الشعبُ التركي كأسنانِ المِشطِ ضدَّ الانقلاب

سيُسجلُ التاريخُ أنْ الإنقلابَ كانَ ضدَ الجيش والإعلام وضد إرادةِ الشعب وأن أردوغان أصبحَ أقربَ للشعبِ أكثر من ذي قبل.

السبت، 23-07-2016 الساعة 11:38


لم تكن ليلةَ السبتِ ليلةً عاديةً، بل ليلةً عصَفَتْ قلوبَ الآلافِ منَ العربِ قبلَ العجمِ، زمجرتْ قلوبَ الكارهينَ قبل المحبينَ لتركيا، ليلةُ الانقلابِ الفاشلِ كانتْ درساً من خمسِ ساعاتٍ لكنَّها اخْتَزَلت العِبَرَ لعشراتِ السنينَ المقبلةِ وأعطتْ موعظةً مفَادُها أنَّ الشُّعُوبَ هي الحَكَمُ وأنَّ النهضةَ بالأُمَمِ وأنَّ السِّيادَةَ والرِّيادةَ تكونُ للإنسانيةِ لا لِزَيفِ الانتصاراتِ بالسِّلاحِ وَحِفْظِ حقوقِ البشرِ، وأنَّ تحقيقَ الديمُقراطيةِ لا يأتي بانقلابِ الدباباتِ على صناديقِ الانتخاباتِ.

مشاهدُ كثيرةٌ احتوت على صور ستخلدها ذاكرةُ الشعوبِ المحبةِ للحريةِ والأمانِ، هذه الصور لايخلدها فقط شعبُ تركيا وإنْ كانَ هو مَن قد رسَمَها ولوَّنَها وأبدَعَ في إتقانِها لكي تَبُثَّ من خلالِ هذه المشاهِدِ شُعَاعَ الأملِ وخطواتِ النجاحِ للشعوبِ المَكْلومةِ وتتعلمَ منها كيفَ يتِمُّ الحفاظُ على وطنٍ حرٍ وآمنٍ لها يلمُّ تَشَرْذُمَها ويحرُسُ كرامتَها، وستخلِّدُها ذاكرتَنا وذاكرةَ الشعوب المحرومةِ من العيشِ في مظلةِ الوطنِ والذي يجبُ أن نموتَ من أجلِهِ.

وبينَ هذهِ المحطاتِ عاشتِ الشعوبُ ليلةً وهي تراقبُ خُصُومَ أردوغان قبل مؤيديهِ وكيف وقفت هذه المعارضة رافضةً الانقلاب، كيف رصَّتِ الصفَّ متناسيةً كلَّ الخلافاتِ من أجلِ الحفاظ على بلادهم وكأنهم سواسيةٌ كأسنانِ المِشْطِ في حبِّ وطنِهِم وشعبِهِم.

ما الذي قدَّمَهُ أردوغان لخُصومه على الرغمِ من عدمِ قناعتِهم بطريقةِ أداءِ إدارتِهِ للبلادِ حسْبَ مايدَّعونَ، ربما أقنَعَهُم بالخُطَّةِ الاقتصاديةِ الناجحةِ وكذلك الإنجازاتِ التي قدَّمها أردوغان والتي كانوا قد فقدوها إبَّانَ الحكمِ العسكريِّ وكيفَ أنَّهُ حققَ التقدمَ الاقتصاديّ للبلادِ حيث جعل تركيا البلد السادسَ عشر عالمياً من حيثُ النموِّ الاقتصادي، حيثُ نجحَ في جمعِ خُصومِهِ على نصرتهِ والوقوفِ بجانبهِ لم نشهد أبداً معارضة تقف بجانب الحزب الحاكم ضد انقلابٍ عسكري، فالمعارضة التركية وحزب العدالة جمعهما الوطنْ بعد أن كانت تُفرّقهم السياسة، مفاهيمُ غابتْ عن بَالِنا جعلها المشهدُ التركي حاضرةً من جديد في وعي المُشاهِد العربي.

حتى الجيشُ التركيُّ الذي كانَ له تاريخ انقلابي طويل في تاريخ البلاد والذي يُكِنُّ العِدَاءَ لحزبِ العدالةِ والتنميةِ بعد نجاحه في تقليص نفوذه السياسي بل وأخرجه من المشهد السياسي تماماً وأعاده لوظيفته الأساسية وهي حماية حدود البلاد، استطاع أردوغان كسب بعض ولاءاتِ الجيشِ من العسكرِ الذين قادوا البلادَ في السابِقِ.

فما الذي أزاح هذا الجبلَ الجليديَّ بين السلطةِ المدنيةِ وبينَ جنرالاتِ العسكرِ الذين تصادموا كثيراً مع توجهِ أردوغان، هؤلاء الجَنِرَالاتِ اعتبروا أنَّ الذين قاموا بانقلابٍ عسكري هم مجموعةً صغيرةً لا تمثلُ الجيشَ التركي ربما أدركوا في النهايةِ أن الخَلاصَ والعيشَ الرغيدَ لا يأتي بحكمهم للبلادِ، وكيف فهموا أن الدفاعَ عنِ الشعبِ هو بالحفاظِ على المدنيةِ وحقِّ انتخابِ الشعبِ لمن هو اختارهُ وصوّتَ لهُ لحكمهم.

حتى الإعلامُ جاءَ هنا مغايراً للصورِ التقليديةِ المُصاحِبة لكلِ عمليةِ انقلابٍ عسكري حيث يَستغِلُ فيهِ خُصُوم الحكومة ويبدؤون بالتطبيلِ والتزمير للانقلاب انتقاماً من السُلطةِ الحاكمة، إلا أنه في تركيا كان الأمر معاكساً تماماً وخاصةً الإعلام المعارض، لا بل الذي حرص على نقل خطاب الرئيس أوردغان عبر تطبيق "فيس تايم" هي القناة "أل أم تي في" التركية المعارضة وكذلك "سي إن إن" ترك حيث اضطر الانقلابيون اقتحام المَبنى للقناةِ لأنها نَقلتْ خِطابَ الرئيسِ أوردغان، حتى رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم حين أدرك صعوبة الوصول الى مبنى قناة "تي آر تي" الرسمية لجأ إلى المؤسسات الإعلامية للمعارضة ووجّهَ خطابهُ للشعب، هذا لأنَّ الإعلام التركي بصورةٍ عامةٍ والإعلام المعارض في تركيا بصورةٍ خَاصةً أدْرَكَ أنهُ غيرُ قادرٍ على التخلي عن الحريةِ غيرِ المشروطةِ التي نَالها في عَهدِ حزب العدالة والتنمية والعودة إلى حُكم البنادق وقَمعِ الحًريات وتَكمِيمِ الأفواه، من أَجلِ هذا حاول الإعلام التركي بكُلِ أطيافهِ الوقوفَ مُتماسِكاً مُحاوِلاً رَدمَ الصَدْعِ الذي ربما كان سيُدَّمِرَ البلاد والعباد.

حيث حاول جاهداً أنْ يُبقي ظهورَ الرئيس الشرعي مُتصلاً مع جمهورهِ وحريصاً على إرسالِ رسالتهِ وصوتهِ لشعبهِ، مُحاولاً التَغلب على كل الأساليبِ التقليديةِ، وبهذا الوعي ظَهرَ الإعلام التركي حائط صدّ لكلِ المُنتهكين لحقوق الحريات وكرامةِ الشعوب.

ومِنْ بَيْنِ هذهِ المَشاهد لصورِ الانقلابِ الفاشل في تركيا هو تجلي هَبَّة الشعب التركي الذي أَبى أنْ يَكونَ شَعباً مُتفرّجاً، أو أنْ يَقبَلَ حياةَ الذُل بعد أنْ عَرِف معنى امتلاك حِفظِ كرامةِ الإنسان، وعايشَ عَصرَ النهضة والإنجازات حيثُ قرّرَ الحِفاظ على رُموزهِ المُنتخبة وحَافظَ على مَسارِ الديمقراطيةِ، وواجهَ دبابات الانقلاب مُفترشاً الأرض بجسدهِ لِمَنعِ انتشار الإنقلابيين بآلياتهم في الشوارع، الشعب التركي طرد الانقلابين من أنقرة وإسطنبول، هذا هو خيارهُ الديمقراطي، برفضهِ للانقلابيين حَافظ الأتراك على الصحةِ والتعليمِ والاقتصادِ وحافظ على صورتهِ العظيمة القديمة الجديدة، ستُخلّد الذاكرة أن الاتراك احتشدوا كأنهم بنيانٌ مرصوصٌ من أجل عيشٍ رغيدٍ، دون أنْ يتنازلوا قَيْدَ أنملة عَنْ حَقِهمْ بالعيشِ بكرامةٍ وبالحفاظِ على سلطةٍ مدنيةٍ دستوريةٍ، ورفضِهمْ للأحكامِ العُرفيةِ، وكذلك ستُخلّد ذاكرتنا مقارعةَ الشعبِ لهذا الطغيان، وسيُسجلُ التاريخُ أنْ الانقلابَ كانَ ضدَ الجيش والإعلام وضد إرادةِ الشعب، وأن أردوغان أصبحَ أقربَ للشعبِ أكثر من ذي قبل.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة