الشام واليمن والعراق.. التفكير خارج الصندوق

عدم ثقة الملك سلمان بن عبد العزيز باجتماع كامب ديفيد ونتائجه هو ما دفعه إلى عدم الحضور، في حين فضل ملك البحرين حضور عرض للخيول.

الاثنين، 18-05-2015 الساعة 08:28


لا يزال كثير من الناس يحرصون على فهم ما يجري في المنطقة وتحليله بأدوات تاريخية عفى عليها الزمن، وأكل عليها الدهر وشرب، ولا يزالون يشدون كل تحليلاتهم إلى داخل الصندوق بمعنى فهم ما جرى ويجري وسيجري من خلال الدولة، والتأثيرات الدولية والنفوذ الإقليمي وسياسات الكبار ونحوها من مصطلحات الحرب الباردة وما قبلها وما بعدها، ولكنهم يجهلون تماماً أن العالم العربي بعد ربيعه الذي طال ليس هو نفسه قبله، وعليه ظهر اللاعبون غير الحكوميين في العراق والشام واليمن وغيرهم، ومثل هؤلاء اللاعبين الجدد لهم من النفوذ والتأثير على بلدانهم وحتى على سياسات الدول أكثر من اللاعبين الحكوميين، وإلا فبماذا نفسر ما جرى من انتصارات في إدلب وجسر الشغور ومن قبلها درعا وحلب وغيرها، حين قرع أجراس البيت الأبيض والأحمر والأسود بطهران تجاه هذه التغيرات الاستراتيجية لاقتراب الثوار من الساحل معقل الطائفة العلوية وخزانها البشري في الحرب المشنونة على الشعب السوري منذ خمس سنوات، وهو ما دفع إلى طيران وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى موسكو للتوصل إلى حل تسووي يضمن عدم انتصار الثوار عسكرياً على الأرض، لكن لا يزال كيري وغيره يظنون أن بمقدور موسكو إرغام العصابة في دمشق على التنازل؟!

أقول هذا من وحي منتدى الدوحة الذي حضرته وضم سياسيين حاليين ومتقاعدين وخبراء ونحوهم، التفتُّ لأحد أصدقائي لأبوح له بما ذكرته آنفاً، حدّق بي طويلاً قائلاً: "هذه إشارة مهمة لا بد من التفكير خارج الصندوق، بالفعل فالقوى اللاعبة لم تعد هي نفسها"، فلا يمكن حل مشاكلنا بالعقلية التي اعتدنا عليها حين صنعناها وخلقناها بأنفسنا أو بتدخلات غيرنا.

يأتي الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعد اجتماع كامب ديفيد ليجترّ الماضي الأمريكي بما يتعلق بالشأن السوري حين يقول: "إن الوضع في سوريا لن يُحل في زمن ولايتي"، وكأن الشعب السوري ينتظر ممن كذب على نفسه والعالم أكثر من مرة ورسم خطوطاً حمراء لطاغية دمشق، فكانت خطوط سماح بمواصلة مذبحة الشعب السوري بموافقة ضمنية من الأمريكيين، والسوريون كما هم غيرهم من العرب والمسلمين يستذكرون هنا مقولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه "فوت الحاجة أهون من طلبها من غير أهلها"، وحينها قد يصح قول دستوفسكي: "أحياناً لا تملك إلا أن تلعن"، فالثورات مثل الروايات كما قال الفيلسوف الفرنسي توكفل أصعب ما فيها نهاياتها؛ ولذا فإن شعوب الربيع العربي وثواره يجهدون لرسم النهاية المنطقية لثوراتهم التي حددها مفجرو ثورات الحرية والكرامة.

لعل عدم ثقة الملك سلمان بن عبد العزيز باجتماع كامب ديفيد ونتائجه هو ما دفعه إلى عدم الحضور، بينما فضل ملك البحرين حمد بن عيسى حضور عرض ويندسور للخيول بأمريكا على اللقاء مع أوباما وهو ما يعكس مدى الإحباط واللاثقة الخليجية بالوعود الأمريكية التي ظهر أنها تبحث أو بالأصح تحاول تظهير صداقتها القديمة السرية مع إيران على علاقاتها مع حلفائها العرب.

التفكير خارج الصندوق يقودنا إلى عدم تعويل الدول العربية وتركيا على الموقف الدولي الذي خذلهم كما خذل السوريين لخمس سنوات ومن قبلهم العراقيين واليوم اليمنيين، فالتفكير الجديد ملخصه أن إيران التي تدير معركة الموت وهي حرب بالوكالة عبر وكلائها من العصابات العراقية الطائفية، والنظام الطائفي بالإضافة إلى مليشياتها الأفغانية وحزب الله وغيرهما، وكذلك الحوثيين في اليمن، مثل هذه المعركة لا يمكن أن تجابه إلا بنفس الأدوات بحيث يتم تكثيف الدعم العسكري والسياسي والمالي للثوار على الأرض، لصدّ الطوفان الإيراني على تخوم بغداد ودمشق وصنعاء قبل أن يخترق حدود ما تبقى من دول عربية وإسلامية خارج السياسة العدمية الإيرانية وهي سياسة الخراب والدمار، وليكن الشعار داوها بالتي كانت هي الداء، وكما قال السيد المسيح عليه السلام: "رُدوا الحجر من الجحر الذي انطلق منه".

إن الداخل الإيراني يشي بتناقضات اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة، ولعل ما يحصل في الأحواز وبلوشستان وغيرهما قمة جليد هذه التناقضات التي بإمكان الدول العربية أن تستغلها من أجل تشكيل استراتيجية ردع حقيقية في مواجهة الغطرسة الإيرانية التي تعدّت وتجاوزت كل الحدود، وفاقت معها كل التصورات والخيالات، حتى في الأفلام الخيالية والهوليوودية، فدمرت أعظم بلدان حضارية في العالم العربي، العراق والشام واليمن، وبلا سياسة جادة وواضحة وعملية من قبل الدول العربية وتركيا فإن الصلف الإيراني سيمتد إلى بلدان أخرى لا سمح الله، وحينها ولات ساعة مندم.

في الشام والعراق واليمن لعل الشيء الوحيد الذي تملكه هذه الشعوب هو الوقت، ومن ملك وقته لا يضره أحد بإذن الله، فالوقت صديق الأحرار والثوار، بقدر ما هو عدو الاحتلال والغزاة، فالمعركة في جوهرها مع الاحتلال الداخلي أو الخارجي معركة معنوية وكسر معنويات، فقبل أن ينهزم المحتل مادياً ينهزم معنوياً؛ ولذا تنتصر الشعوب الحرة الثائرة على الجبروت الاحتلالي.

وأختم المقال بأبيات رائعة تختصر مشهدنا:

قال يا ظبي تمهل لي سؤال لو تشاء

كيف أعييتُ وما زلتَ نشيطاً ذا مضاء

قال فاعلم أيها المغرور يا صفر الذكاء

أنت للصياد تجري يا أجير الأوصياء

بينما أجري لنفسي ليس جريانا سواء

صحيفة العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة