الشعب حين يقهر نفسه بنفسه.. "العبودية المختارة"

"الشعب حين يملك الخيار بين الرق والعتق فيترك الخلاص ويأخذ الغل".. هذه فكرة لكتاب (مقال في العبودية المختارة).

الخميس، 08-09-2016 الساعة 12:01


"الشعب حين يملك الخيار بين الرق والعتق يترك الخلاص ويأخذ الغل".. هذه هي الفكرة العامة لكتاب (مقال في العبودية المختارة) للمفكر والقاضي الفرنسي "أتين دي لابويسيه"، (1 نوفمبر/تشرين الثاني 1530 - 18 أغسطس /آب 1563) والذي يعد أحد أهم الكتب السياسية في التاريخ الأوروبي.

ويرى الكثير من المؤرخين أن هذا الكتاب هو الذي مهّد للثورات في أوروبا، خاصة الثورة الفرنسية. يتناول "لابويسيه" في هذا الكتاب قضية الاستبداد والخنوع، وقام المؤلف بتفكيك مذهل لآلية الطغيان حتى عدّه بعض المحللين أهم ما كُتب في تحليل الاستبداد. الغريب، أن "لابويسيه" سطر هذا الكتاب المدهش الذي غيّر وجه أوروبا في سن الثامنة عشرة من عمره!

الكتاب ترجمه للعربية مصطفى صفوان وقدم له المفكر الكبير جودت سعيد الذي قال ان هذه الـ" مقالة فى العبودية المختارة" متصلة برؤية آيات الأنفس - رؤية الآفاق والأنفس "سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم" [فصلت: 53]. ويعدها الأستاذ جودت سعيد "من آيات الله المفتاحية للدخول إلى عالم القرآن؛ لأن هذه الرؤية هي التي أدت إلى دخول الإنسان عصر التسخير بمعنى متقدم كثيراً، فبعد أن كان الإنسان يعتمد على عضلاته انتقل إلى الحصان ثم إلى الطاقة بمختلف أشكالها".

ويؤكد جودت سعيد أن "الذين كشفوا شيئاً من هذه السنن واجهوا صراعاً وخوفاً وطمعاً. خوفاً من جانب الذين يستغلون الجهل، وطمعاً من قِبل الذين يريدون رفع الآصار والأغلال عن الناس، ولا يزال الصراع على أشده في العالم كله".

سحر الطاغية

يفتتح "لابويسيه" كتابه بهذا السؤال: "لست أبتغى شيئاً إلا أن أفهم كيف أمكن هذا العدد من الناس، من البلدان، من المدن، من الأمم، أن يحتملوا أحياناً طاغية واحداً لا يملك من السلطان إلا ما أعطوه ولا من القدرة على الأذى إلا بقدر احتمالهم الأذى منه، ولا كان يستطيع إنزال الشر بهم لولا احتمالهم الصبر عليه بدل مواجهته؟". ويتعجب "لابويسيه" من أمر من ارتضى الخنوع قائلاً: "إنه لأمر جلل حقاً وإن انتشر انتشاراً أدعى إلى الألم منه إلى العجب - أن نرى الملايين من البشر يخدمون في بؤس، وقد غُلّت أعناقهم دون أن ترغمهم على ذلك قوة أكبر؛ بل هم (فيما يبدو) قد سحرهم وأخذ بألبابهم مجرد الاسم الذي ينفرد به البعض. كان أولى بهم ألا يخشوا جبروته، فليس معه غيره، ولا أن يعشقوا صفاته فما يرون منه إلا خلوه من الإنسانية ووحشيته".

ويري "لابويسيه" أن "ضعفنا -نحن البشر- كثيراً ما يفرض علينا طاعة القوة، ونحن محتاجون إلى وضع الرجاء في الإرجاء طالما لا نملك دائماً أن نكون الأقوى".

ويتساءل "لابويسيه" مرة أخرى: " كيف نسمى ذلك؟ أيُّ تعس هذا؟ أي رذيلة، أو بالأصدق أي رذيلة تعسة؟ أن نرى عدداً لا حصر له من الناس - لا أقول يطيعون؛ بل يخدمون، ولا أقول يُحكَمون؛ بل يُستبد بهم، لا ملْك لهم ولا أهل ولا نساء ولا أطفال؛ بل حياتهم نفسها ليست لهم! أن نراهم يحتملون السلب والنهب وضروب القسوة، لا من جيش ولا عسكر أجنبي ينبغي لهم الذود عن حياضهم ضده؛ بل من واحد لا هو بهرقل ولا شمشون، هو في معظم الأحيان أجبن مَن في الأمة وأكثرهم تأنثاً، لا ألفة له بغبار المعارك وإنما بالرمل المنثور على الحلبات (إن وطئها) ولا يحظى بقوة يأمر بها الناس؛ بل يعجز عن أن يخدم ذليلاً أقل أنثى!".

الشعب حين يقهر نفسه بنفسه

ويرى لابويسيه أن "الشعب هو الذي يقهر نفسه بنفسه ويشق حلقه بيده. هو الذي ملك الخيار بين الرق والعتق فترك الخلاص وأخذ الغل. هو المنصاع لمصابه أو بالأصدق يسعى إليه. فلو أن الظفر بحريته كان يكلفه شيئاً لوقفتُ عن حثه: أليس أوجب الأمور على الإنسان أن يحرص أكبر الحرص على حقه الطبيعي وأن يرتد عن الحيوانية ليصبح إنساناً؟ ولكنني لا أطمع منه في هذه الجرأة، ولا أنا أنكر عليه تفضيله نوعاً آمناً من أنواع الحياة التعسة على أملٍ غير محقَّق في حياة كريمة. ولكن! ولكن إذا كان نوال الحرية لا يقتضي إلا أن نرغب فيها، وكان يكفي فيه أن نريد - أكنّا نرى على وجه الأرض شعباً يستفدح ثمناً لا يعدو تمنيها، أو يقبض إرادته عن استرداد خير ينبغي شراؤه بالدم، ويستوجب فقده على الشرفاء أن تصبح الحياة مُرّة عندهم والموت خلاصاً؟"

ويؤكد "لابويسيه" أن الطغاة كالشرارة "تستفحل نارها وتعظم، كلما وجدت حطباً زادت اشتعالاً، ثم تخبو وحدها دون أن نصب ماء عليها، يكفي ألا نلقي إليها بالحطب؛ كأنها إذا عدمت ما تُهلِك، تُهلك نفسها وتُمسي بلا قوة وليست ناراً. كذلك الطغاة كلما نهبوا طمعوا، وكلما دمّروا وهدموا، كلما موّناهم وخدمناهم زادوا جرأة واستقووا وزادوا إقبالاً على الفناء والدمار. فإن أمسكنا عن تموينهم ورجعنا عن طاعتهم صاروا بلا حرب ولا ضرب، عرايا مكسورين لا شبيه لهم بشيء إلا أن يكون فرعاً عدمت جذوره الماء والغذاء فجف وذوى".

الشعوب حين تفقد عقلها

يحذر "لابويسيه" من سلب العقول وضياعها: "يا لذل شعوب فقدت العقل ويا لبؤسها! يا لأمم أمعنت فى أذاها وعَمِيت عن منفعتها! تسلبوننا أجمل مواردكم وأنتم على السلب عيان، تتركون حقولكم تُنهب ومنازلكم تُسرق وتُجرّد من متاعها القديم الموروث عن آبائكم! تحيون نوعاً من الحياة لا تملكون فيه الفخر بمِلْك ما، حتى لكأنها نعمة كبرى فى ناظركم لو بقي لكم النصف من أملاككم وأسركم وأعماركم! وكل هذا الخراب، هذا البؤس وهذا الدمار، يأتيكم، لا على يد أعدائكم؛ بل يأتيكم يقيناً على يد العدو الذي صنعتم أنتم كِبره"..

الخلاص..

ويؤكد "لابويسيه" أن كل هذه الألوان من المهانة التي لا تحتملها البهائم يسع الإنسان الخلاص منها لو حاول عقد العزم على ألا يخدم الطاغية، "فما أسألكم مصادمته أو دفعه؛ بل محض الامتناع عن مساندته. فترونه كتمثال هائل سُحبت قاعدته فهوى على الأرض بقوة وزنه وحدها وانكسر".

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

سي إن إن ترك: لقطات جديدة للحظة ركن السيارة الدبلوماسية السعودية بمرآب في إسطنبول حيث كانت مفقودة منذ يوم اغتيال خاشقجي قبل أن تجدها الشرطة الاثنين