التكفيرية والفصائل والمليشيات المتشددة القابعة في أقصى اليمين، فإن الطيف (السلفي) الذي اتخذ أقصى اليسار موضعاً له –ليمثل السلفية التي تبحث عن مخرج من الأزمة الحقيقية التي نتجت عن السلفية التقليدية، وكل المنظمات المتطرفة التي خرجت من عباءتها- واختار الاصطفاف مع السلطات، والتماهي معها أحياناً، هذا الاتجاه لم ينل حظاً لدى الباحثين والكتاب والمفكرين لمساعدة أبناء الطيف السلفي في اكتشاف ومعرفة أخطائهم.

لقد توسع أتباع السلفية (الليبرالية) هؤلاء في مفهوم طاعة ولي الأمر، وأعلنوا عن دورهم كمحلل شرعي بين الحكومات المتسلطة والشعوب المقهورة، مهما كان التناقض صارخاً بين ما يحمله الواقع عند بعض السلطات اليوم، وما كان عليه السلف الصالح من أفعال وأقوال وأحوال وأفهام واجتهادات فقهية!!

لعل من اللافت للنظر هنا أيضاً، اشتراك السلفية الليبرالية مع السلفية المغالية المتشددة في الكثير من الصفات، فكلتاهما تعمل على احتكار الحقيقة، وادعاء الصواب، وأحادية فهم نصوص الوحي، وخصوصية الاصطفاء، واحتكار مفهوم "الفرقة الناجية"، وإقصاء المخالف المستند إلى فهم أو تفسير آخر للنصوص ذاتها!

إن هاتين الصورتين المتضادتين وما بينهما من أطياف (سلفية) متعددة -بعضها أقل بعداً عن سلف الأمة وخلَفِها من بعض- تؤكدان وتؤشران إلى وجود أخطاء وإشكالات بنيوية تحتاج إلى نية صادقة متجردة يتبعها جهد بحثي يغوص في أعماق السلفية المعاصرة ويبحث في جذورها؛ سعياً لتفكيك هذه الإشكالات ومعرفة أسبابها الأولية والتراكمية، وصولاً لمعالجة قادرة على إعادة بناء تيار يستوعب التجربة التأريخية للسلف الصالح، بعيداً عن التنميط والقولبة وتوهم القدرة على استدعاء، وإعادة إنتاج النموذج التأريخي، وينفتح على فهم متجدد للنصوص يسمح بتكييفها وتنزيلها على الواقع بما يسهم في عمارة الأرض وتحقيق الشهود الحضاري المتأتي من بديهية التكليف والاستخلاف، بدلاً من محاولات البعض العبثية جرَّ الواقع إلى الماضي وما يفرضه ذلك من صنمية في الانقياد ونمطية في التقليد والاجتهاد.

لقد ظهر لافتاً اهتمام بعض الدوائر الغربية بالتيار الليبرالي السلفي، ومحاولة دعمه والترويج له، كما جاء في التقارير الأخيرة الصادرة من مؤسسة راند الأمريكية في هذا المجال، حيث دعت بوضوح إلى تبني خطاب ربيع المدخلي ودعم توجهه الذي يمثل إسلاماً مناسباً للغرب ورؤيتهم للمنطقة الإسلامية.

حزب النور المصري هو الآخر يحظى بقبول لا يقل، وربما يفوق ما يحظى به المدخلي وجماعته، خصوصاً مع اللقاء الأخير الذي حصل قبل شهر تقريباً، بين تسيبي ليفني التي شغلت منصب وزير الخارجية السابق في حكومة الاحتلال في تل أبيب، ونادر بكار المتحدث الرسمي باسم حزب النور، وذلك على هامش محاضرة للوزيرة ليفني في جامعة هارفارد الأمريكية الشهيرة.

الأمريكان سبق أن اهتموا بجماعة سلفية في العراق إبان الاحتلال الأمريكي للعراق، عندما دعمت قوات الاحتلال (أبو منار) العلمي وجماعته، وهيأت له الحماية الكافية ليتحرك براحته، في مقابل أن يعد قادةَ الاحتلال وحكومة بغداد التي نصبها بريمر ولي أمر شرعياً، لا يجوز مقاتلتهم أو الخروج عليهم!!

الغريب، أن هذا التيار لشدة التصاقه بالدوائر السلطوية يظهر عليه تناقض كبير أحياناً، كما حصل مؤخراً مع دعوة ربيع المدخلي لـ(الشباب السلفي) في ليبيا لحمل السلاح في مواجهة ثوار بنغازي، وتهجمه على الشيخ صادق الغرياني رئيس مجلس الإفتاء في ليبيا!! بحجة أنه يقود توجهاً إخوانياً، لا يقل خطراً على الأمة -من وجهة نظر المدخلية- من خطر (الرافضة) وأخطر من القوى التي تعمل على أرض الواقع الليبي نيابة عن أجندات خارجية لا تخفى.

وكان محمد بن هادي، شقيق ربيع المدخلي، أعلن عن تأييده اللواء خليفة حفتر، وتحدثت تقارير عن مشاركة بعض الشباب من أتباع المدخلي في القتال الدائر في ليبيا وتلقيهم الدعم من حكومة عبد الفتاح السيسي حاكم مصر.

إنها إذن سلفية تُصنع على عين الغرب لتقدم إسلاماً ليبرالياً (منزوع الدسم)، إسلاماً يتوافق مع مقاسات الغرب والحكومات التابعة والمتحالفة معه في المنطقة، ينادي بالسلمية الكاملة ولا يشحذ لسانه وسنانه يوم يشحذهما، إلا بوجه بقايا القوى الحية في الأمة.

إنه إسلام منزوع الدسم ما زال يحدثنا عن حكم أخذ الصور الفوتوغرافية ولا يأبه لدماء آلاف من المسلمين سالت من الأجساد (الحية) في ميدان رابعة والقائد إبراهيم، ويبحث في طول الثوب والسروال الذي تحته ولا يبالي بثياب الأكفان التي يقتل بها الأبرياء، ويرفض وضع صورة لمرشحة الحزب للبرلمان ويصمت عن اغتصاب الحرائر في سجون (ولي الأمر)...

إنه إسلام يعيد علينا بضع عشرات من المسائل الخلافية، يذكي نارها كلما خمد أوارها، تاركاً الحديث عن سبل نهضة الأمة وتطوير خطابها ومناهجها التربوية وبرامجها التعليمية، ومعرضاً عن تحديد طرق ووسائل التواصل الملائمة مع الدائرة الحاكمة بلا إفراط يسلم لهم بالطاعة في المعروف والمنكر، مع أن الهدي النبوي حصر الطاعة في المعروف ولم يجعلها مطلقة تُسيَّر وفق أهواء الحاكم، ولا تفريط يكفرهم ويخرج عليهم لأفعال تبدر منهم لا تستوجب الخروج والتكفير.

إنه إسلام حجَّر على النص وجمَّد العقل وأخمد العواطف والمشاعر، وحوّل نصوص الوحي المفعمة بالحياة إلى صور ورسوم ومراسم شكلية ومواعظ باردة، وذلك أقرب إلى ما يريده أعداء الأمة وخصومها، لا إلى نهج السلف الصالح وروح الدعوة السلفية التي برعت في إنزال نصوص الوحي على الواقع لأجيال متعددة، بما جعل واقعهم صالحاً للشهادة على الناس، وتشكيل الصورة المعيارية التي كان أبناء أمم وشعوب الأرض يقيسون أنفسهم عليها ويقيّمون أداءهم ودرجة تطورهم بالقياس إليها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة