السياسة الأمريكية وإشعال الحروب الكردية

أمريكا استغلت الرغبة الإيرانية التوسعية وشجعتها أو تغاضت عن سلوكها الطائفي في الشرق الأوسط.

الاثنين، 15-06-2015 الساعة 10:16


يبدو أن طموح السياسة الأمريكية قد تتطور كثيراً في السنة الأخيرة عما قبلها من سياسات، فالسياسة السابقة التي تزعمتها وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس كانت بهدف خلق ما أطلقت عليه "الفوضى الخلاقة"، حتى إن البعض ذهل عند اندلاع ثورات الربيع العربي خوفاً من أن تكون هذه الثورات جزءاً من الفوضى الخلاقة التي سعت لها السياسة الأمريكية بكل صراحة، ولكن وبعد ظهور عمليات القتل الممنهج والعنف الرسمي الذي قامت به الدول العربية الرسمية ضد شعوبها، أدركت السياسة الأمريكية أن الفوضى الخلاقة أصبحت من التاريخ، وأن المرحلة الحاضرة هي مرحلة إشعال الحروب الصغيرة والمتوسطة في الشرق الأوسط، والتي يمكن التحكم بها عن طريق دعم طرف منها وتحجيم الآخر، مع تبادل أدوار هذه العملية مهما كانت مكشوفة ومفضوحة أمام العالم أجمع، وهو ما تمثل في السياسة الأمريكية في سوريا في السنوات الأربعة الماضية.

لقد وجدت الولايات المتحدة في قسوة النظام السوري برئاسة بشار الأسد ما لم تكن تتوقعه في عمليات قمع الشعب والقتل بكل قسوة وبكل أنواع الأسلحة ضد المعارضة السورية، وكذلك وجدت نوعاً مشابهاً في محاولة القذافي في قمع الثورة الليبية، وكذلك عمليات قتل وحرق الشعب المصري في ميدان رابعة والنهضة وغيرها في الانقلاب السيسي في مصر، ولذلك أصبحت السياسة الأمريكية هي التعامل مع الحروب وليس مع السياسة، وهذا ما جعل أمريكا تهيئ الظروف للاقتتال العسكري في اليمن، فهي حاولت تأخير "عاصفة االحزم" في اليمن كثيراً، حتى تكون مهمتها صعبة عند انطلاقتها الحتمية بالنسبة للسعودية ودول الخليج، طالما أن أمريكا لم تردع التهور الإيراني في البلاد العربية وجنوب الجزيرة العربية، فما جرى في الحركة الحوثية في اليمن كان بلا شك يدخل ضمن التنسيق المسبق مع الرؤية الأمريكية والإيرانية بإمكانية إضعاف البلاد العربية، وتحويل اقتصادها لتمويل الحروب المشتعلة فيها، فأمريكا استغلت الرغبة الإيرانية التوسعية وشجعتها أو تغاضت عن سلوكها الطائفي في الشرق الأوسط، طالما هو بعيد عن الولاية الأمريكية في الشرق الأوسط المسماة بالدولة الإسرائيلية.

هكذا استغلت أمريكا الأطماع الإيرانية في تشجيع الحروب الطائفية، واستغلت أمريكا ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" داعش في إشعال حروب جديدة يتورط فيها العرب في الحروب بين مذاهبها السنية أيضاً، فضلاً عن الحروب الطائفية مع الدولة الإيرانية على الأراضي العراقية منذ عام 2003 على أقل تقدير، وأخيراً سعت أمريكا في السنة الأخيرة لإشعال حروب قومية بين الأكراد والأتراك والعرب، فحاولت استغلال قضية عين العرب (كوباني) لتوريط تركيا في حرب قومية مع العرب ومع الأكراد، ولكنها فشلت في ذلك، ولذلك لجأت أمريكا إلى جلب طرف آخر يخوض هذه الحروب القومية مع الأتراك والعرب وهم أبناء القومية الكردية، فاستغلت أمريكا التحالف ضد داعش ودفعت بالعديد من القوات العربية والكردية والشيعية والسنية للاقتتال فيما بينها.

فبحجة محاربة داعش تقوم الآن قوات التحالف الدولي بدعم وحدات الحشد الكردي التابعة للحزب الديمقراطي الكردي (PYD) باحتلال القرى العربية وإحراقها وتهجير أهلها إلى خارجها، مما يضطرهم إلى اللجوء إلى تركيا، وهذا أمر يقلق تركيا ولا ترضى عنه، حتى لو كان هذا التهجير مؤقتاً كما يدعي أنصار القوات الكردية، إذ لو كان التهجير مؤقتاً لما قامت المليشيات الكردية بإحراق البيوت والقرى، ولا إحلال عناصر كردية للسيطرة عليها بعد تهجير أهلها، فخلال يوم واحد عبر نحو أربعة عشر ألف عربي سني سوري إلى تركيا هرباً من المليشيات الكردية التي أحرقت منازلهم وقراهم، وما يزعج تركيا أكثر أن قوات التحالف الدولي تدعم المليشيات الكردية بهذه الاعتداءات وهي تعلم أن الأكراد يهاجمون السكان الأصليين من العرب السنة والتركمان السنة في هذه المناطق وليس تنظيم داعش فقط، وسكوت الولايات المتحدة الأمريكية على ذلك ودعمها للأكراد يعني أن أمريكا تفتح مشروع حروب جديدة في المنطقة أولاً، وتدفع شباب وسكان تلك المناطق من العرب السنة إلى الانضمام إلى داعش لحماية أنفسهم من مليشيات الحشد الشعبي الكردي، أي أنها تضطر العرب والتركمان إلى التحول إلى داعش رغماً عنهم، كما حصل مع كثير من السكان شمالي سوريا والعراق، وبالتالي استمرار المعارك في هذه المناطق لسنوات وعقود طويلة.

إن الذي يقلق تركيا هو أن التحالف الدولي الذي يدعي محاربة داعش لا يقدم مساعدات إلا للأكراد، ويعمل على تهجير السكان العرب السنة من أجل الأكراد، وهذا مرفوض، لأن هذا الدعم الغربي يكشف عن نوايا أمريكية وغربية لإقامة كنتون أو كيان كردي رغماً عن أهل المنطقة وسكانها من السوريين، ولذلك فإن تركيا قد تضطر في هذه المرحلة إلى إغلاق الحدود مع سوريا في هذه المناطق، بهدف أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته الإنسانية والقانونية، فإذا كانت أمريكا تريد أن تطمع الأكراد بكيان كردي فإن ذلك مدعاة إلى الأخوة الأكراد أن يتفكروا بالأمر كثيراً، لأن أي كيان يمكن أن تقيمه أمريكا ودون موافقة الشعب السوري ودول المنطقة بما فيها تركيا، فإن هذا الكيان سيكون كياناً مرفوضاً من الجميع، ولن تستطيع أمريكا حمايته أمنياً، وإنما ستعمل لجعله بؤرة مشتعلة لسنوات قادمة، أي أنها تريد توظيف أبناء القومية الكردية في إشعال حروب مستدامة في المنطقة، وهذا ليس في صالح الشعب الكردي ولا شعوب المنطقة.

إن الهدف الذي تسعى له أمريكا تغيير الشكل القومي في شمالي سوريا بهدف أن تصبح بؤرة صراع قومي هو الآن كردي عربي، ولكنه قد يصبح لاحقاً كردياً تركياً أيضاً، وهو ما تسعى تركيا إلى منعه بجدية، فلا بد أن يكون تأسيس كيان كردي في شمال سوري بالتوافق بين أبناء الشعب السوري أنفسهم، فإذا وافق الشعب السوري على هذا الكيان الذاتي أو المستقل فإن تركيا سوف توافق على هذا الخيار السوري المحض، ولكن هذا القرار السوري لا يمكن التحقق منه في ظل الحرب القائمة في سوريا اليوم، وبالتالي فإن الخطوة الضرورية هي معالجة الأزمة السورية أولاً، وذلك بإنهاء عصر أسرة الأسد بأسرع وقت ممكن، وهذا يتعارض مع الاستراتيجية الأمريكية التي تشتغل على توسيع رقعة إشعال الحروب وليس تحجيمها، وبالتالي فإن الاستغلال الكردي للأزمة السورية سوف يكون مشروع انتحار للأكراد أولاً، وسوف يخلق مزيداً من المتاعب ولا يعالجها الآن.

إن محاولة الأحزاب الكردية تغيير البنية الديمغرافية في شمالي سوريا لا يفيد الأكراد في شيء، فعناصر الحزب الكردي الديمقراطي تقوم الآن بالسيطرة على المناطق التي يفر منها سكانها، وتقوم بعملية تطهير عرقي مخالف للقانون الدولي، ولذلك لن يكتب لها النجاح، فالهجمة الكردية على القرى العربية تدل على مشروع سياسي، وتركيا أصبحت محرجة، بين نار داعش ونار الأكراد، فإذا لم تستقبل اللاجئين فسوف يذهبون إلى داعش، وإذا سمحت للاجئين بدخول تركيا فإنها تكون قد ساعدت المشروع الكردي الفاشل رغماً عنها، ولذلك فان العمل ينبغي أن يتحمله المجتمع الدولي، والدول العربية التي تواجه الحروب الطائفية في اليمن، ولكنها مطالبة أيضاً أن تلتفت إلى معاناة العرب في شمال سوريا أيضاً، فالأمر يحتاج إلى تعاون عربي وتركي ودولي لوضع حد لسفك الدماء في المنطقة، ونقطة البداية ينبغي أن تبدأ بإنهاء الصراع في سوريا.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة