الصراع الإيديولوجي والسياسي بالإقليم

كان ولا زال إقليم الشرق الأوسط بؤرة حيوية للصراعات سواء من داخله للهيمنة على المنطقة أو من الخارج لبسط النفوذ والسيادة على العالم أجمع.

الثلاثاء، 22-09-2015 الساعة 16:59


كان ولا زال إقليم الشرق الأوسط بؤرة حيوية للصراعات سواء من داخله للهيمنة على المنطقة أو من الخارج لبسط النفوذ والسيادة على العالم أجمع، فيوجد بإقليم الشرق الأوسط قوميات عديدة مثل القومية الفارسية (إيران) والقومية الطورانية (تركيا) ثم النبت الشيطاني الذي تم زرعه مع وعد بلفور، بجانب الأكراد الذين بات حلم دولتهم يقترب كل يوم بعد ظهور تنظيم داعش الإرهابي بين الشام والعراق، وبعد دعمهم عسكرياً من ألمانيا وفرنسا، بالإضافة إلى تاريخ العلاقة العميقة بين الأكراد وإسرائيل، بينما ظلت أكبر الشعوب عدداً في منطقة الشرق الأوسط أصحاب الأرض والتاريخ وهم العرب مفتتون تارة وتائهون تارة أخرى. ولكل قومية من هولاء مشاريع هيمنة وتوسع على حساب العرب أنفسهم، زادت وتضخمت في الأعوام الأخيرة خاصة بعد ثورات الربيع المزعوم.

ولنبدأ بإيران والمشروع الذي طرحه محمد جواد أردشير لاريجاني في نظرية أم القرى التي تعمل على مد القومية الفارسية للدول المحيطة، وتصدير الثورة الإسلامية لدول الجوار كما حلم الخميني، وجعل مدينة قم عاصمة دينية لجميع المسلمين، ومدينة طهران عاصمة سياسية. وبذلك تصبح الدول العربية كالمقاطعات التى تدين بالولاء لإيران، والسمع والطاعة للولي الفقيه. وبذلك أصبح أمام إيران كما يرى مؤسس تلك النظرية ثلاث قضايا أساسية لتطبيق استراتيجيتها: الأولى موقع إيران واستغلاله في زعامة العالم الإسلامي. والثانية الأمن الإيراني ونقل المعارك خارج حدود إيران، كما رأينا في حروب حزب الله وإسرائيل على الحدود اللبنانية. الثالثة تعمير إيران حتى تعكس وجهاً حضارياً للعالم عن الثورة الإسلامية، وكذلك توجة رسالة للغرب بتفوق إيران على جيرانها العرب عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وأنها الأجدر بأن تتولى زعامة تلك المنطقة. وتعتبر نظرية أم القرى امتداداً لأفكار ونظريات ظهرت بعد الثورة الإسلامية 1979، مثل نظرية القومية الإسلامية الشيعية، فعند نزول الخميني من الطائرة قادماً من باريس إلى طهران سأله أحد الإعلاميين: ما هدف ثورتكم؟ فقال: "لقد حكم هذة المنطقة الأتراك لعدة قرون، والأكراد لعدة قرون، والعرب لعدة قرون، وآن للفرس أن يحكموها لقرون طويلة".

وما جاءت الفرصة حتى قفزت إيران في ثورة الربيع العربى مبكراً عندما خطب خامئني لأول مرة باللغة العربية في صلاة الجمعة بطهران يوم 4 فبراير/شباط 2011؛ أي أثناء اندلاع الثورة بكل من مصر وتونس، وخصص خطبته لتحفيز الثوار على إسقاط النظام إلى أن وقعت حادثة قذف المقاتلات الإسرائيلية لمخازن أسلحة بالسودان تابعة لإيران، لتكشف لنا عن طريق الحرير الذي كان يمتد من جنوب السودان مروراً بمصر منتهكاً أمنها القومي وصولاً لغزة لدعم حماس بالأسلحة الإيرانية، وهو ما فسر لنا تصريح رئيس مجلس الشورى على لاريجاني عندما قال: "الآن أصبح لدينا ذراع جديد على الحدود المصرية بسيناء".

ومن المعلوم أن "أم القرى" تعني مكة المكرمة فقال تعالى: "وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ" (الأنعام 92)، وقال تعالى: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ"، (الشورى 7).

وساذج من يتوهم أن إيران تسعى لتصنيع القنبلة النووية لضرب إسرائيل كما يصرح لنا قادة إيران، فبنفس القنبلة التى ستضربها إيران على إسرائيل (التي تمتلك 200 رأس نووي) سينتشر غبارها الذري خلال دقائق معدودة ليدمر إيران نفسها، وطبعاً لن تضرب إيران أمريكا، ولكن التصريحات المتكررة منذ سنين باقتراب إيران من تصنيع القنبلة النووية ما هي إلا محاولة أخذ دور قائد منطقة الشرق الأوسط، وإنها خير ميسر ومنظم لسياسات المنطقة، والجلوس على مائدة واحدة مع الولايات المتحدة للتفاوض على غنائم الخليج، وهو الأمر الذي تجلى بتصريحات الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، على هامش مؤتمر إيباك عندما قال إن على شركاء الولايات المتحدة من السنّة في منطقة الشرق الأوسط قبول التغيير المقبل في علاقة الولايات المتحدة مع إيران، ثم أضاف ممتدحاً نظام الخميني قائلاً: "إن الإيرانيين أناس استراتيجيين وغير متهورين، ولديهم رؤية عالمية جيدة، ويرون مصالحهم، ويتعاملون في حساباتهم بمبدأ الربح والخسارة".

أما المشروع الثاني فهو المشروع العثماني القديم الجديد الذي تم إحياؤه على أيدي حكومة حزب العدالة والتنمية، وقت ما قال وزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو: نحن العثمانيون الجدد، ففي مؤتمر حلف الناتو بإسطنبول يونيو 2004، أطلق قادة دول حلف شمال الأطلنطي ما يعرف بمبادرة إسطنبول للتعاون مع الشرق الأوسط الكبير، ومنذ ذلك الحين أصبحت أحلام عودة الخلافة تحلق فوق روؤس العثمانيين الجدد، وهي ليست خلافة على الطراز العثماني القديم وإنما على طراز الناتو الحديث، إلى أن تفجرت ثورات الربيع العربي وتبدلت الأنظمة الحاكمة بأنظمة جديدة تابعة للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، وهي بالطبع تنظيمات تتقابل فكرياً وعضوياً مع الحكومة التركية، ليجد أردوغان حلمه تجسد لمشروع قابل للتنفيذ لتضعه الولايات المتحدة ضد المشروع الفارسي الذي سمي بالهلال الشيعى، وهو الهلال الذي اكتمل ليصبح بدراً بعد استيلاء الحوثيين على اليمن.

والمشروع الثالث الصهيوني الذي اعتمد على أفكار ونظريات تقوم على كيفية إرهاق دول الشرق الأوسط في صراعات فيما بينها، وإشغالها دائماً في أزمات داخلية وبث الفتن وتقسيم الأوطان، حتى تجعل إسرائيل دولة قوية بين مجموعة من الدويلات المفتتة الضعيفة مثل ما ذكر جابوتنسكي في مشروع الكومنولث العبرى، وبن جوريون بمشروع تقسيم لبنان، وشمعون بيريز في كتابه الشرق الأوسط الجديد الذي أصدره عام 1993، وفكرة تفتيت قوس الأزمات التى ذكرها بريجنسكي في كتابه بين جيلين، وهكذا يصبح المشروع الإيرانى والتركي إحدى ركائز المشروع الصهيوني الكبير، فربما تختلف وجهات النظر أو التكتيكات لتحقيق أهداف ذلك المشروع الإيراني أو التركي، ولكنها في آخر المطاف ستجد المشروع الصهيوني في انتظارها كي تستكمل إسرائيل آخر خطوة في مشروعها ودولتها الكبرى التي تحلم بها، فالثلاثة يتفقون على وضع العرب في خانة الفريسة.

والآن وبعد إسدال الستار على الفصل الأول لمسرحية الربيع العربي أو بالأحرى الربيع العبري، بدأ الفصل الثاني بعد ظهور البطل البديل لجماعة الإخوان على خشبة المنطقة ألا وهو تنظيم داعش، والآن تعيد واشنطن أفكار هنرى كسينجر عندما تحدث عن حرب المئة عام بين السنة والشيعة (على غرار حرب المئة عام بين فرنسا وإنجلترا) التي مضى منها أكثر من ثلاث عقود عندما افتتحت بالحرب بين العراق وإيران عام 1980، كما ذكر كسينجر نفسه، فمنذ اجتماع أردوغان ومدير المخابرات هاكان فيدان يوم 13 مارس الماضي وكل أفراد البيت العثماني يعملون لتكريس فكرة التحالف السني لمواجهة التمدد الشيعي ومحاربة داعش، وإذا كانت أنقرة اتخذت خطوات في ذلك فمع كل خطوة كانت طهران الأخرى تتخذ خطوة مثيلة؛ فبعد تصريحات علي يونسي علي لاريجاني يصرح بأن سقوط سوريا يعنى سقوط الكويت وافهموها كما شئتم، وفي الكواليس واشنطن تأمر أنقرة بعدم استخدام التحالف الدولى لمحاربة داعش لقاعدة إنجيرليك شرق تركيا، التي كان لها الفضل الأول في إسقاط بغداد 2003، وتسليمها لطهران، وبعدها بدقائق رسالة من جون كيري لطهران يؤكد فيها أن كل ما تم الاتفاق عليه بين الجانبين بالمباحثات السرية بالعاصمة العمانية مسقط لن يتغير فيه شيء ونسير سوياً في طريقنا، فأي طريق توجه فيه واشنطن طهران بعد الاتفاق النووي مع إيران؟ وما شكل التكليفات الجديدة لكل من أنقرة وتل أبيب؟ وما هي استراتيجية العرب القادمة وسط تلك العواصف والضباب؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة