الشعب العملاق

خلال ثوان ملأ المؤيدون والمعارضون الشوارع؛ هذا يرمي نفسه أمام الدبابة وآخر يفتح صدره أمام البنادق.

الثلاثاء، 24-01-2017 الساعة 15:45


سمعت فيما يقال إن السلطان محمد الفاتح زار إحدى الأسواق واشترى حاجة من أحد التجار، ولما أراد أن يبتاع لنفسه حاجة أخرى قال له التاجر: أنا استفتحت بك خيراً، فاذهب إلى جاري وخذ بقية متطلباتك منه، فهو لم يستفتح صباحه هذا، فتبسم السلطان الفاتح وقال: بمثل هؤلاء سأفتح القسطنطينية.

كنت أظن هذا الكلام من باب التفخيم لأبطالنا، وبأن فراستهم لا تخطئ، وأن هناك شعوباً في القمة وأخرى في السفح، وآخرين في الوادي، وكل فرد يدَّعي أنه من شعوب القمة، لكن شاء الله أن أكون شاهدة عندما حدثت عملية الانقلاب الفاشلة في تركيا، وكانت الأخبار والأحداث تترى، وأن الانقلاب سيحقق ما جاء من أجله. كانت بعض القنوات تتحدث من سيستلم الحكم، وأن حالة الطوارئ ستفرض، وأن العمل بالدستور سيجمد، وأن الجيش سيستلم زمام الأمور، و.. و.. و.. إلخ.

ومثلما أتحفتنا قناة "العربية" التي لا أعلم هدفاً لها ولا منهجاً، لكن فجأة يخرج الرئيس لعدة ثوان ويكتفي بطلب بسيط لم يتوقع أحد أنه سيُستجاب له؛ قال للشعب اخرجوا للشارع، ويبدو أنه يعلم جيداً من يخاطب! ويعلم جيداً أنه ينتمي لشعوب القمة؛ شعب السلطان محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية، ومنه جيش الفاتح الذي وصفه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بأنه خير أجناد الأرض، وخلال ثوان تمتلئ الشوارع، وتفرغ البيوت من أهلها؛ فهذا الذي يرمي نفسه أمام الدبابة، وآخر يفتح صدره أمام البنادق. الشعب كله؛ معارضون ومحبون، خرجوا ليدافعوا عن أرضهم، الصوت الذي لا يعلو عليه، صوت (الله أكبر).

اقرأ أيضاً

دول الخليج تسد نافذة "الحرب الاقتصادية" على تركيا

لم نسمع صوت بالروح بالدم نفديك (يا...)، ولم نسمع لأجلك أردوغان أو يلدريم أو أوغلو أو.. أو.. كان حب الوطن والأرض فقط، وكان الحس الوطني عندهم عالياً جداً، شعب أذهل العالم بحسن تصرفه وبرقي أخلاقه، وانقلب السحر على الساحر، واستطاع الشعب أن يحافظ على وطنه، وخابت كل خطط الانقلابيين التي من المؤكد لم تحسب حساب هذا الشعب العملاق.

ومرة أخرى نتابع الأخبار الاقتصادية، ونسمع من هنا وهناك عن مؤامرة اقتصادية على الليرة التركية، فتبدأ بالتراجع أمام الدولار الأمريكي، هذه المرة كنا نترقب ماذا ستكون ردة فعل الشعب التركي هل سيقبل على شراء الدولار؟ هل ستظهر شريحة التجار الحيتان ليحتكروا السوق ويزيدوا من تدهور الاقتصاد والليرة؟ ولكن هذه المرة أذهلنا الموقف أيضاً؛ الشعب كله يتلاحم ويتآزر في مواجهة المؤامرة الاقتصادية، فيوجه الرئيس التركي أردوغان رسالة أن استبدلوا تعامل الدولار بالذهب كما كان سابقاً، وانطلق المشاهير من الشعب التركي، فنانين وأدباء ونجوم رياضة وكتاباً، إلى التثقيف والدعوة إلى صرف الدولار وعدم الاحتفاظ به، فهبَّ الشعب بكل شرائحه إلى حملة تحويل الدولار إلى الليرة لتعزيز العملة الوطنية.

ومن اللافت للنظر أن رئيسة بلدية مدينة "أيدين" وهي من الحزب الجمهوري المعارض قامت بتحويل مبلغ ١٠٠٠ دولار إلى الليرة التركية! لم تفكر بأن انهيار الاقتصاد سيؤدي إلى انهيار السياسة، أو سقوط الحكومة التي تعارضها، بل فكرت أن انهيار الاقتصاد يعني انهيار البلد (شعب مذهل).

من المظاهر الأخرى التي برزت في الأسواق ظاهرة المحفزين؛ صاحب مطعم يقدم وجبة طعام لكل من يصرف مبلغ ٣٠٠ دولار، حلاق يتبرع بحلاقة مجانية لمن يصرف مبلغاً معيناً، حدَّاد يهدي سكيناً لكل من يصرف مبلغاً آخر، وهكذا، والقصص كثيرة ومبهرة لهذا الشعب العملاق الذي بذر في قلبي أمنية أن أربي ابنتي بينهم لعلها تتذوق طعم حب الوطن الحقيقي.


ملاحظة أخيرة: ربما يظن البعض أني أكتب هذا المقال لأني أحب تركيا أو حكامها، ولكن صدقوني أكتب للشعب الذي أذهلني والذي أتمنى أن نصل إلى درجة وعيه.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة