الشراكة الغائبة بين الخليج وتركيا

يلمس المراقبون كيف تمضي تركيا في سياسة فتح البوابة على مصراعيها والتشبيك مع العالم فلا يسعها أن تتجاهل الخليج.

الخميس، 11-06-2015 الساعة 09:35


أثبتت الانتخابات العامة التركية أنها لم تعد شاغلاً لبلاد الأناضول وحدها، حتى أنّ وقائعها ولافتاتها تحظى في الخليج بمواكبة قد لا تحوزها جولات التنافس المحدودة على المجالس التمثيلية المتفرقة في أرجائه. لا يعود هذا لرسوخ التجربة الديمقراطية وحسب؛ وإنما يُعزى في الأساس لمكانة تركيا المتعاظمة في الإقليم والعالم.

لكنّ الانشداد العام في الخليج نحو التجربة التركية الصاعدة يثير تساؤلات عن غياب الرؤية الاستراتيجية الجامعة للعلاقة المتبادلة بين الجانبين. فليس سراً أنّ تصوّرات الخليج نحو تركيا ما زالت متفاوتة إلى حد التناقض أحياناً بين عاصمة وأخرى، ويبدو أنّ العلاقات مع أنقرة تم إخضاعها لمنطق المحاور المتعارضة الذي هيمن على المشهد العربي.

لا يعني إعراض الساسة عن تطوير العلاقات أنها تبقى ساكنة على أرض الواقع، فيكفي مثلاً أنّ تركيا باتت وجهة الخليجيين المفضلة في سياحتهم وأعمالهم واستثماراتهم، وأنّ الأتراك يقصدون المنطقة لمتابعة أعمالهم أو أداء شعائرهم. أما الإشعاع الثقافي التركي فيخالج المنطقة بأسرها، بينما تتنفس تركيا من فضاء أمتها العريضة كما لم يحدث منذ قرن من الزمان، متنازلة عن بعض العُقد البالية إزاء العرب.

قبل التسرع في الحديث عن بعث محور خليجي – تركي؛ ينبغي اعتبار الشراكة مع بعض الجوار الإقليمي مطلباً أصيلاً وليس حاجة طارئة في مواجهة بعضه الآخر؛ مثل إيران. فترميم الأواصر بين الأطراف ليس مطلوباً منه أساساً حشد الاستقطابات ضد أطراف أخرى، فمثل ذلك وحده لا يقيم علاقات عميقة كما لا ينهض بشراكات مستقرّة.

بوسع الخليج وتركيا تطوير صيغة متقدمة من التعاون والتبادل في عالم المصالح المتبادلة. ولا يصح بحال أن تبقى خيارات الخليج مبعثرة نحو تركيا، كما لا يُعقل أن يتغاضى راسمو السياسات في المنطقة عن أهمية تركيا المتعاظمة في الجوار الإقليمي والعالم.

ليس مطلوباً من الخليج الوقوف على أعتاب الباب العالي، كما لا يُرجى أن ترتدي القيادة التركية الشماغ، بيد أنّ العلاقات الخليجية – التركية عليها أن تتجاوز كثيراً من العوائق المفتعلة وتنحيتها جانباً. وما لم تتحرر النظرة إلى آسيا الصغرى من أعباء الأيديولوجيا أو وطأة الأحكام المسبقة فلا فرصة للحديث في الاستراتيجيات، كما أنّ أنقرة مدعوة لإدراك الخليج بما يتجاوز قدراته الشرائية أو مخزوناته من الطاقة.

من الدروس التي يجدر استلهامها، أنّ انزعاج بعض الأوروبيين من نمط القيادة التركية في عهد إردوغان لم يمنع قارتهم الموحدة من تعميق التبادل متعدد المجالات مع بلاد الأناضول، كما اتضح للجميع أنّ الإحجام عن استيعاب أنقرة ضمن الأسرة الأوروبية لا يعني حجبها عن امتيازات الشراكة.

يلمس المراقبون كيف تمضي تركيا في سياسة فتح البوابة على مصراعيها والتشبيك مع العالم، وعندما تولي أنقرة عناية متزايدة لبناء الجسور مع أرجاء آسيا وأعماق أفريقيا وبؤر العالم أجمع؛ فلا يسعها بأي حال أن تتجاهل الخليج وتشيح بوجهها عنه.

من حق العواصم الخليجية أن تسعى في تنويع شراكاتها الاستراتيجية وتقليص الاعتماد على المظلة الأمريكية، ومثل هذا يزداد إلحاحاً في عالم يعتبره بعضهم متعدد الأقطاب، ويراه آخرون بلا أقطاب أساساً.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة