العبادي يحدث ندماءه أنه فَشِل وقد يستقيل!

ذهب العبادي هذه المرة وأمريكا تنفض يدها من العراق، من أرضه ونفطه وشعبه، مع استثناء بسيط، هو أهمية المنطقة الكردية.

الاثنين، 30-03-2015 الساعة 21:35


يرتب حيدر العبادي أوراقه قبل ذهابه لواشنطن الأسابيع المقبلة، أظنها رحلة في غاية التعقيد، فعندما كان المالكي ومن قبله الجعفري وقبله علاوي يرحلون إلى واشنطن كان موقفهم قوياً جداً، كانت أمريكا بحاجة ماسة لهم، فعولمة أمريكا مرتبطة في حينها برقبة حرب العراق ونهايتها السلمية باتفاقية أمنية، مع بلد محتل أهديت إليه السيادة مجدداً.

يذهب العبادي هذه المرة وأمريكا تنفض يدها من العراق، من أرضه ونفطه وشعبه، مع استثناء بسيط، هو أهمية المنطقة الكردية، وتداعيات الصراع مع تنظيم "الدولة" الذي- ولسوء التقدير السياسي- سحب العراق نفسه منه، لم يعد العراق شريكاً في توجه أمريكا لمقاتلة "داعش" بقدر ما صار للعراق منهجية مستقلة في ذلك، ولقد وصلت لأمريكا الرسالة؛ صار العراق بدل أن يكون شريك المعركة، صار بطريقة أو أخرى مصدر إزعاج وتشكيك، بل وعبئاً ثقيلاً على معركة أمريكا مع داعش.

دعونا نتعمق أكثر؛ العراق ومنذ عمليات تكريت، أو منذ أحداث الموصل، صار في نظر السياسة الأمريكية والإعلام الأمريكي، بل وحتى شركات النفط الأمريكية، صار ملفاً ملحقاً بملف إيران النووي والسياسي، كان الحشد الشعبي عاملاً مباشراً في ذلك، توجه الوجود الفجّ والمعاند لقاسم سليماني على أرض العراق.

لقد استفادت قوى حية في العالم، وخاصة في أمريكا، أكبر استفادة من وجود قاسم سليماني قرب تكريت، في الحقيقة كانت الصور الثابتة لقاسم سليماني قرب تكريت وفي ديالى ومن حوله السلاح الأمريكي، بل وهو يركب مدرعات وعربات أمريكية، كانت هدية من السماء نزلت على لوبيات الضغط، إنها تقول بمعنى آخر: "العراق الجديد هو محافظة إيرانية" هو منطقة "بالوكالة" كورقة تفاوضية لنووي إيران.

قال حيدر العبادي لمن يجلس معه قبل أيام: إنه مكبل ولا يستطيع فعل أي شيء ويفكر جدياً بالاستقالة من منصبه وذاك مرتبط بحسابات ذهابه لأمريكا، والعبادي صادق في هذا، ولكن لا أظنه يُقبل على الاستقالة، فالعراق ليس بلداً أوربياً، على الرغم من أن شهادة العبادي العليا حصل عليها من بريطانيا، لكنه لن يفعلها.

لماذا حيدر العبادي كان صادقاً بأنه لا يستطيع فعل أي شيء؟ من ناحية المال فإن الدولة قد تعلن أفلاسها خلال ثلاثة أشهر، أو أنها تسرع في تقطيع ميزانية المحافظات وتقتل الرواتب بالتدريج لموظفي الدولة الأدنى فالأدنى، لا توجد أي أموال، مكتب العبادي ونوابه قلل النفقات الآن إلى 70 بالمئة، ربما اقتصر على تقديم الشاي فقط.

من ناحية أخرى، فإن قرار الحشد الشعبي "المنقسم حالياً على نفسه" ليس بيد حيدر العبادي مطلقاً، وعندما غادر قاسم سليماني العراقي رغماً عنه بقرار من المرشد الإيراني مباشرة، أخذ مفاتيح اللعبة معه، ووضع نصف اللعبة بيد هادي العامري المنشق عن حضن عمار الحكيم، والصديق الحميم حالياً لنوري المالكي.

أكثر ما حطم مصداقية العراق أمام أمريكا هو معركة تكريت، يمكن أن نقول إنها قشة كادت تقصم ظهر البعير، لم يكن العبادي على علم بمعركة تكريت وتقويتها، علم بذلك قبل يوم واحد!! لقد ورطه بها هادي العامري وقاسم سليماني، وأربكه وأربك علاقته وعلاقة العراق مع أمريكا، وأمريكا تقرأ ذلك جيداً.

يا سادة إنه ملف إيران النووي الذي اقترب طبخه، في يومها لم ترسل الحكومة العراقية أي رسالة للتحالف الدولي أنها تنوي توجيه ضرباتها نحو تكريت، فبدأت المعركة وأمريكا لم تُبلغ رسمياً من العراق رغم أن العبادي اضطر اضطراراً لأسباب إعلامية للركض إلى سامراء وإعلان انطلاق المعركة، بعد يومين فقط أعلنت أمريكا أنها لا تعلم أي شيء عن معركة تكريت.

بطبيعة الحال فإن أمريكا تعلم كل شيء، تعرف الأرض شبراً شبراً، وشخصاً شخصاً، وتحتفظ بنسخة من كل صورة وفيديو ومكالمة مرت على هواتف العراقيين جميعاً، ولكنها لم تبلغ رسمياً بها، وهذا فرق كبير، جعلها تدير ظهرها للحكومة، وتواصل عملها وطلعاتها الجوية التي بلغ عددها في العراق منذ بداية الهجمات نحو 2700 طلعة، وليس في غرفة عملياتها "عراقي واحد"، والضربات بلا شك قوضت من قدرات داعش بشكل واضح، وربما الطلعة الجوية الواحدة تكلف راتب آلاف الموظفين العراقيين في الشهر، وهو دين قادم ثقيل!!

انسحب هادي العامري عن العبادي في وقت حرج جداً، لقد فشل العامري والعبادي رغم كل الإعلام والسلاح في اقتحام تكريت، وكان ملف إيران النووي على وشك أن يتم توقيعه وإنفاذ اتفاق 5+1 مع إيران نهاية هذا الشهر، لكن سليماني والعامري خذلا إيران حقاً، واستلمت إيران الرسالة أن السعودية وتركيا يخططان لشيء ما قبل أسبوع من انطلاق عاصفة الحزم، السعودية تحديداً، ستثأر من برنامج إيران النووي في ساحات عدن وصنعاء.

صارت تكريت من حصة ملف إيران النووي في العراق، وعدن وصنعاء من حصة تقويض الاتفاق بقراءة أوسع، تشترك فيها لوبيات عابرة للقارات، والنتيجة أن العراق صار خارج الحسابات، هو بالفعل ملف ملحق بإيران.

تلقفت أمريكا العبادي مجدداً ولو على مضض، بينما غضب على العبادي تيار شيعي واسع، العبادي الآن في نظر نصف شيعة العراق"عميل أمريكي" بمعنى آخر، فإنه لا يصلح أن يكون ممثلاً لشيعة العراق بعد الآن، لأن شعبيته في الحضيض، والعبادي يعاني الآن من نفس المشكلة السنية في العراق، وأعني بذلك تمثيل السياسيين السنة للجمهور السني، فمنذ البداية فإن تشخيص أمريكا لقيادات سنة العراق بأنهم لا يمثلون الجمهور السني، بل قفزوا قفزاً للصدارة، بينما القيادات الشيعية كانت تمثل الجمهور، هذه المرة الأمر مختلف تماماً، العبادي سيذهب إلى واشنطن بخفَّي حنين، لا من جمهور، ولا من شراكة في الأمن والسياسة والاقتصاد.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

سي إن إن ترك: لقطات جديدة للحظة ركن السيارة الدبلوماسية السعودية بمرآب في إسطنبول حيث كانت مفقودة منذ يوم اغتيال خاشقجي قبل أن تجدها الشرطة الاثنين