الضلع الخليجي في مثلث القرار العربي

عندما خرج نتنياهو في خطابات الهزيمة على مدى الأسابيع الأخيرة، سعى للتملّص من حديث الميدان إلى كلام مُبعثَر في السياسة الإقليمية.

الثلاثاء، 02-09-2014 الساعة 12:06


شهران من القصف كفيلان بإحداث إزاحات نوعية في أي نظام إقليمي، فبعد الحروب تأتي الاستحقاقات. صحيح أنّ الجانب الإسرائيلي لم يربح جولته الحربية الأطول على غزة؛ لكنّ فريق نتنياهو لن يفرِّط بأي فرصة تتيح له ترميم خسارة الميدان برهانات السياسة، ولا شكّ أنّ حال الإقليم العربي يغري بذلك.

لا يبدو المشهد متماسكاً في أيِّ خيار يُذكر في الرقعة العربية. وفي هذا التفكّك غير المسبوق للنّسَق العربي ما يسمح للدور الإسرائيلي أن يسجِّل نقاطاً سهلة، في لحظة تاريخية تتوارى فيها الجامعة العربية، ويغيب فيها مجلس التعاون الخليجي، بل يهترئ فيها "التعاون الإسلامي" برمّته.

عندما خرج نتنياهو في خطابات الهزيمة على مدى الأسابيع الأخيرة، سعى للتملّص من حديث الميدان إلى كلام مُبعثَر في السياسة الإقليمية. تحدّث عن حلفاء وأصدقاء في المنطقة، وعن أواصر واتصالات غير مسبوقة. لا حاجة إلى تصديق رئيس حكومة مأزوم خسر حرباً ضارية ضد قطاع مكتظ باللاجئين، لكنّها إشارة ذات مغزى. فالقيادة الإسرائيلية ترى فرصتها في التناقضات العربية الداخلية ولن تفرِّط بذلك.

لن تدفع غزة أو فلسطين وحدهما الثمن الفادح لأي توغّل سياسي إسرائيلي في هذا المنعطف، فمثل هذا لن ينهض إلا على تعبئة الفراغ الذي أخلته قوى الإقليم العربي التي تتشتّت شواغلها.

وفي خلفية الموقف أنّ أضلاع مثلث القرار العربي تفكّكت؛ بانشغال سوريا بحرب التدمير الذاتي المزمنة، وانصراف القاهرة إلى حسم الموقف في ميادينها ومطاردة السراب في سيناء وربما الانزلاق إلى المجهول في ليبيا. أمّا الضلع الثالث فتهاوى بسياسات الصمت والانقسام واضطراب الأولويات التي تخيّم على الخليج.

يرى صانعو القرار الإسرائيلي القاهرة وقد خسرت مقوِّمات المبادرة، وتحوّلت إلى جغرافيا مكانية للتفاوض، ويلحظون خروج دمشق من مشهد الفعل وردّ الفعل، ولا يغيب عن أبصارهم تهشّم الحال العربية التي تعلو فيها أعمدة الدخان من تخوم بغداد ومحيط صنعاء حتى مطار طرابلس الذي بات عنواناً للمأساة الليبية والتناقضات العربية. لا يجوز للخليج في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة أن يغيب عن المشهد، أو أن يكتفي بتسديد النفقات المتراكمة لإعمار ما دمّره نتنياهو؛ لأنه ليس نفطاً وحسب.

يملك الخليج مخزونات لا تنضب من الأدوار الإقليمية الفاعلة، التي بوسعها أن تضبط شيئاً من الإيقاع المضطرب في العالم العربي. وإن لم تتماسك الرسميّات العربية على تحرّك جماعي بعد عدوان 2014 على غزة؛ فلا أقلّ من الاحتفاظ ببقايا عناوين أساسية في إدارة اللحظة الراهنة، حتى بما لا يستدعي قمّة لا يرغب القوم بعقدها على ما يبدو.

يمكن للرسميات العربية أن تواصل تنازلها عن التوجّه لإدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، لكنّ ذلك لن يبرِّر لها إخلاء الطريق أمام نتنياهو وفريقه الأرعن ليمضي بدون إشارات حمراء فوق أنقاض العمل العربي المشترك. إنه سؤال اللحظة عن السلوك العربي في حرب تدور رحاها في الأروقة، ولن تأتي إجابته بمعزل عن الخليج.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة