الظاهرة "الأردوغانية" والظاهرة "المهاتيرية"

ثمة ظواهر عامة مشتركة بين مهاتير وأردوغان: فكلامها يجسد حداثة إسلامية، تفهمها الجماهير الإسلامية على أنها ترجمة عملية للفكر الإسلامي

الثلاثاء، 16-06-2015 الساعة 11:26


ثمة ظاهرة مثيرة للإستغراب، وهي أن شعبية أردوغان بالوطن العربي الكبير والعالم الإسلامي ربما تكون أكثر بكثير من شعبيته داخل تركيا! ولو أن حزب العدالة والتنمية خاض الانتخابات "بكل خصوصياته التركية" في دولة عربية "ما"، فربما ينال 80 أو 90 بالمائة من الأصوات، ولن يخرج بالأربعين بالمائة التي نالها مؤخرا، وأدخلت تركيا في مرحلة من الغموض السياسي أحزنت أقواما، وأبهجت عرباً أخرين! وكالعادة المتأصلة بالنفس البشرية: حين تحضر العاطفة: يختل التوازن، ويكون الميل اللذيذ المُجانب (غالبا) للموضوعية، وفي سياق العالم العربي: لطالما ارتبط اسم "اردوغان" بالحب العميق، ولطالما حضرت العاطفة العربية بكل جبروتها العنيف حين يأتي ذكر أردوغان وانجازاته التنموية بالعقد الأخير، وكأننا أمام قصة "أردوغان" و"ليلى"، لكن مع الفرق بأن "ليلى" العربية هي التي عشقت أردوغان هذه المرة، بعد أن تركت، لأسباب نستقصيها بهذا المقال، حبيبها العربي: قيس!

وحتى لا يفرح بعض الشامتين: فلسنا بصدد نقد أردوغان، ولا يهم رأي الكاتب بشخصية هذا الزعيم التركي قبولا أو رفضا، بل نحن نلتفت هنا إلى بُعدنا العربي الإسلامي الذي يمارس نوعا من "الولاء والبراء" المتطرف في هذا النوع من الظواهر المستجدة في فترة ما بعد الصحوة الإسلامية، ونحاول تحليل الظاهرة الأردوغانية ، والتي تبدوا إلى حد بعيد، متشابه مع أختها: الظاهرة المهاتيرية، نسبة إلى مهاتير محمد، الزعيم الماليزي المعروف.

وثمة ظواهر عامة مشتركة بين مهاتير وأردوغان: فكلامها يجسد حداثة إسلامية، تفهمها الجماهير الإسلامية على أنها ترجمة عملية للفكر الإسلامي الذي يبشر بأن "الإسلام دين ودولة صالح لكل زمان ومكان"، وكلاهما استطاع تحقيق استقرار نسبي طويل زمنيا في بلده أثمر عن تنمية ملموسة تسندها أرقام وحقائق، لكن الظاهرة الأهم: أن كلاهما صنع بنجاح "خطاب إسلامي" عابر للحدود، أثمر عن زخم قوي لقاطرته التنموية، تتجاوز مداها الوطني إلى مدى أرحب فكريا وجغرافيا (أي المدى العربي الإسلامي الكبير)، إذ تحول خطابي أردوغان ومهاتير إلى نوع من "المقاييس المعيارية" التي تسقطها النخبة العربية وجماهيرها على الواقع المر، حيث تكون المقارنة المائلة (وفقا لتلك المعايير) إلى جانب ماليزيا وتركيا، باعتبارهما متقدمين حضاريا وتنمويا.

هذه هي الحقيقة من الجانب الجماهيري العربي الإسلامي، والتي تبدوا رد فعل شديد لجرعات الكاريزما المركزة لأردوغان ومهاتير، ولكن ماذا عن الحقيقة بوجهها الـ "غير نسبي" المتجرد من ضوضاء الكاريزما وصخب الجماهير؟

في كلا الظاهرتين: الأردوغانية والمهاتيرية، يمثل الإسلام "هوية" أكثر من كونه "فكرا" حاكما للرجلين. فهما حاكمان، ديانتهما إسلامية، وليسا حاكمين يحكمان بالنظام الإسلامي، وتجربتهما ليستا تجسيدا لفكر إسلامي مهيمن بقدر ما هي نجاحات لكيانات إسلامية الهوية، براغماتية الهوى. لذا يمكن القول بأن الفكر الإسلامي المتكامل والصحيح كليا هو الضحية الأولى للظاهرتين الأردوغانية والمهاتيرية. فبالظاهرة التركية: خرج أردوغان على خط أستاذه أربكان ومنهج حزب السعادة (ذو الفكر والمنهج الإسلامي الشديد الوضوح والإكتمال والتوازن) نحو آفاق أكثر براغماتية وأقل إسلامية. وفي الظاهرة الماليزية: أسس مهاتير حزبه "أمنو" ذو التوجه الإسلامي الممزوج بعلمانية تقتضيها سياقات الحقائق العرقية والإجتماعية في ماليزيا. وهذا لا يمنع أن ثمة بُعد إسلامي حاضر في خطابات أردوغان ومهاتير (مسألة الحجاب في تركيا، والقوانين الملزمة للأغلبية الإسلامية بماليزيا، مثلا)، لكن تبقى المنهجية، والسياسة العامة، والخطوط الفكرية العريضة هي محل الجدل، ومحل التساؤل، ومحل الإعراب تبعا لموقعها من الفكر الإسلامي المهيمن الشامل والذي تنادي به حركات الإسلام الوسطي.

الحقيقة الأخرى هي أن الرجلين حكّما لغة المصالح لا الفكر مع الغرب، فتخلّصا من التصادم الغربي-الإسلامي (وهذا جيد لمصلحة التنمية الاقتصادية)، لكنهما قدما تنازلات أيضا تخدم الطرف الآخر، وهي تنازلات سياسية بامتياز ونقدها بمنظور إسلامي لا يصب بمصلحة تعريفهما كزعيمين يتبعان منهجا إسلاميا صرفا.

وداخليا: تصالح أردوغان مع الدولة التركية "العميقة" ذات الجذور الأتاتوركية الضاربة بأعماق التاريخ والسياسة والفكر العلماني، وهي مصالحة لم تتضمن تنازلا عن علمانيتها بقدر ما هي تقبلٌ لحقيقة الهوية الإسلامية لتركيا، لكن من الناحية الأخرى، ثمة تنازلات ما قدمها أردوغان، تتجسد بتعاطيه الواقعي مع ثوابت السياسة التركية الداخلية والخارجية، ومنها العلاقات مع إسرائيل، وإدارة المصالح الأمريكية والتماهي وسياستها الإقليمية، والعمل بمقتضيات الحرب على الإرهاب، وذات الشيء ينطبق على مهاتير مع اختلافات موضوعية تتعلق بشكل الدولة العميقة في ماليزيا، ومجيء مهاتير للحكم كامتداد لتلك الدولة، وليس من خارجها كما بحالة أدروغان.

ولسنا هنا بمعرض التجريح أو التعديل، أو ذم الرجلين أو مدحهما، بقدر ما نسعى لبحث الظاهرة التي نتحدث عنها. فهي كشفت حقائق قد تبدوا غير مرضية لحركات الإسلام الوسطي، كالإخوان المسلمين وحزب السعادة التركي وغيرهما. فالواجدان الإسلامي العام يبدوا أكثر تقبلا للتنازلات الفكرية وربما السياسية (مادامت بعض الثوابت العقائدية محفوظة ومسنودة برصيد من النزاهة الأخلاقية) مقابل تحقيق مصالح للجماهير الإسلامية، خصوصا بالجانب التنموي والسياسي، وهذا فشل جزئي لمنهجية حركات الإسلام الوسطي بعد قرابة قرن من العمل، ومؤشر على صعوبة فرض فكر إسلامي عام وشامل يكون ثمنه تـفويت مصالح مرحلية، كما أن غياب رجال الدولة من حاملي الفكر الإسلامي الحركي هو أحد أسباب تزايد تقبل الظاهرتين التي نشير إليهما، فضلا عن عقم الخطاب النخبوي الخاص الذي مارسته حركات الإسلام الوسطي على مدى عقود، لأسباب لا يتسع المقام لذكرها.

وتظل شعوبنا العربية كالطفل الفاقد للحنان! والحاكم العربي، في معظم ديار العرب، بدلا من أن يكون أبا للجميع: أصبح يمارس دور "زوجة الأب" على شعبه اليتيم! وهذا صنع فراغا، يكفي لملأه بضع خطابات وجُمُل قوية تمتلئ نخوة، يلقيها زعيم قوي الشخصية كأردوغان أو مهاتير، وتسندها مواقف سياسية، مع بضع خطوات تنموية ملموسة في سياق وطني محدود (تركيا في الظاهرة الأردوغانية وماليزيا في الظاهرة المهاتيرية)، وهذا يطرح سؤالاً جدياً حول الفراغ القيادي الكبير في العالم العربي، الذي لم يملؤه الحاكم، ولم يملؤه زعيم وطني (حتى لو كان خارج الحكم)، فلا "عَــرّاب" ولا "منظّرون"، ولا خطباء بلغاء يهزون أعماق شعوبنا الحية، التي سئمت الموت، وملت الصمت، ومقتت السُلْم الوهمي المائل للجُبن والمهانة، ومن ثم كانت النتيجة المخيفة، بأن بضع كاريزما لأي مَعلم إسلامي تكفي لتسليم قياد الجماهير العربية الإسلامية إليه، مهما كان محتوى وحقيقة وأهمية وثقل هذا المَعلم!

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة